العدد 801 - الأحد 14 نوفمبر 2004م الموافق 01 شوال 1425هـ

سماهيج وقلالي سمة مميزة لطابع إنساني بسيط

سماهيج، قلالي - جعفر الديري 

14 نوفمبر 2004

مع دخول الفرد منا الى أية منطقة في البحرين يستقبله شعور غريب بالأصالة والتفرد، ويشعر أنه في جوانب هذا الشهر الكريم يقبع تاريخ طويل من الصالحين والحياة البحرينية البسيطة. وقد لازمني هذا الشعور طوال تجوالي في قريتي «سماهيج» و«قلالي» محرضا على الامساك - ولو بشكل جزئي - بصورة مختصرة عنها وعن الشهر الفضيل.

في شهر رمضان (مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري)، دخلت قرية سماهيج قبل حوالي ساعة من الافطار، اتخذت الشارع الذي تتقاسمه مدرسة الدير الابتدائية الاعدادية للبنات يسارا، ومركز الدير الصحي يمينا، سبيلا للولوج الى القرية العريقة، ركنت سيارتي في زاوية من الزوايا الصغيرة، وجعلت أتمشى في القرية، كان هناك «دوبي» يعمل على كي الثياب ومحل لبيع لوازم البناء وبرادة كبيرة يفد اليها الصغير والكبير، في حركات سريعة لأنه لم يتبق على الافطار الا أقل من ساعة، كانت هناك الرجل الأشيب يسير بمحاذاة رجل آخر، وكان هناك الشاب الذي اشترى لبنا من الحجم الكبير وخرج، وكان هناك الطفلة الصغيرة والمرأة الكبيرة الشديدة التستر. عندها واجهت المقبرة العظيمة التي سمعت الكثير عنها، هذه هي اذاً مقبرة سماهيج، ولكنني أراها مسورة، فكيف حدث ذلك؟! دخلت المقبرة فوجدت خلقا لا بأس به من الناس يزور الموتى، جعلت أتفرج على القبور وعلى الأرض المنخفضة أحيانا والمستوية أحيانا أخرى وأنا أقرأ الفاتحة والسور القصيرة وأترحم عليهم، وعند خروجي وجدت رجالا اتخذوا عند باب المقبرة مجلسا جميلا فهم في حديث يتسلون قبل الأذان، سلمت عليهم واحدا اثر واحد فأفسحوا لي مكانا بينهم، عندها سألت أكبرهم سنا عن سبب كل هذه الزيارات للمقابر في شهر رمضان المبارك فأجاب «نحن لا ننقطع أبدا عن زيارة موتانا سواء في الليل أو في النهار، وان كان شهر رمضان المبارك تزيد في أوقاته زيارة القبور، وهذه المقبرة حقيقة لا يخشاها الصغير قبل الكبير، وان كان هذا الجدار قد جعلها موحشة نوعا ما، بينما كانت في السابق أكثر انشراحا، الا أنه كان مهما عمل هذا الجدار، فليس من المعقول أن تظل المقبرة غير مسورة». ويمسك رجل آخر بخيط الكلام ليضيف مشيرا الى القبور «إن هذه الأرض هي تراب آبائنا وأجدادنا وحق علينا الحفاظ عليها وعلى قدسية الموتى، فأنا أرى الأطفال الصغار كثيرا ما يلعبون في احدى زواياها والكثير من الناس يمرون من خلالها لأنها طريق مختصر، فلا حرمة اذاً للموتى، وكم أتمنى لو تسور المقبرة بشكل أكبر». كنت طوال كلام الرجلين أحدق في هذا الرجل الذي يجلس مفترشا بضاعته على الأرض، لقد كان يبيع الخضراوات والفاكهة، من الموز والبرتقال والطماطم والبطاطس، وكان زبائنه كثيرون ولكنني خشيت سؤاله خوفا من أن يظنني أحسده على رزقه، فمضيت في طريقي لأجد خبازا يتوافد عليه الناس لشراء الخبز الطازج، كما يحدث في كل قرى البحرين، وحرت لحظتها الى أين أتجه فمشيت في القرية على غير هدى الى أن وجدت نفسي أمام البحر وهناك كان شباب يصطادون السمك عن طريق الصنارة فاقتربت منهم وجلست أراقبهم حتى سمعت أذان الموذن، وكنت قد لاحظت مسجدا كبيرا أثناء تطوافي فتوجهت اليه للصلاة، وقد فوجئت عندما وجدت مجموعة