العدد 773 - الأحد 17 أكتوبر 2004م الموافق 03 رمضان 1425هـ

موسكو تبحث نموذج «الزرقاوي» في نزاع الشيشان

كشفت صحيفة «الرأي» الأردنية أمس الأول معلومات في منتهى السرية حملها تقرير إعلامي لمراسلها في العاصمة الروسية موسكو وفيه يؤكد رئيس الاستخبارات الروسية أن تنظيم «القاعدة» (ليس وهماً) في روسيا. وبحسب الجنرال نيكولاي باتروشيف فإن عددا من القادة الميدانيين الذين يخوضون حربا منذ ما يزيد على السنوات العشر في جمهورية الشيشان ضد القوات الروسية ينتمون إلى هذه الشبكة العالمية وان بعضهم قتل اما في عمليات استخبارية خاصة مثل «خطاب» أو أثناء المعارك مثل «أبوالوليد» وصلوا إلى روسيا عبر دول الجوار منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي. ومع أن السلطات الروسية لم تنشر اعترافات أي ممن تصنفهم في قائمة عناصر «القاعدة» الناشطين في أراضيها، فإن وسائل الإعلام تسرب معلومات استخبارية مفادها أن الأجهزة الروسية تمكنت من الحصول على صورة فوتوغرافية و«معلومات مستفيضة» عن زعيم التنظيم في الشيشان «أبوحفص» الذي خلف القائد الميداني «أبوالوليد» إثر تقارير رسمية روسية عن أن الأخير قتل في عملية خاصة قبل بضعة شهور، ووفقا لهذه التقارير فإنه في الأربعين من العمر وحارب في طاجيكستان مطلع التسعينات مع مقاتلين قادمين من أفغانستان ثم انتقلوا إلى الشيشان العام 1994. وأصبح «أبوحفص» المدرب العسكري لمعسكرات المقاتلين الشيشان. ويوصف بأنه (أمين صندوق) «القاعدة» في روسيا. ويرى بعض المحللين أن تركيز الآلة الإعلامية الروسية على عناصر أجنبية تنسبها إلى تنظيم «القاعدة» باعتبارها العمود الفقري للعمليات المسلحة ضد القوات الروسية، يشبه إلى حد معين التركيز الإعلامي الأميركي على دور «أبومصعب الزرقاوي» في العراق. وأن الهدف من ذلك صرف الأنظار عن وجود مقاومة محلية للقوات الروسية مثلما تسعى الإدارة الأميركية لتصوير الهجمات ضد قواتها في العراق على أنها «صناعة مستوردة» وليست انعكاسا لبيئة معادية للاحتلال يلعب فيها مسلحون ومقاومون عراقيون من مختلف الاتجاهات دورا رئيسيا. وأن نسب العمليات ضد القوات الروسية الى مرتزقة وإرهابيين أجانب يهدف إلى التشويش على جذر وتفاصيل وتداعيات النزاع في الشيشان التي يؤمن غالبية المحللين بالحاجة إلى مدخل سياسي للتعامل مع ملفاته المعقدة بدلا من الرهان على القوة لوحدها. وقالت الصحيفة ان أخبار «أبوحفص» صارت شبه يومية في وسائل الإعلام الروسية مثلما باتت أخبار «أبومصعب» الخبر رقم واحد في التطورات العسكرية والسياسية داخل العراق وفي وسائل الإعلام الأميركية. ويشير المتحدثون باسم وزارة الدفاع الروسية إلى أن الأجهزة الخاصة تتعقب «أبوحفص» وأنها تمكنت من ضبط مكالمة هاتفية مع المركز في الخارج أدت إلى إلقاء القبض على «مبعوثين جدد» من التنظيم من بينهم خبير في المتفجرات يدعى «خليل رضوان» يحمل جواز سفر بريطانيا وآخر جزائريا باسم «كمال بورحلة» دخلا الشيشان بتأشيرات سياحية عبر أذربيجان.

وبغياب مصادر محايدة وفرض رقابة على النشر في تغطية الحوادث الجارية في جمهورية الشيشان، فإن الخبراء المستقلين يشككون في دقة الروايات الرسمية مع قناعتهم بوجود متطوعين أجانب من بعض الدول العربية ومن تركيا وصلوا إلى غروزني للقتال إلى جانب الانفصاليين. واثر العملية الإرهابية البشعة في مدرسة مدينة بيسلان بأوسيتيا الشمالية التي أودت بحياة أكثر من 350 رهينة غالبيتهم أطفال، كثفت الآلة الدعائية للأجهزة الروسية من الحديث عن دور المرتزقة الأجانب في النشاط المسلح للانفصاليين الشيشان وعلى خلفية تقارير رسمية عن مشاركة إرهابيين من دول عربية بين صفوف المجموعة المسلحة التي احتجزت رهائن المدرسة المنكوبة دون أن تقدم هذه السلطات أدلة قاطعة على أن الجثث المشوهة للمقاتلين والتي احترقت غالبيتها بنيران القوات الروسية الخاصة التي اقتحمت المدرسة تعود إلى عرب فعلاً. ولم يجد احد المحققين شيئاً غير أن يزعم أن أطباء الطب العدلي حددوا هوية إرهابيين اثنين قتلا في المدرسة من بين 30 جثة عن طريق «الختان». وحسب هذا المحقق فإن «شكل الختان لدى العرب يختلف عن الختان لدى الشيشان»؟ وأثارت هذه التصريحات تعليقات ساخرة مع أن غالبية وسائل الإعلام الروسية تتبنى فرضية وجود إرهابيين من الدول العربية بين محتجزي رهائن المدرسة وهي العملية التي أدينت بشدة في العالم العربي على مختلف المستويات الرسمية والإعلامية والشعبية. وأثيرت الأسئلة بشأن جدية التحقيق في المأساة ما دام أحد القائمين على الأجهزة الأمنية يملك هذا القدر من الخيال بالحديث عن «الفوارق الجراحية» في ختان العرب عن بقية المسلمين! ويبلغ إجمالي المتضررين من عملية بيسلان 776 بينهم 338 طفلا ومات أكثر من 350 أثناء عملية الاقتحام وما تزال السلطات لم تتعرف على جثث أكثر من 20 ضحية في حين يسارع المحققون إلى الزعم بأنهم تمكنوا من تحديد هوية الإرهابيين بواسطة «الختان» في حين تعترف السلطات بأنها لم تتمكن إلى الآن وبعد شهرين تقريبا من تحديد هوية أكثر من 17 جثة بين جثث المسلحين البالغ عددها 30 جثة غالبيتها تفحمت من نيران معركة الاقتحام التي يجمع المراقبون على أنها كانت غير معدة وان القوات الخاصة قامت بعمل لا يكشف عن مهارة. وعزت الصحيفة إلى عدد من المحللين الروس قولهم إن تعليق الأزمة الشيشانية وتفاعلاتها على مشجب القاعدة والمرتزقة والإرهابيين الأجانب لن يساعد على معالجة الأزمة الشيشانية التي لا يلوح في الأفق حل حاسم لها حتى مع تشديد الكرملين على خيار القوة والرهان على الحل العسكري دون سواه. ويعترف الرئيس الشيشاني الموالي لموسكو علو الخانوف بأن أبناء جلدته يشكلون «النواة الرئيسية» للجماعات الانفصالية المسلحة. وقال لإذاعة «بي بي سي» بعد انتخابه الشهر الماضي «معظمهم من أصول شيشانية». وأكد الخانوف انه مستعد لتنظيم «طاولة مستديرة» عن الأوضاع في جمهورية الشيشان «والحوار مع من يساهم في تطبيع الوضع». لكن الرئيس الموالي لموسكو رفض بشكل قاطع «التفاوض مع الإرهابيين» وأدرج ضمنهم الرئيس الانفصالي أصلان مسخادوف والقائد الميداني شامل باساييف الذي اعترف بأنه يقف وراء عملية احتجاز الرهائن في مدرسة بيسلان. أما مسخادف الذي نأى بنفسه عن العملية الإرهابية البشعة فان موسكو تتهمه بالضلوع في التخطيط وفي التمويل ولا تفوت الإشارة إلى أن جماعات عربية وإسلامية خارج روسيا ضالعة فيها وفي غيرها. وربما يترك تصريح الخانوف بأن الرئيس الانفصالي مسخادوف «لا يسيطر على الوضع» وان باساييف هو الذي يشرف على العمليات الإرهابية الانطباع بأن الرئيس الشيشاني الموالي لموسكو قد يتوصل أخيرا إلى القناعة بضرورة التفاوض مع ممثلي الانفصاليين في إطار برنامج واسع للمصالحة الوطنية وعندها فان دور «القاعدة» والإرهابيين الأجانب في النزاع الشيشاني لن يكون حاسما كما تصوره الآن الأجهزة الروسية المعنية بربط الوضع في شمال القوقاز بالحرب العالمية على الإرهاب الدولي في مسعى واضح للحصول على مزيد من الدعم الأميركي المعنوي في الحملة العسكرية على جمهورية الشيشان والتي لم تضع حدا للنزاع الملتهب منذ مطلع التسعينات

العدد 773 - الأحد 17 أكتوبر 2004م الموافق 03 رمضان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً