يشبه الداخل إلى سوق المحرق رجلا أضاع طريقه ووطنه منذ مدة طويلة حتى انفتح له باب الى عالم مليء بالحياة والجمال. وذلك وصف لا يكتب عن كلالة وإنما هو واقع وشعور. اذ إن سوق المحرق سوق عريق بامتداده التاريخي وامتداده المكاني فكيف اذا تلألأ هذا السوق واشتعل ابتهاجا في ليالي قدر لها أن تكون ساحة رحبة للالتقاء بالناس وامتزاجهم كأسرة واحدة. وهناك في سوق المحرق الجميل ومع الناس من مختلف المشارب لمحنا الابتسامات العذبة والبهجة التي تأخذ من هدوء الليل ونسيمه العليل وبركاته المنتشرة قسماتها. ولكن مع كل هذا البهاء فان هذه الليالي لا تخفي هموما تغالب القسمات لتظهر حينا وتختفي وهي هموم معيشية قبل كل شيء... ونحن في هذا الاستطلاع وهذه الجولة في ليالي العيد كان لنا هذا اللقاء بالناس...
كان هناك مجموعة من الرجال جالسين في زاوية قصية من الشارع يتحدثون فدخلنا عليهم وتعرفنا الى أفكارهم بشأن هذه الليلة... حين قال جاسم محمد وهو رجل محال على التقاعد «لا شك في أن هذه الليلة ليلة مختلفة بكل تفاصيلها، بعدد الناس الكثيرين، بالمحلات والمتاجر وأصحاب الفرشات الذين يفترشون الأرض لبيع البضائع الرخيصة التي تهم المشترين، بالجلسات والسمر حتى وقت متأخر، بالألفة بين الأب والأم والأولاد، وهي ليلة مباركة لا شك ولكن لا يمكن الغاء كل هذه الضجة والغوغاء حوالينا، اذ إن هذه الليلة ومع كثرة من يردون الى سوق المحرق ويخلقون كل هذه الحياة تظل ليلة متعبة للغاية خصوصا الينا نحن الذين يطلبون الهدوء والسكينة والراحة».
وأضاف علي المحميد وهو يمتلك دكانا في السوق «الملاحظ على هذه الليلة المباركة وعلى رغم كل هذه الضجة والأعداد الكبيرة من المتسوقين وعلى رغم كل هذه البضائع المنتشرة في السوق والمتنوعة الألوان والأشكال والتي توفر للمتسوقين كل ما يحتاجونه الا أن البيع قليل نسبيا ولا يتفق مع حجم المعروض، فما قمنا ببيعه هذه العام وأنا لا أعني فقط ليالي العيد وإنما ليالي شهر رمضان كافة لا يمكن مقارنته بالأعوام التي خلت والتي كنا نبيع فيها بشكل جيد، والأمر غريب حقيقة أن تجد البيع قليلاً بينما المعروض متوافر ولو كانت أسعار ما نبيع غالية لكان من الممكن تقبل الأمر ولكن الحال أن البضائع المعروضة ليست غالية وهي لا تختلف أبدا عن أسعار العام الماضي؟!».
ولكن أحمد محمد الشاعر - أعمال حرة - اختلف مع علي المحميد «ان توافر البضائع الرخيصة والتي تكون غالبيتها مستوردة من دول شرق آسيا ساهم في رواج أو بيع البضائع فمما لا شك فيه أن توافر هذه البضائع خدم محدودي الدخل والذين لا يستطيعون شراء تلك البضائع الغالية الثمن فيجدون في هذه البضائع مبتغاهم لرخص أثمانها خصوصا مع ليالي مهمة كليالي العيد السعيد ولكن لا أتصور وعلى رغم وجود هذه البضائع أن السوق بخير وأنه منتعش اذ يظل سوقا فاترا لا تشعر فيه بحركة بيع قوية والسبب أن الناس لا يستطيعون مجاراة السلع والبضائع على رغم رخص ثمنها فالحياة صعبة للغاية وهناك سبب آخر وهو أن الناس يدركون أن البضائع الجيدة ليست رخيصة وإنما هي غالية الثمن اذ لا يمكن مقارنة البضاعة التايوانية والصينية بغيرها من البضائع اليابانية مثلا».
الناس محتاجون للتجدد
وأردف عبدالله علي وهو صاحب محل للفرش والاسفنج في السوق «ان هذه النوعية من البضائع كالفرش والمساند والاسفنج لها حضورها ومساحة الاهتمام بها اذ إنها بضائع يجد فيها المستهلك مجالا للتجدد ولدورة الحياة المستمرة، اذ إن الكثير من المستهلكين يجدون في ليالي العيد دورة جديدة من العام الى العام التالي حين يفطرون بعد الصيام. وهذه المساند والفرش والأثاث الجديدة ما هو الا احساس المستهلك بأنه يود الانطلاق الى عام جديدة أفضل مما سبقه خصوصا وأنها صناعة بحرينية وليست مستوردة ففي الوقت الذي نستورد فيه القطن من الهند أو ايران نقوم نحن بصناعتها ولذلك تجد الناس يثقون في البضائع البحرينية لأنها تصنع أمام أعينهم وعندما يجلسون عليها يشعرون بتميزها».
