على خلفية التحركات الدولية والنشاط السياسي الخارجي والإقليمي الذي يتركز بشأن الوضع الفلسطيني وعلى هامش زيارة رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير للقدس المحتلة ورام الله ورفض رئيس الوزراء الإسرائيلي ارييل شارون المشاركة في مؤتمر لندن، كتبت الصحف العربية افتتاحياتها، ساخرة ومستنكرة عرض بلير «تأهيل الفلسطينيين كي يصبحوا شريكاً في صنع السلام» وإذ أقر البعض وخصوصاً الصحف المصرية بحاجة مؤسسات السلطة الفلسطينية للإصلاح فقد نبّهت إلى أن البداية يجب أن تكون بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وإذا لم يتحقق ذلك فإن مؤتمر لندن ولاسيما في غياب «إسرائيل» المعتدية لن يعدو أن يكون جلسة لتأديب وتهذيب الفلسطينيين، تقول افتتاحية «الجمهورية»، وبينما اكتفت الصحف الفلسطينية بالإشارة في العناوين، إلى ان طوني بلير انحنى أمام ضريح الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، لاحظت غالبية الصحف العربية أن رئيس الوزراء البريطاني لم يضع زهوراً على قبر عرفات، ولم يوقع في سجل التعازي لكن «الأهرام» أبرزت تصرف بلير في «مانشيت» «رئيس الوزراء البريطاني زار قبر عرفات ولم يضع زهوراً عليه».
وفي تعليق كتبه عدلي صادق في «الحياة الجديدة»، كتب ساخراً من أن «الختيار» في رقاده، كان يصطاد من اللقطة، ملمحها الأخير، ليرسم الدهشة، أو يقتطف المفارقة. فمن جاءه بإكليل زهور، تبسم بامتنان، ومن لم يجىء بإكليل، هز «الختيار» قدميه، ليقول بسخريته الحارة المحببة: نتفهم ظروفكم، ونرى في أسباب شح الزهور، في أيديكم، برهاناً على حسن مقاصدنا، لأن فلسطين بكفاحها وبسلامها المبتغى هي قاعدة القياس! ورد أقل بحسب تعبير المبدع محمود درويش أو ورد أكثر، فأنت الزاهي في ذاكرتنا، يا أبا عمار، وبكل الألوان سنظل الأوفياء، على النحو الذي يليق بك. وسنظل في سجال متصل، مع مصاعب أيامنا، وصولاً إلى الأمنيات التي تلازمت طويلاً طويلاً، مع خفقات قلبك... سنظل معك وصولاً إلى الحرية! ولاحظت «السفير»، أن بلير اكتفى بإيماءة أمام قبر عرفات.. ملاحظة أيضاً أن خطوة بلير لم تثر استنكاراً فلسطينياً، بل ان مسئولين فلسطينيين اعتبروا إيماءة بلير أمام قبر عرفات مبادرة جرى الاتفاق عليها في اللحظة الأخيرة، بعدما كان الوفد البريطاني يصر على ان رئيس الحكومة البريطاني يرفض زيارة القبر. وإذ أكدت أن الفلسطينيين كانوا يفضلون أن يضع بلير إكليلاً من الزهور على قبر عرفات، فإنها لفتت إلى ان وفد بلير استبعد ذلك ووافق على التوقف أمام القبر بديلاً. ووصف عبد الباري عطوان في «القدس العربي» إعلانات بلير - ساخراً - بأنها «دورات تأهيلية للقيادة الفلسطينية»، معتبراً ان طوني بلير وجه إهانة قوية قوية إلى الفلسطينيين وقيادتهم، وتعامل معهم كأطفال في الحضانة، عندما أعلن عزمه على عقد مؤتمر دولي في لندن من أجل مساعدة الفلسطينيين، لكي يصبحوا شركاء حقيقيين في عملية السلام، عبر إقامتهم مؤسسات ديمقراطية. وحمل بشدة على القيادة الفلسطينية، وقال: «إن من يدين عسكرة الانتفاضة، ويطالب بنزع أسلحة فصائل المقاومة، تطوعاً ومن دون مقابل حقيقي ملموس يلبي مطالب الشعب الفلسطيني، بحاجة فعلاً إلى دورات تأهيلية فلسطينية، قبل أن يورطنا باتفاقات جديدة مخجلة مثل اتفاقات أوسلو. فالقيادة الفلسطينية الجديدة التي لم تستغل فرصة زيارة بلير، لشرح معاناة الفلسطينيين، وإبراز جرائم الاحتلال، بحاجة فعلاً إلى عمليات إعادة تأهيل، ولكن ليس في لندن وإنما في خان يونس، جباليا، بيت حانون، مخيمات جنين، بلاطة، الأمعري والمدينة القديمة في نابلس. ولاحظت «الوطن» السعودية بعد أن لفتت إلى ان الأراضي المحتلة خصوصاً في خان يونس كانت تتعرض للاجتياحات والاعتداءات حين كان طوني بلير يعقد مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع محمود عباس، فإن الأخير بدا متفائلاً... وإذ لم تستكثر على القيادة الفلسطينية التفاؤل ولاسيما أن زيارة بلير هي الأولى لسياسي أوروبي كبير منذ أربع سنوات أي منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية، فإن المستغرب أننا لم ندرك حتى الآن أو نفهم العقلية التي يفكر بها شارون الذي رفض منذ الآن المشاركة الإسرائيلية في المؤتمر. فمن يعرف شارون يدرك أنه يحرص على إطالة أمد «الجمود» الذي تشهده عملية السلام والتركيز على موضوعات جانبية أقل أهمية لتحقيق أهداف أكثر أهمية. مؤكدة أن شارون يسعى إلى كسب مزيد من الوقت لإحكام قبضته على أراضي الضفة الغربية وفرض الواقع عبر بناء جدار عنصري عازل لجعل عملية إقامة الدولة الفلسطينية مستحيلة. ووصف جلال دويدار في «الأخبار» مبادرة بلير بأنها عرجاء. فلا أحد ينكر أن الأجهزة الفلسطينية في حاجة إلى إصلاح وأن البيت الفلسطيني في حاجة إلى إعادة ترتيب وكذلك ضرورة أن تتفق جميع القوى الفلسطينية على صيغة لوحدة الصف واستراتيجية واحدة للتعامل مع جهود السلام بما يضمن عدم إضعاف وضع القضية محلياً، إقليمياً ودولياً. ولكن ليس معنى هذا، يقول دويدار، أن يسمح لـ «إسرائيل» بالتخلي عن مسئولياتها والتزاماتها التي هي جوهر كل المشكلات في المنطقة. ووصف دويدار، بالمخزي، تصرف بلير الذي انصاع للموقف الأميركي الإسرائيلي في القدس إذ أعلن استسلامه الكامل لقرار «إسرائيل» بعدم المشاركة في المؤتمر! ورجح طلال عوكل في «الأيام»، أن تتعامل القيادة الفلسطينية، بمرونة وايجابية مع الأجواء الجديدة، وستجد في الحماس الدولي من أجل بناء ديمقراطية جديدة في هذه المنطقة سبباً إضافياً، لتحقيق مطلب جماعي لكل فئات وفصائل الشعب الفلسطيني، وهي ستحاول على الطريقة الفلسطينية التجاوب مع الاستحقاقات المترتبة على الفلسطينيين في «خريطة الطريق». وفي هذه الحالة، أيضاً تكون القيادة الفلسطينية أسقطت المزيد من الذرائع الدولية، وحتى الإسرائيلية وفي الوقت ذاته حققت مكسباً فلسطينياً يعود بالنفع على الفلسطينيين، غير ان عوكل، رأى ان القضية على المستوى السياسي لها شأن مختلف، فلا يمكن للإدارة الأميركية أو غيرها استمرار التستر بشأن ضرورة قيام الدولة الفلسطينية، وبشأن بناء الديمقراطية الفلسطينية، وأهمية دفع عملية السلام قدماً، ما لم توضح الكثير من المسائل، أولها مرجعية هذه العملية، هل ستكون قرارات الأمم المتحدة، أم خريطة الطريق الأصلية أم المعدلة؟ وهل ستظل هذه الإدارة تعتمد آلية التفاوض الثنائي، وترك الطرفين وجهاً لوجه من دون أي تدخل فاعل أو تحكيم أو رقابة فاعلة، وأخيراً هل ثمة آليات لإلزام «إسرائيل» في حال تمنعها؟
ورأى وليد شقير في «الحياة»، ان تظاهر الرئيس بوش بإعطاء الأولوية للمسار الفلسطيني الإسرائيلي لم يكن صادراً عن قناعة بوجوب تغيير السياسة التي اتبعت في عهده المنصرم، والتي تماثلت كلياً مع سياسة شارون القاضية بتدمير المؤسسات السياسية الفلسطينية للحيلولة دون قيام كيان فلسطيني ولم تكن دعوة بلير إلى مؤتمر دولي تهدف إلى تعديل في توجهات واشنطن. مؤكداً أن ما شهدناه وما سنشهده هو تكرار لمشهد ممل يقضي بإلهاء العالم العربي والفلسطينيين بالإصلاحات الفلسطينية والداخلية، وبعملية ضبط الأمن ونزع سلاح «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، مضافاً إليها هذه المرة إغراءات مالية كبيرة للفلسطينيين، في مقابل الاكتفاء بصيغة الانسحاب الإسرائيلي المرتقب من غزة... فقط لا غير
العدد 841 - الجمعة 24 ديسمبر 2004م الموافق 12 ذي القعدة 1425هـ