كبيرة من المصلين، اذ كانت غالبية الناس هنا يؤدون الصلاة ثم يتناولون الافطار. ولا أخفي على القارئ الكريم أنني بدأت أشعور بالجوع، اذ انني ارتويت من الماء مع دخولي المسجد، فأديت صلاتي وأنا أشعر بتعب وجوع حقيقان، وكانت خطتي أن أصلي ثم أذهب الى سيارتي وأخرج الى البحر لآكل الشطائر التي صنعتها منعا للاحراج، ولكنني فوجئت بعد أن أنهيت صلاتي بأحد كبار السن وبعد أن سلم علي وعرف أنني غريب عن القرية، يصر على أن أتناول الفطور معه، وحاولت جاهدا ولكنه رفض ذلك معتبرا عدم تلبية دعوته اهانة له، فذهبت معه الى بيته وجلست الى أن قدمت المائدة وكانت عامرة بما لذ وطاب، من «الهريس»، الرز، الصالونة، الثريد، والمعكرونة وأصناف أخرى كثيرة، ففطرت معهم، وأصر الرجل على جلوسي للاستماع للقرآن الكريم الذي كان يتلى في كل أيام شهر رمضان بعد ساعة أو ساعتين من الفطور، وقد رأيت الناس يقبلون مستمعين لمن يقرأ القرآن بخشوع، واذ أحسست بأن هذا الرجل على قدر كبير من السماحة والكرم اتخذت معه مجلسا خاصا بعد أن انصرف الحضور وتركته يتحدث بحرية فكان مما قاله «لم نكن في تلك الأيام من الشهر الفضيل قادرين على الحصول إلا على الجريش والتمر أحيانا والعصيدة والبلاليط الذي كان يدعى وقتها بالشعيرية، ولكننا كنا نتعوّد على الصيام منذ سنيهنا عمرنا الأولى، فمنذ بلوغنا العاشرة كنا نصوم، ولكننا أحيانا كنا نفطر ولكن ليس افطار المستهزء، ولكن وبسبب حرقة الجوع والعطش ونتيجة للأعمال الشاقة التي كنا نقوم بها، نفطر على خلالة صغيرة وهي الرطبة التي لم تنضج بعد، أو نشرب الماء بكف أيدينا الصغيرة. فقد كانت أعمالنا شاقة فعلاً وأتذكر أني عندما كنت طفلا كنت أعمل أي عمل يوكل الي طالما كان شريفا، ولكن مع تقدمي من مرحلة الشباب وارتباطي بالزواج أصبحت المسئولية مضاعفة، فكنا نعمل أعمالا شديدة، فكنا نقطع الطريق من سماهيج الى المحرق مشيا على الأقدام وأحيانا الى الحوض الجاف والحالة وفريق بن علي لنجمع ( الخمق) للنوخذة الذي يعطينا النزر القليل من المال، وكنا نحمل الأكياس على ظهورنا طوال الطريق، كذلك عملنا في البناء، فكنا نخرج من البيت مع أذان الفجر فلا نعود الا مع اقتراب الغروب، وليتنا كنا نحصل عندما نرجع الى البيت على راحة نسبية فلم تكن هناك راحة أبدا بعد هذا العمل الشاق، الآن على الأقل يوجد مكيف ومأكل ومشرب نظيف وراحة نسبية، ولكن وقتها كنا نشقى طوال اليوم لنعود الى حياة صعبة ثانية. وخصوصاً في شهر رمضان حين نرجع فلا نرى على المائدة غير الماء والرز باللبن والسمك، وأحيانا الحلاوة وهي التمر. أما الماء فكنا نتكلف من أجله ونجلبه من «الكواكب» وهي المعروفة بمنابع الماء، حين كان هناك ثلاثة كواكب، كوكب العالي وكوكب العبيد، وكوكب ثالث لا أتذكر اسمه حالياً، حتى اذا أقبل الليل لم تكن هناك غير قراءة القرآن في بيوت النواخذه، فلم تكن المآتم تقرأ شيئا في شهر رمضان، ولكنني أقول بصدق أنني لم أتعلم قراءة القرآن، فلقد حاولت تعلم القرآن في صغري حين أرسلت الى المعلم فتعلمت علي يديه بعض الأجزاء، ولكنني لم ألبث معه طويلا، فلم يكن المعلم وقتها كما هو عليه الآن، فلم يكن عنده غير الضرب والصراخ، ولم أكن لأصبر على هذا الوضع فتركته، وبعد أن حكى لي الشيخ عن ذكرياته الرمضانية ودعته وداعا حار شاكرا له هذا الكرم السماهيجي الأصيل.

