العدد 797 - الأربعاء 10 نوفمبر 2004م الموافق 27 رمضان 1425هـ

انتحار الآسيويين ظاهرة بحاجة إلى دراسة

المروحة عامل مشترك في أكثر الحوادث

انتحار الآسيويين أصبحت ظاهرة في المجتمع الخليجي عموماً، وحوادث انتحار الآسيويين في البحرين تلفت الانتباه، وتطرح عشرات الأسئلة، وبحاجة إلى دراسة. فهذا الآسيوي القادم من بلاده للعمل في البحرين، جاء محملاً بالآمال في إيجاد عمل يغير له واقعه الفقير، فلماذا يصل به الحال إلى الانتحار، ثم إن هذه الحوادث المتكررة ألا تجعل الجهات المعنية تعيد النظر في جلب هذه الفئة الغريبة عنا، والتي تزرع مفاهيم وسلوكات خاطئة في مجتمعنا الإسلامي، حوادث الانتحار هذه تعلن عن ضوء أحمر، علينا التوقف عنده، ولنعادل كفة الميزان، بين عمالة تحتاجها سوق العمل، وبين جرائم وسلوكات تتسرب إلينا نحن في غنى عنها.

المروحة (البانكة) هي العامل المشترك في معظم حوادث انتحار الآسيويين، وربما يكون السبب في ذلك انها وسيلة مضمونة ومتوافرة في غرفة أي عامل آسيوي، فلماذا إذن ينفق على انتحاره؟ ثم إن الإحساس بالألم في الانتحار أو اختيار وسيلة أكثر رحمة على نفسه، ليست من القضايا التي تهم الآسيويين، المهم في الموضوع هي النتيجة الحاسمة لإنهاء حياته.

وحوادث الانتحار كثيرة ومتعددة، ولا يمكن أن نحصر جميع الحوادث التي تنشر كثيرا في الصحف المحلية.

اقرأ أية صحيف خليجية فستجد ان الخبر يتكرر دائما وعلى النحو التالي «انتحر اسيوي، شنقا، بعد ان علق نفسه في حبل مربوط بشجرة (او في مروحة) تقع بالقرب من مسكنه (او في غرفته). وقالت مصادر ان المنتحر، نفذ عملية انتحاره بعد منتصف الليل، وفي مكان مظلم، اذ لم تكتشف جثته الا في صباح اليوم التالي، حيث فوجىء المارة (او من يسكن بالقرب منه) بوجود جثة المذكور معلقة على الشجرة (او من المروحة). واكدت المصادر ان المختبر الجنائي اثبت انتحار المذكور وعدم تعرضه لأي محاولة لاجبارة على ذلك. فيما اكد اصدقاء المنتحر ان صديقهم انتحر نتيجة المشاكل المادية والنفسية الكبيرة التي عاني منها بسبب ديونه المتراكمة وعدم حصوله على فرصة عمل، والمشاكل المادية الاخرى الضخمة التي تنتظره في موطنه»... هكذا اوردت صحيفة البان خبرا في احد اعدادها قبل عدة سنوات... ولكن الخبز ذاته يتكرر اينما تنظر وتقرأ، وفيما يأتي بعض حالات الانتحار في البحرين التي تعرضت لها «الوسط» حديثا:

«فوجئ قبل فترة عدد من شباب عالي بوجود جثة متدلية في شجرة بالقرب من مغسل الأموات في مقبرة عالي. وقال أحد الشهود (ج. ح): «رأيت مع مجموعة من الشباب في المقبرة رجلاً معلقاً في أغصان شجرة قريبة من مغسل الأموات فحاولنا الاقتراب من الرجل وإذا به آسيوي تبين لاحقاً أنه هندي الجنسية وكان وجهه مصفراً وقدماه مسودتين من تجمع الدماء فيهما وهو يلبس إزاراً وقميصاً فقط».

وأضاف ج. ح «اتصل الشباب بالشرطة الذين جاءوا مباشرة للتحقق من الأمر ولحقت بهم مجموعة من قوات الأمن والصحة لرفع الجثة».

وعن سبب إقدام الآسيوي على الانتحار، قال: «بحسب المعلومات التي أشيعت في القرية فإن انتحاره كان بسبب الديون المتراكمة عليه وهو يعمل في مؤسسة يملكها أحد أهالي القرية».

وفي حديث مع صاحب المكان الذي يسكن فيه الآسيوي «والذي طلب عدم ذكر اسمه» قال: «جاء هذا الآسيوي للعمل منذ 9 أشهر في البحرين ولم تبد أبداً عليه بوادر أية مشكلات نفسية ولم تكن لديه - بحسب علم الساكنين معه من الآسيويين ومنهم ابن عمه الذي جلبه للعمل - أية مشكلات مالية أو اجتماعية، لكن الظاهر في الأمر أنه ربما يكون قد تسلم رسالة من أحد أقربائه تحمل مضمونا يخيفه أو لا يعجبه ما حدا به إلى الانتحار». وأضاف صاحب السكن «يقول الساكنون معه من الآسيويين انه كان معهم حتى الحادية عشرة من مساء الأربعاء وافتقدوه من بعد الواحدة بعد منتصف الليل إلى أن سمعوا عن انتحاره صباحاً».

وهناك أيضاً حادث الآسيوي الذي أقدم على الانتحار شنقا داخل منزل تحت الإنشاء كان يتولى حراسته في منطقة الزنج.

وتشير المعلومات إلى أن صاحب المنزل قصد المبنى في إحدى المرات وبحث عن الحارس الذي يوجد عادة أمام المنزل لكنه لم يجده وحين دخوله إلى المبنى عثر عليه مفارقاً الحياة وهو متدل من حبل ربطه في رقبته وأوصله بمروحة في إحدى الغرف.

وآسيوي آخر ينتحر، بعد أن قام بلف حبل حول عنقه وربطه بمروحة سقف الغرفة، وعندما تأخر «س. ل» -«هندي الجنسية، 33 عاماً» ويعمل ميكانيكياً في ورشة أسفل الغرفة التي يسكنها - عن موعد عمله، قام زميله في العمل والشقة «ب» بطرق باب غرفته مرات عدة، وعندما لم يتلق جواباً، نظر من ثقب الباب، فوجد «س. ل» معلقاً بمروحة السقف، فصرخ، وأبلغوا الشرطة بالحادث والتي تأكدت بعد المعاينة من وفاة «سوريج».

وفي موقع الحادث التقت حينها «الوسط» بصاحب البيت والورشة الذي أكد أن المنتحر يعمل لديه منذ ثلاث سنوات ونصف السنة، وأنه سافر مرة واحدة منذ سنتين إلى بلده وتزوج ثم عاد ليواصل عمله في البحرين، وأشار إلى أن المنتحر كان على خلق ومخلصاً في عمله، ولم تبد عليه مؤشرات يتوقع من خلالها انتحاره.

وأكد زملاء المنتحر الكلام نفسه، بينما ترددت بعض الأقوال إنه تلقى اتصالاً هاتفياً في اليوم السابق لانتحاره من أسرته، وعزا البعض سبب الانتحار إلى مشكلات يعاني منها مع أسرته، وديون عليه.

وإذا كان «س. ل» أنهى حياته في غرفته، فقد انتحر الهندي «ب. ش» «25 عاماً» صباح يوم من الايام في التوقيت نفسه تقريباً الساعة السابعة وعشرين دقيقة صباحاً والذي يعمل صباغاً في إحدى الشركات بتعليق نفسه في حبل مربوط بشجرة ليتخلص من ديونه وحياته معاً.

وكانت محاولة الانتحار الغريبة، عندما حاولت إحدى الآسيويات الانتحار أمام مطار البحرين الدولي، لكن أحد رجال الأمن استطاع منعها من تنفيذ ذلك، فكان جزاؤه منها أن أخذت قبعته ومزقتها، وتمت إحالتها إلى النيابة العامة التي ملأتها أمس الآسيوية ضجيجاً وصراخاً، وتمت إحالتها بعد ذلك إلى المستشفى النفسي لإعداد تقرير عن حالها النفسية.