بينما قال عيسى محمد وهو متقاعد أيضا «ان أفضل مدخول للمحلات التجارية والدكاكين هو شهر رمضان المبارك وأيام العيد، ولكن لو مررت على جميع المحلات هنا واستفسرت منها عن طبيعة البيع والسوق لوجدتهم جميعا يشكون من ضعف السوق وهذه مسألة خطيرة اذ إن أصحاب المحلات التجارية يعوضون خسائرهم في هذا الشهر الفضيل فإذا لم يستطيعوا البيع في هذا الشهر ولا في أيام الأعياد فكيف يستطيعون الاستمرار، فحتى أولئك البسطاء الذين يفترشون الأرض ويبيعون هنا عند جامع الشيخ حمد لا يجدون من يشتري منهم على عكس الحال في العام الماضي، والأمر الثاني المهم هنا هو الإنارة اذ لابد من الاشارة إليها في هذه الليلة. فكل من يرد السوق بل المحرق كاملة يشعر بأن الإضاءة هنا ضعيفة جدا داخل السكك الداخلية وهذا على عكس ما كان عليه الحال حين كان قطاع الكهرباء بيد الحكومة اذ كنا نرى العمال مع كل شهر رمضان جديد يعملون على الإضاءة ويبدلون التالف من المصابيح. أما الآن فإن المصابيح تظل تالفة لفترة طويلة من دون أن يعتني بها أحد».
وعلق عبدالعزيز حمادة وهو موظف ببلدية المحرق على سوق المحرق ومدى حاجته إلى التغيير خصوصا في هذه الليالي من الأعياد «الحقيقة أن هذه الليالي أحوج من غيرها للتفات الى هذا السوق العريق على أساس أن سوق المحرق يجتمع فيه الناس من كل حدب وصوب ومن مختلف مناطق البحرين وهو الأمر الذي يعطي إشارة الى أن سوق المحرق يحتاج الى أشياء كثيرة، ولكن بالمقابل أجد أن البلدية ليست مقصرة بهذا الشأن وهي تسعى جاهدة في تغيير أمور كثيرة ولكن الناس يندفعون في الغالب ويطلبون التغيير بسرعة لكن أنا شخصيا أشعر أن هناك أمورا كثيرة في طورها الى التغيير».
السوق قبل ثلاثين عاماً
عبدالقادر حبيب موظف في بنك البحرين للتنمية أبدى رأيه بقوله «لا شك في أن هناك أمورا كثيرة تكتنف هذا السوق وأمورا كثيرة تظهر جلية مع كل شهر رمضان وعيد أو مناسبة ولكن ما سبب هذا كله؟! ان أحد أهم الأسباب هو أن أصحاب المحلات البحرينيين أنفسهم قد تركوا محلاتهم للهنود لأنك لن تجد مواطنا بحرينيا يرضى بالعمل أربعاً وعشرين ساعة في اليوم والسبب الثاني هو التوارث بمعنى أن أصحاب المحلات أنفسهم قد تقدموا في السن وحتى أبناؤهم لم يستطيعوا الاستمرار في العمل أو أنهم خرجوا من سوق المحرق من أجل التوسع. وأتذكر أنه قبل ثلاثين عاما من الآن كانت المحلات في سوق المحرق في شهر رمضان والأعياد تفتح حتى العصر والقليل منها من كان يداوم حتى الصباح وهم الخياطون وكذلك أصحاب محلات الأحذية».
وخالد عبدالكريم من جهته أشار الى نقطة مهمة حين أوضح «أن حركة المرور هنا غير طبيعية وليست متناسقة اذ تجد أن عدد السيارات في السوق أكثر من عدد المتسوقين، والمشكلة كما أراها تتعلق بعدم وجود أكثر من مدخل لسوق المحرق إذ لا يتوافر غير منفذ واحد ومع الكلام الكثير بهذا الشأن الا أننا حتى الآن لم نجد له حلاً والخطورة أن هذا المنفذ نفسه كثيرا ما يغلق ما يضطر معه الناس الى سلوك طريق آخر يضيع عليهم أوقاتهم، وحتى لو تم فتحه فإنه لا توجد باركات تتسع لكل هذا العدد من السيارات».
تركنا الجماعة السابقة وتوجهنا الى ناحية أخرى من السوق حين بادرنا محمد علي ناصر بقوله «اننا نتفرج ليس إلا، أما مسألة الشراء فأمر آخر، فنحن نأتي الى هنا لننظر الى البضائع ونصاحب الناس في الذهاب والاياب والاحساس بكل هذا الحضور الجميل، فنحن ببساطة لا نمتلك أية نقود نشتري بها حتى الأشياء البسيطة فرواتبنا قد انتهت منذ الأيام الأولى من تسلمنا للراتب، فكيف نستطيع شراء شيء من السوق ونحن على هذه الحال الصعبة من الحياة؟!».
الأسعار معقولة لولا...
وعلى مسافة قريبة منا قالت بدرية يوسف وهي ممرضة في مستشفى ابن النفيس «أنا أعتقد أن أسعار السوق هذا العام معقولة جدا، ولكن لو قارنت بين المجمعات والأسواق فإن الخطأ الوحيد الذي قامت به المجمعات هو أنها لم توفر سوى الثياب الشتوية، ولكن مع أننا نشتري من الأسواق إلا أنني أجد بضائع المجمعات تستهوينا أكثر مع غلائها لأنها تأتي ببضائع حديثة على الموضة الأمر الذي يهم الفتيات لكن بالنسبة إلينا نحن الأمهات فإن هذه الأسواق مناسبة لنا».
وكذلك سلمان عبدالله سلمان وهو موظف في مطار البحرين الدولي أضاف «ان السوق عامر بمستلزمات العيد ونحن نشتري كغيرنا الأشياء الخاصة بالعيد ونضع موازنة محددة لليالي العيد، اذ إن للعيد ولملابسه الخاصة نكهة مميزة والطفل هو أكثر من يشعر بذلك، وهذه الملابس قد تتوافر طوال العام ولكن البائعين لا يظهرونها إلا في هذه الأوقات من العام».
وأمام كشك صغير لبيع الشطائر استوقفنا علي حسين وهو موظف بإحدى الشركات السعودية ليبدي رأيه فقال معلقا على مسألة غلاء أسعار البضائع «أنت لن تستطيع أن تجعل هناك رقابة على أسعار السوق لأن هذه المحلات من القطاع الخاص ولكن كان يمكن للعيدية على سبيل المثال وهي التي أعلن عنها من قبل لو نزلت وتم توزيعها مساعدة الناس ذوي الدخل المحدود، اذ إن أسعار البضائع ليست غالية إلا إذا قرنتها بمدخولنا نحن ذوي الدخل المحدود».
العيدية تبخرت
وأضافت زوجته وهي طالبة في جامعة البحرين «ان السوق هذا العام وفي هذه الليالي أصبح أجمل من ذي قبل، إذ وجدنا أن هناك أمورا كثيرة توافرت فيه ويستطيع المشتري أن يختار ما يشاء أما بخصوص الأسعار فأنا أجدها مرتفعة ولا أعرف في الحقيقة سببا لهذه الزيادة، مع أن هذه البضائع كانت متوافرة من قبل في السوق وبالموديلات نفسها ولكن ارتفاع الأسعار يتكرر مع كل موسم بشكل غير طبيعي إذ كنا نشتري العباية من قبل بعشرين دينارا ولكننا اليوم نجدها بالقماش نفسه مع اضافات بسيطة يصل سعر أقل نوع منها الى ثلاثين دينارا».
واتفقت عائشة عبدالرحمن وهي ربة بيت مع الكلام السابق وعلقت من جانبها بقولها «ان السوق يوفر ما يشاء للناس ولكن الأسعار لا شك هي مرتفعة جدا سواء بالنسبة إلى حاجات الصغار أو للكبار، إذ إن المشكلة متمثلة في أن العيد أتى على غفلة من الناس لتستغل المحلات ذلك فترفع أسعارها فما كان بثمانية دنانير أصبح الليلة بخمسة عشر دينارا. وقد قمت بزيارة الكويت والسعودية فلم أجد بضائع بمثل هذه الأسعار بل على العكس وجدتها أسعارا معقولة، والأمر الغريب هنا أن السعوديين يأتون الى هنا فيقولون إن الأسعار هنا مناسبة بينما نجد نحن في البحرين أن أسعارهم مناسبة مع اني ذهبت الى مجمعاتهم فوجدت بضائعها ليست مرتفعة السعر. ولو لاحظت لوجدت أن البضاعة التي تباع أكثر هنا هي البضاعة من دولة الكويت وقد ذهبت الى هناك فاشتريت بضاعة من الكويت فوجدت أن هناك فرقا كبيرا في سعرها هنا في البحرين».
من جهتها علقت حصة محمد وكانت تبيع في السوق بعض الأشياء البسيطة على حركة السوق في هذه الليلة بقولها «ان البضائع التي نبيعها هي بضائع مخفضة سواء في شهر رمضان أو في غيره من الشهور، وغالبية ما نبيعه هنا هو حاجات الفتيات من القلائد والكحل والبخور والجلابيات وأسعارنا لا تتجاوز الثلاثة دنانير ونصف الدينار»
العدد 802 - الإثنين 15 نوفمبر 2004م الموافق 02 شوال 1425هـ