ركبت السيارة من جديد وتوجهت الى قرية شقيقة لسماهيج وهي قلالي وهناك وجدت لقلالي مظهرا من أجمل المظاهر الرمضانية حضورا، وقد تعود عليه أصحابها منذ أعوام ماضية بعيدة. فبعد العشاء في حوالي الساعة العاشرة ليلا، خرج موكب مكون من طبال وراقص ورجال ونساء وشباب وأطفال يدورون في أرجاء قلالي، فلا يتركوا مكانا منها الا ومروا عليه والجميع يشاركهم فرحتهم باقتراب عيد الفطر السعيد. كان الرجال يتقدمون الموكب والنساء من خلفهم، وكان الجميع يغنون أغاني جميلة. وأمام هذا المشهد الرائع لم أتمالك نفسي دون أن أنضم اليهم، ولولا الرفقة والأغاني العذبة لكنت مت من التعب وهم يقطعون قلالي شارعا شارعا. حتى اذا انتهى الموكب الرمضاني تقدمت من أحدهم وسألته؟ هل يخرج هذا الموكب في وقت آخر؟ أجاب «اننا في أواخر شهر رمضان المبارك نجتمع فيكون منا المغنون والراقصون الشعبيون الذين يرقصون الفريسة، ولكننا لا نخرج لوحدنا وانما نجتمع مع أهالي عراد والحد، طوال الأيام الثلاثة المتبقية من شهر رمضان مودعين للشهر الفضيل، مارين على جميع بيوت القرى، آخذين منهم أجر المسحر الذي كان يدور على بيوتهم كل يوم»، فسألته: وكم يدفع لكم الأهالي؟ أجابني «ان ما يدفعونه مختلف من شخص لآخر، فأقل مبلغ يدفع هو خمسة دنانير ولكن غيرهم يدفعون عشرة دنانير أو عشرين دينارا، بينما آخرون يكتفون بالرز والهريس».

عندها التقيت شخصا آخر قرب أحد المساجد فشرحت له استغرابي من وجود طاولة كبيرة عنده فأجابني «ان المحسنين من أهل قلالي كثيرون في شهر رمضان، فهذا مسجد صغير في فريق صغير، يوضع به افطار كامل وبعض المصلين يفطرون منه وآخرون انقطعت بهم السبل، والأمر لا يتعلق فقط بمنطقة واحدة، ففي كل فريق مسجد، وفي كل مسجد مائدة رمضانية عامرة بما لذ وطاب من المأكل والمشرب، وأحيانا تكون هناك خيمة صغيرة بجانب المسجد، يجد فيها الناس بوفيها رمضانيا».

والخيم والمجالس الرمضانية كثيرة في قرية قلالي، ففي أكثر من بيت تجد لافتة علقت وكتب عليها مجلس فلان الفلاني، كذلك تجد الكثيرين وقد اجتمعوا أمام بيوتهم، دخلت احدى هذه المجالس الرمضانية ووجدت شبابا يلعبون الورق، فرحبوا بي فسألتهم أين يقرأ القرآن في قلالي؟ فأجابوني بأن مركز البخاري ومسجد درويش المناعي هما أكثر المساجد قراءة للقرآن وأنهم يفتحون أبوابهما طوال شهور العام للرجال والنساء، لمن أحب الاستماع الى القرآن الكريم.

وبعد هذه الجولة القصيرة، قررت أن تكون آخر محطة لي في قرية قلالي، هي في الاجتماع مع الناس في احدى الخيم الرمضانية المنتشرة في القرية، وعلى مساحة رملية من الأرض دخلت احدى هذه الخيم دون موعد مسبق، حين استقبلني شباب الخيمة بحفاوة كبيرة ومع رشفات الشاي بدأت معهم حديثا شيقا، بدأه محمد النعيمي بقوله «اننا في شهر رمضان المبارك نجتمع هنا كل عام، ففي هذه الخيام نجد أمورا كثيرة مهمة بالنسبة لنا، اذ نستطيع الالتقاء بالأصدقاء الذين تشتتهم الأعمال ولكنهم يحرصون هنا على التجمع في كل عام، وأضاف علاء الأحمد «في شهر رمضان المبارك، تنشغل البيوت عادة بالزوار، لذلك نجد نحن الشباب متسعا من الحرية هنا»، ويقاطعه وليد ناصر أحمد مكملا «ان الجلوس هنا ممتع مع الشباب وهو يقضي الوقت بسرعة». فهل تفطرون وتتسحرون هنا أيضا؟ كان ذلك سؤالي التالي، فأجابني عليه معاذ محمد علي بقوله «ربما تناولنا السحور هنا أحيانا، فقلت له: ولكن ذلك ربما أبعدكم عن بيوتكم التي من المفترض أن تكونوا أكثر اجتماعا فيها بأهلكم في الشهر الفضيل، فأجابني «ولكننا لا نتناول سحورنا الا في أيام العطل كما أننا لا نتناول الطعام المعلب، فنحن نأكل وجبات بيتية كاملة ما يعني تواصلنا مع أهالينا». فهل تشكل لكم الخيام مصروفا اضافيا في شهر رمضان؟ أجابني عبد الله الخيراني «نحن نشتري أغراضنا في كل مرة من خلال المبلغ الذي نساهم فيه جميعا، ولكنه مبلغ بسيط لا يكلف الكثير». ويقول راشد بوراشد «اننا نعرف حرمة وقدسية هذا الشهر الفضيل، لذلك نحرص دائما على احترامه فنقلل من شرب السجائر والاستماع الى الأغاني». وكيف تقضون أوقاتكم خارج هذه الخيمة؟ يرد علاء مرة أخرى «اننا نقضي أوقاتنا طوال شهر رمضان المبارك، بالذهاب الى بوفيهات المطاعم أحيانا، وبالذهاب الى الأسواق المفتوحة، لأننا لا نحب كثيرا الأسواق المغلقة والمجمعات مثل السيف وغيره» وأخيرا أجابني معاذ محمد مرة أخرى عن دورات شهر رمضان الرياضية بقوله «ان هناك دورة رمضانية تقام فقط في شهر رمضان المبارك، لجميع فرجان قلالي، اذ تنظم بمجهود فردي ويكون لكل فريج فريقه الخاص الذي يشارك في الدورة، ويدفع كل فريق مابين الدينار والدينارين والنصف بحسب غلاء أو رخص الجوائز».

كانت قريتا سماهيج وقلالي ليلا أجمل منها عصرا، فصوت القرآن كان يرتفع عاليا، والناس في حركة مستمرة، منهم من أتخذ الدكاكين مجلسا ومنهم من افترش الأرض ومنهم من اتخذ المجالس مكانا للالتقاء بالناس يتسامر معهم. وعندما ودعت أهاليهم جميعا سعيدا بهذه الجولة التي قضيت فيها ساعات جميلة في رحاب قريتين لا تزالان محتفظتين بطابع شهر رمضان الأصيل أحسست أن قرى ومناطق البحرين لا تزال على رقتها وعذوبتها وايمان أهلها وطيبتهم

العدد 801 - الأحد 14 نوفمبر 2004م الموافق 01 شوال 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً