قرر ناشط حقوقي معروف بخفة دمه، وغيرته الشديدة على القضايا الوطنية المُلحة، عقد اجتماع «حميمي» بأصدقائه، ليلقاهم، ويحدثهم ويحدثوه عما في الخواطر، بعيدا عن الرسميات وأجواء الاجتماعات العامة «المُرخصة».
أراد الناشط دعوة أكبر عدد من أصدقائه القدامى، فما كان منه إلا إرسال دعوات عبر البريد الالكتروني، لعناوينهم، ولأنه (مهضوم)، فقد لبى الأصحاب نداءه، وبعد دردشة «خفيفة» بين النشطاء، وبعد محاولة (فاشلة) للهروب من الواقع، زحفت القضايا الحقوقية ككل مرة على جو الصحبة وفرضت نفسها، وهاهم مضطرون إلى الحديث عنها!
قال أحدهم مُستخسرا لحظات الإنتشاء المزعومة «كيف نضحك ونمزح ها هنا، ولدينا موقوفون، تحت «الاحتجاز التعسفي»، بحسب القانون الدولي، لاسيما ان تهمهم تستند إلى قانون العقوبات غير الدستوري والمُنتقد من قبل حقوقيين وقانونيين في الخارج فضلا عن الداخل.
قاطعه آخر: ومن قال لهم بأن يربكوا حركة السير، وأن يشاركوا في مسيرة السيارات تلك التي عطلت الشوارع...
وقبل ان يسكت رد عليه رفيقه بحماس: ومسيرات السيارات المُحتفلة أثناء فوز المنتخب الوطني لكرة القدم أو ما شابه ألا تعطل السير، والشوارع؟!... ولماذا يُسمح لهذه ولا يُسمح لتلك!... يبدو أن عدوى سياسة «الكيل بمكيالين» قد انتقلت لك يا صاحبي!، وحينما اشتد وطيس الحوار بين الطرفين تدخل الناشط (صاحب الدعوة) لفض نزاع القوم، مبينا لهم أن قانون التجمعات الجديد - الذي قدم لمجلس النواب بصفة مستعجلة - لا يسمح بوجود «المركبات» في التجمعات، لذلك لن نتظاهر إلا على ظهور الحمير إن استدعى الأمر.
والحديث عن «الموقوفين»، جر المجلس للحديث بشكل تلقائي عن قانون التجمعات، وبنوده التي جاءت كردة فعل عن أنشطة لجنة التضامن مع الناشط الموقوف عبدالهادي الخواجة، فانتقد المدعوون هذا القانون، وذهب البعض لوصفه «بقانون أمن دولة مُطور» أو قانون «الصمت العام»!. وعلى رغم ان غالبية الحضور من النشطاء الحقوقيين فإنهم انتقدوا أداء الجمعيات السياسية، إذ قال أحدهم: إن جمعياتنا الموقرة لم تكلف نفسها عناء انتقاد القوانين المقيدة للحريات في السابق، ولو لم يُصدر قانون جديد للتجمعات قد قلبت الدنيا عليه، لما تحركت، ولو لم يُطبق قانون العقوبات لما انتقدته، ولو لم يكن قانون الجمعيات يخصها بالدرجة الأساس، لما اكترثت له، إذ إن تحركات الجمعيات مبنية على ردود أفعال، لا مبادرات.
اختلطت الاحاديث بين المدعوين، فتارة ينتقدون الحكومة وتارة أخرى المعارضة، ولم يخل كل ذلك من أجواء المرح والسخرية، إلى أن ضاق صدر أحد الحضور (ممن سُربت له إحدى الدعوات الالكترونية) بما طُرح في الجلسة، فأرسل بدوره رسالة هاتفية (مسج) إلى المحافظ ليتصرف بطريقته الخاصة.
وفي تحول دراماتيكي ارتأى المحافظ أن صاحبنا الناشط قد دعا «لاجتماع عام» من دون أخذ ترخيص، واستند في ذلك إلى المادة الأولى من قانون التجمعات التي تنص على انه «يعتبر الاجتماع عاما إذا رأى المحافظ المختص ان الاجتماع بسبب موضوعه أو عدد الدعوات الموجهة لحضوره، أو طريقة توزيعها، أو بسبب أي ظرف آخر ليس له الصفة الحقيقية الصحيحة لاجتماع خاص»!
ولأننا في دولة المؤسسات والقانون، فقد طُبق القانون على الفور، وفض الاجتماع بالقوة الجبرية، واعتقل الأصدقاء والتقوا بأصحابهم «موقوفي السيارات» في زنزانة واحدة! وها هو مصير موقوفي الصداقة كمصير موقوفي السيارات تماما، وما أشبه الليلة بالبارحة
العدد 806 - الجمعة 19 نوفمبر 2004م الموافق 06 شوال 1425هـ