شاركت جمعية المرسم الحسيني للفنون الإسلامية في المؤتمر الدولي الثاني للمنظمات الإنسانية والخيرية، الذي عُقد في جنيف بسويسرا، في الفترة ما بين 24 و26 سبتمبر/ أيلول الماضي، بدعوة من الحقوقي العربي المعروف هيثم منّاع. ومثّل المرسم الحسيني كل من جلال العريض وعلي الرقراق، اللذين تحدثا إلى «الوسط» عن هذه الرحلة وانطباعاتهما عن البلد المضيف وشعبه، وما لقيته المشاركة من تشجيع وتفهّم كبيرين للغة الفن العالمية... وهنا ما دار في هذا اللقاء:
ما قصة ذهابكما إلى جنيف؟
- جاءت الدعوة من هيثم منّاع بعد أن حضر المرسم الحسيني في شهر محرم الماضي، إذ أبدى إعجابه بالفاعلية وما تضمنته من محور إنساني يشمل البحرين والعراق وفلسطين، واهتمام يطرح قضايا هذه البلدان، ولإعجابه بالفكرة قدّم إلينا الدعوة لحضور المؤتمر الثاني للمنظمات الخيرية والإنسانية، إذ تناول وسائل الحماية وآلياتها لحماية هذه المنظمات والهيئات من الضغوط والتدخلات الحكومية.
وأبرز مثال ما تمارسه الولايات المتحدة في سياق حربها ضد الإرهاب بدعاوى تجفيف منابع الإرهاب، فتمنع تمويل المؤسسات الخيرية غير الحكومية التي كانت تتولى حفر الآبار للفقراء في إفريقيا أو زلزال بم الإيرانية.
وهل الفكرة تبني قضايا معينة لتجدوا مقابلها دعماً مماثلاً؟
- الفكرة كمرسم لم تكن مقايضة، بأن أدعم العراق مثلاً لكي يدعمني... فنحن نعمل من مبدأ إنساني بحت، انطلاقاً من ثورة الإمام الحسين (ع) التي ألهبت خيال الكثير من الحاضرين لأنه لم يثر من أجل فئة معينة وإنما من أجل الإنسان عامة، مع قلة من أصحابه من أهل المبادئ الإنسانية العليا. وفي هذه الفترة من الزمن هناك من يبتعد عن العمل الخيري لأنه يتعرض للضغوط الأميركية.
من أيّ الدول كان الحضور؟
- من السعودية وقطر والبحرين (التي مثّلها المرسم والجمعية البحرينية لحقوق الإنسان)، ومن غالبية الدول العربية. بعضهم جاء من الداخل وبعضهم من الخارج. من العراق كان المفترض أن يحضر 45 شخصاً ولكن بسبب مشكلات اليزا (التأشيرة) والقصف على طريق المطار لم يصل منهم إلا اثنان فقط. كما حضر مركز دراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان ومقره العام في الفلوجة.
ألم يكن وجودكم في هذا التجمع مستغرباً؟
- بعض الحضور كان مستغرباً فعلاً من حضورنا وما نحمله من اسم (مرسم حسيني) يمثل صبغة إسلامية، وكيفية التعامل معه، لكننا بعد المناقشة معهم تبيّن لهم كيف خرجت هذه الأعمال الفنية من مبادئ إسلامية بحتة، ولاحظوا أن اللوحات كانت تواكب القضايا العربية والإسلامية المعاصرة ولم تكن منحصرة في إقليم أو مذهب وإنما تحمل هماً إنسانياً عاماً. فحينما تخرج الألوان وتلامس اللوحة، يكون الناتج مزيجاً رائعاً من الأفكار المستوحاة من الإمام الحسين (ع) وعاكسة لعدة ثقافات، بصرف النظر عن العرق أو الديانة أو القومية، ففي الفن يتكلم المسلم والمسيحي والبوذي والهندوسي لغة واحدة. كما أوضحنا لهم أننا كنا منذ التأسيس نعمل للقضايا العامة كفلسطين والعراق وغيرهما.
وماذا بالنسبة إلى الأجانب؟
- بعض الحضور من البرازيل وأميركا اللاتينية والشمالية، والدنمارك والسويد وإيطاليا وعرب بريطانيون، وبعضهم عرب من تونس وليبيا، لم يكونوا يستطيعون الحضور باسم بلادهم الأصلية، بالإضافة إلى الكثير من الأوروبيين، لأن الدعوة كانت موزعة على الإنترنت.
وماذا عن الإسرائيليين...؟
- لا... لم يحضروا.
ماذا عن أجواء المؤتمر؟
- كان المفروض حضور 180 منظمة، ولكن الحضور كان أكثر لأهمية المؤتمر، إذ حضر البعض بصفتهم الشخصية.
هل تلقيتم عروضاً أخرى؟
- كان هناك معرض في فرنسا عن فلسطين (معرض باريس - فلسطين). وهناك جماعة توانسة سويسريون يزورون غزة والقدس والضفة لمساعدة الفلسطينيين ويقومون بدور دروع بشرية... العام الماضي قامت الجماعة السويسرية بالاحتجاج على أحد الحواجز بين مدينتين، تم احتجازهم بين بوابتين طولهما كيلومتر لمدة أسبوع، تحت الحصار... واعتصمت معهم هذه المجموعة حتى فكوا الحصار. فلسنا نحن العرب فقط من يساعد العرب مادياً أو إعلامياً، بل هناك من يقوم بدور ربما أكبر منا، ولو تعرّض بعضهم للضرب. أحياناً كانوا يدخلون «إسرائيل» بصفتهم سياحاً أو لحضور مؤتمر مثلاً عن البيئة لكن بقصد حضور ودعم الفلسطينيين.
من هنا كانت فكرة المرسم فأعجبتهم وفكّروا في نقلها إلى غزة، وهم يفكّرون في عمل جدارية هنا، لأن الأجانب يتأثرون بذلك. كما طرحوا فكرة عمل روزنامة أو ميداليات يخصص ريعها كدعم مادي، وكذلك من ناحية أخرى نفسياً للفلسطينيين.
أليس ذلك ابتعاداً عن منطقتكم الإقليمية إلى أوروبا البعيدة؟
- رسالتنا إنسانية عامة، لذلك يشاركنا البوذي أو المسيحي في هذه الأهداف الإنسانية، ويشاركون معنا في الرسم والفعاليات. ونحن لم نتوقف عند الحدود الإقليمية.
وهل اقتصرت المشاركة على عرض اللوحات؟
- نحن لم نتوقف عند حدود العرض، بل خرجنا إلى زيارة معارض فنية، يتم التبرع بريعها إلى الجمعيات الخيرية، ويمكن أن نتعاون معهم في المستقبل.
ما هي انطباعاتكم عن البلد؟
- تشعر أن الشعب ودود وصديق، لا يفرّق بين الأبيض والأسود، وأنت لن تتعب في كسب عطفهم للقضايا الإنسانية. ترى شخصاً يعمل مديراً، وفي العصر يعمل في عمل إنساني تطوعي... البلد بلد حقوق.
كما أنهم شعب سوّاح... يلف العالم، فالناس عادةً تزور مدناً أجمل من مدن بلادها، ولكن هؤلاء يزورون بلداناً ليتعرفوا عليها.
لاحظنا أنه لا يوجد رجل شرطة ولا رجل مرور، ومع ذلك فالسير يكون مثل الساعة السويسرية. إذا عشت في بيئة حقوقية عرفت حقوقك وواجباتك أين تبدأ وتنتهي. حتى خطوط المشاة، ذات مرة أحدهم تجاوز خطوط المشاة قليلاً فأرجعه أحد المواطنين فرجع. الشيء الطريف الوحيد الذي حدث معنا هو أثناء خروجنا من الفندق إلى محطة الباص... لنحدد على الخريطة. لم نعرف كيفية شراء التذكرة. أجابنا أحدهم: إنه يوم لـ «لا للتلوث»... إذ تتوقف الباصات.
كنتم قادمين من منطقة صورتها مشوّهة بفعل الأعمال الإرهابية، كيف كان استقبالكم؟
- عندما كانوا يشاهدون اللوحة الفنية يحدث بسرعة ما يشبه المراجعة للأفكار. فالسويسري العادي إذا كان لديه تصوّر عن العربي كمتطرف وإرهابي، إذا شاهد لوحة طفل بريء يبكي، يبدأ في إعادة تركيب الصورة، فيظهر لديه أن ليس كل المسلمين إرهابيين.
ماذا حققتم للبلد؟
- السلوك إذا كان حضارياً مع الناس ستكون صورته لدى الآخرين إيجابية، فما يفعله المواطن ينعكس على صورة البلد. أما إذا كان توجه التيار أو الجمعية إلى فئة معينة فالصورة التي ترسمها ستكون مشوّهة. نتمنى أننا خرجنا بصورة جيدة وجميلة للبلد وللجمعية، وهو ما قاله لنا السفير والمندوب الدائم لمملكة البحرين بجنيف وفييّنا سعيد محمد الفيحاني، وهو بالمناسبة (نائب رئيس لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة)، وقد زارنا في الفندق وجلس معنا ساعتين، ورحب بنا وقال إن هذه المشاركة تعكس الوجه الحضاري للبحرين، بل إنه عتب علينا وسألنا: لماذا لم نتصل بـ «الخارجية» لإخباره بتنظيم المؤتمر؟ فقلنا له إنه لم تكن لدينا فكرة، فقال إننا على استعداد لمساعدتكم، وخصوصاً أن هذا العمل يروّج للبلد، ويبرز هذا البلد الصغير بشكل جميل للعالم. وفي اليوم الثاني للمؤتمر قام بزيارتنا أيضاً.
كم عدد اللوحات التي شاركتم بها؟
- حملنا معنا 22 لوحة... ورجعنا بعشرين منها، إذ أهدينا اثنتين إلى المكتب الدولي للمنظمات الخيرية والإنسانية.
ماذا عن موضوعيهما؟
- إحداهما تصوّر الطفل العراقي الذي يبكي، والأخرى لوحة رسمها فنان أجنبي تمثل طاولة الأمم المتحدة وممدّد عليها فلسطيني.
كلمة أخيرة...
- شكراً لهيثم منّاع ونائبة الرئيس وسكرتارية المكتب السوريّة لقاء، اللذين ساعدانا كثيراً... وكذلك للسفير الذي اهتم كثيراً بمتابعتنا
العدد 776 - الأربعاء 20 أكتوبر 2004م الموافق 06 رمضان 1425هـ