ومن جانب آخر انتحر أحد الآسيويين في منطقة المنامة، إذ تركه رفاقه صباحاً وذهبوا إلى العمل، وألقوا عليه نظرة وهو يكتب رسالة، لكنهم لم يعلموا أنها الرسالة الأخيرة إذ فوجئ أحد زملائه بعد رجوعه من العمل بعد فتحه باب المطبخ بمواطنه متدلياً من المروحة ورقبته مربوطة بسلك كهربائي أبيض اللون، فتم إبلاغ النيابة العامة التي باشرت التحقيق في القضية.

كما أقدم وافد آسيوي على الانتحار وذلك بعد أن رمى نفسه في إحدى البلاعات في منطقة البحير في الرفاع الشرقي.

وكان الآسيوي البالغ من العمر 39 عاماً قد قدم استقالته من الشركة التي يعمل فيها، وكان من المفترض أن يغادر المملكة عائداً إلى وطنه، إلا أنه أقدم على رمي نفسه في بلاعة عمقها نحو أحد عشر متراً وعرضها 18 متراً ليموت فيها، وحضر رجال الدفاع المدني إلى موقع الحادث وقاموا بمحاولة لشفط البلاعة، واحتاج الأمر إلى ملء نحو أكثر من خمسة وثلاثين من صهاريج السيارات المختصة بالشفط، واستغرقت عملية الشفط وقتاً طويلاً إذ لم يستطع رجال الدفاع المدني إخراج جثة الآسيوي إلا بعد ساعات طويلة، ولم تحدد السلطات الأمنية الأسباب التي دفعت الآسيوي إلى الانتحار.

ولأنها يئست من الحياة، وخشيت من انتظار الموت فقد أقدمت خادمة آسيوية على الانتحار بعد ان أثبتت التحاليل الطبية أن بها مرض الإيدز، وفور وصول البلاغ باشر وكيل النيابة أسامة العصفور التحقيق في الحادثة.

وكانت الخادمة الآسيوية البالغة من العمر حوالي 28 عاماً وصلت المملكة حديثاً لتعمل خادمة منزلية لدى إحدى العوائل، وفور وصولها تم أخذها إلى المستشفى لعمل الفحوصات الطبية الخاصة بالعاملة الوافدة، وبعد يومين أظهرت النتائج الطبية أن الخادمة مصابة بمرض نقص المناعة المكتسبة والمعروف بالإيدز، وعلى الفور قام كفيلها بحجز تذكرة سفر لإعادتها إلى بلادها، وتم حجز موعد لها للسفر بعد يومين كما أخذها كفيلها لتقيم عند قريبتها التي تسكن في المملكة.

ومن جهتها كانت الخادمة مصدومة لمعرفتها بأنها مصابة بالإيدز فقامت مع قريبتها بالذهاب إلى مستشفى خاص وأجرت التحاليل الطبية ثانية لتتأكد من الأمر. وفعلاً أظهرت النتائج مرة أخرى أنها مصابة بالمرض المذكور، وفي صباح اليوم التالي طلبت الخادمة من قريبتها أن تذهب إلى السوق لتشتري ملابس لأطفالها الأربعة قبل عودتها إلى بلادها، فذهبت القريبة لهذه المهمة، ولكنها ما إن عادت حتى وجدت الخادمة المصابة منتحرة بحبل شنقت نفسها به.

ومن جهة أخرى وفي محاولة لتحليل ظاهرة انتحار الآسيويين، أشار اختصاصي مسرح الجريمة بوزارة الداخلية عبدالعزيز العمادي إلى أن «العمالة الآسيوية في البحرين، أثرت بشكل ملحوظ في النواحي الأخلاقية والسلوكية لأفراد المجتمع، فهم يأتون من بلدانهم محملين بجرائمهم ومشكلاتهم، فيقدمون على الانتحار لدواع مادية أو معنوية».

وأضاف «في الاحصاءات التي أجرتها وزارة الداخلية من العام 1994 وحتى 2004، وجدنا أن عدد المنتحرين في أوساط البحرينيين بلغ 26 ذكراً وأنثى واحدة، هذا بالنسبة إلى محاولات الانتحار الناجحة، أما من جهة المحاولات الفاشلة فنجد أن النسبة تفوق ذلك بكثير، وهي في وضع مستمر حتى الآن، وتعد مشكلة نواجهها عبر رفع الحلول المقترحة إلى وزارة التربية والعمل وغيرها».

الإحصاءات تؤكد تصاعد حالات الانتحار لدى الوافدين الآسيويين ووصل عددها بحسب ما استطاعت الصحافة أن ترصده من خلال متابعتها إلى 10 حالات خلال أربعة شهور 9 حالات منها لآسيويين.

والواقع يؤكد أن الآسيويين لديهم الاستعداد الدائم للانتحار فقد أعلنت الشرطة الصينية أن طالبة في مدرسة في هونغ كونغ انتحرت بعد أن أطلق جدها سراح السنجاب الذي أهداه لها صديقها.

فقد شنقت الفتاة التي تبلغ من العمر 17 عاماً نفسها مستخدمة حبلاً تدلى من فراشها المرتفع في منزل الأسرة.

وذكرت صحيفة «ساوت تشاينا مورنينغ بوست» أن مدرسا يعيش وحيداً في هونغ كونغ لم يكن لديه أحد يبعث إليه برسالة قبل إقدامه على الانتحار فهداه تفكيره إلى تركها لقسم الشرطة القريب من مسكنه.

وجاء في رسالة هيونغ شي يون البالغ من العمر 53 عاماً والعاطل عن العمل أنه ليس هنالك شيء في حياته يستحق أن يعيش من أجله وأن حياته مليئة بالمشكلات.

وعندما اقتحم رجال الشرطة شقته الكائنة في ضاحية شوينغ شي بالمدينة وجدوا جثته المتحللة وإلى جوارها موقد إذ تبين أنه قد أشعل فحماً من النوع الذي تنبعث منه أدخنة سامة بعدما أحكم إغلاق جميع أبواب ونوافذ منزله.

وتؤكد الإحصاءات العالمية أن الانتحار يعد واحداً من أربع طرق رئيسية تودي بحياة البشر وهي: الموت الطبيعي، «بسبب مرض أو تقدم العمر»، القتل، الحوادث المفاجئة «كالجروح وحوادث السيارات والزلازل»، الانتحار، ويؤلف «1 في المئة» من الوفيات البشرية. والانتحار يدل على المأساة البشرية... ويرمز إلى أزمة الحياة... وتتفق الإحصاءات على أن قتل النفس آخذ في الارتفاع، في كل بقع الأرض.

فهل عجز الإنسان إذن عن حل «الأزمة» وإزالة المأساة؟ هل يعني ذلك أن الحياة أصبحت عبئا ثقيلاً على الإنسان؟ يبدو أن الإجابة للأسف ستكون بالإيجاب.

معلوم أن الإنسان يرتبط بثلاث حلقات رئيسية، تشده بحياته ووجوده ومستقبله هي:

أولاً، العلاقات الشخصية في بيته، مع أبويه أو زوجته وأطفاله، ثم خارج البيت مع أصدقائه.

والعلاقات المادية الاجتماعية، بما فيها من مدرسة أو محل العمل، والوظيفة والمال والسمعة.

والحياة الروحية أو العقائدية، التي قد ينتهي إليها الفرد، من دين أو مذهب أو فلسفة.

هذه الحلقات الثلاث في تجاذب وتنافر أو اضطراب وتجانس مستمرين، يؤدي عند الناس إلى حال التوازن، فإذا ما اختل توازنها، أو تناولها الاضطراب والتفكك، وإذا ما تهددتها ظروف مثبطة أو عنيفة، انتابت حياة الفرد موجات من القلق، وعدم الارتياح نغصت عليه حياته، وأربكت سير عمله اليومي، ونظرته إلى نفسه، أو إلى غيره أو إلى الحياة بأجمعها. وهنا يكمن سر الانتحار: اختلال في القوى الثلاث... وارتباك في مقدار التكيف والتوافق لمواجهة الصعاب

العدد 797 - الأربعاء 10 نوفمبر 2004م الموافق 27 رمضان 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً