المشهد العراقي في يوم الانتخابات لناحية إقبال الناخبين التي فاقت التوقعات على رغم ضعف هذا الاقبال في المدن ذات الغالبية السنية يعني عدة حقائق، في مقدمتها ان مختلف الطوائف العراقية بما في ذلك اعداد كبيرة من السنة وأعداد كبيرة من المغتربين قبلوا بالديمقراطية في ظل الاحتلال الأميركي، وهذا يعني ان هناك تأييدا واسع النطاق من قبل معظم العراقيين للعملية السياسية الجارية واستعدادا للانخراط فيها، مع وجود مشاعر أمل بأنها ستؤدي في النهاية الى ما يصبو إليه معظم العراقيين بالوعود المعلنة لهذه العملية السياسية.
وبالمقابل فإن هذه المشاركة الواسعة وغير المتوقعة مثلت انتكاسة لدعوة المقاطعة التي أعلنتها عدة قوى سياسية لمقاطعة هذه الانتخابات، بما في ذلك من يؤيد المقاومة العسكرية للاحتلال او من يعتبر نفسه ممثلا عن هذه المقاومة. وهل هذا يعني تأييدا للاحتلال، وهل يعني تصويتا لبوش كما ذهبت لذلك بعض التحليلات؟
الواضح بالنسبة لمعظم الناخبين العراقيين ان هذه الانتخابات هي بداية لخروج الاحتلال، وهذا نابع من الدعاية التي صاحبت هذه الانتخابات. كذلك الحث الديني وحتى السياسي من أجل دفع الناخبين للتصويت فيها قد استحضر بكثافة مسألة وجود حكومة منتخبة تستطيع وضع جدول زمني لخروج القوات الاجنبية ووضع نهاية للاحتلال عبر بوابة الاحتلال. بل ان المرجع الشيعي الاعلى السيدالسيستاني استند في وجوب تصويت الناخبين فيها من زاوية اقرار دستور عراقي يعبر عن كل تطلعات الشعب العراقي من هيئة منتخبة، كما اعتبر التصويت في هذه الانتخابات تكليفا شرعيا لأن الحكومة المنتخبة ستضع حدا للاحتلال، وهذا ما اجمعت عليه النداءات والشعارات التي وزعت في شوارع المدن المختلفة التي حملت توجيهات المرجعية.
هذه المفارقة المتعاكسة التي حملها إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع بدلالتها المزدوجة، أي ان هذه الانتخابات ضد الاحتلال وفي الوقت نفسه ضد المقاومة العسكرية تعكس في جوهرها مسائل متعددة، أولها ان ذلك ما كان ليحدث على هذا النحو لولا مرارات الطغيان التي مثلها النظام السابق التي كان العراقيون أكثر الناس معرفة بها واكتواء بنيرانها. وإلى جانب ذلك فان المقاومة العراقية لم تترافق مع خطاب سياسي يحمل براءة الجماعات المقاومة من الحقبة الصدامية، بل كانت هناك دلائل متعددة تربط بين الكثير من فصائل هذه المقاومة وبين البعث وبقايا النظام السابق، أو بينها وبين الحركة الأصولية الأممية التي تحمل فكرا معاديا ليس فقط للغرب وانما أيضا للكثير من المسلمين، يصل في بعض الأحيان إلى درجة التكفير، كما ان هذه المقاومة التبست في عملياتها التي طالت دماء الابرياء العراقيين مع الارهاب.
ان المشكلة التي باتت في مواجهتها فصائل المقاومة الوطنية والجهات الداعمة لها بعد الانتخابات هي مشكلة أخطر من الاحتلال وتتطلب منها الوقوف أمامها مليا وتحليلها ودراسة سياسات وخطوات التعامل معها، إنها مشكلة الداخل العراقي وليست العلاقة مع الاحتلال. ويعزز هذه المشكلة الخطاب السياسي الصادر عن جماعة الزرقاوي ليس فقط "خطاب عداء الشيعة" المستغرق في تعزيز بذور الصراع والفتنة الأهلية، وإنما أيضا الخطاب المعادي للديمقراطية باعتبارها "بدعة غربية كافرة".
وما لم تواجه المقاومة هذه المشكلة بأبعادها ستتحول هذه المقاومة وكأنها صدى لخطابات عدمية لا تخدم سوى الاحتلال، وتزيد من هواجس الطوائف والجماعات الأخرى، وحتى العلمانيين والمسيحيين العرب. فالانتخابات العراقية على مستوى اقبال الناخبين فيها نجحت فعلا، واذا ما جرت الرياح وفق ما أراده الناخبون فإن الاحتلال الأميركي في طريقه للخروج آجلا أم عاجلا، والمشكلة ليست مع الاحتلال ولكن تبقى المشكلة مع "الشقيق في الوطن"!
وعلى هذا الاساس فان المقاومة العراقية المسلحة، إن لم يواكبها خطاب سياسي رشيد يتجاوز رؤية الزرقاوي وجماعته، ويتفهم الحقبة السابقة ومآلاتها وتوجسات وتطلعات الطوائف الأخرى، لن تؤدي إلى التحرر بل إلى حرب أهلية، ولا سيما ان الانتخابات هذه فتحت المجال لأول مرة للعراقيين للتعبير عن آرائهم والممارسة الانتخابية، ومهما كان التدخل الأميركي أو المحددات فلن تكون كالانتخابات المذلة السابقة في حقبة صدام، أو الانتخابات الهزيلة التي مازالت تجرى في دول الجوار
العدد 886 - الإثنين 07 فبراير 2005م الموافق 27 ذي الحجة 1425هـ