أثار تقرير لجنة الأمم المتحدة بشأن تقصي الحقيقة في عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ردة فعل قوية في الأوساط الرسمية السورية، وخصوصا بسبب ما تضمنه من إشارات اتهام لسورية وجهازها الأمني في لبنان مع الجهاز الأمني اللبناني في المسئولية السياسية في عملية الاغتيال. إضافة إلى أن التقرير يفتح الباب نحو تطورات دراماتيكية في الموضوع، وخصوصا إذا تقرر تشكيل لجنة تحقيق دولية في تلك الجريمة سيكون من مهماتها استدعاء مسئولين سوريين ولبنانيين من كل المستويات الأمنية وربما السياسية، ما قد ينقل الموضوع إلى دوائر جديدة.
اقتراب الخطر، ربما كان الوصف الأدق لما احتواه التقرير فيما يتعلق بسورية ولبنان على السواء. ولأن الأمر على هذا المستوى، سألت "الوسط" في دمشق عددا من الشخصيات السورية عن رأيها في التقرير الدولي وقراءتها لمحتوياته، فكانت هذه الاجابات:
سبب الرفض السوري
الكاتب والناشط الحقوقي السوري علي العبدالله أجاب على سؤال: لماذا أثار التقرير رفض الحكومة السورية؟ بقوله:
- أرى أن التقرير نجح في رسم صورة واضحة للوضع، إذ جمع ملاحظات أولية بشأن المناخ السياسي والأداء الأمني اللبناني قبيل عملية الاغتيال والتحقيق القضائي الذي تلاها، وأنه دخل في البعد الجنائي للعملية دون أن يتهم أحدا.
لقد التزم بحرفية قرار التكليف: تقصي الحقائق وتقديم تقرير عن أفق التحقيق بإصدار حكم على جدية التحقيق الرسمي اللبناني ومدى الحاجة للتحقيق الدولي، إلا أنه وهو يتقصى الحقائق أشار إلى نقاط الخلل والتقصير الأمني والقضائي، وإلى الدوائر التي تتحمل المسئولية عن ذلك التقصير أو سوء التصرف مثل إجراء تغييرات على مسرح الجريمة بينها نقل السيارات المحطمة وإلقاء حطام سيارة أخرى في مسرح الجريمة...إلخ. وشكك بصدقية الأجهزة الأمنية اللبنانية وتبعيتها لأجهزة الأمن السورية في لبنان وعجز الأجهزة القضائية، مطالبا بهيكلتها قبيل استئناف التحقيق. وحمل سورية مسئولية التوتر السياسي الذي سبق عملية الاغتيال عبر إشارته إلى تهديد الرئيس الأسد للحريري وجنبلاط إبان التحضير لعملية التمديد للرئيس لحود.
وبناء على تلك المعطيات التي تضمنها التقرير، فقد اقترح تشكيل لجنة للتحقيق، وهذا يفتح الباب أمام محاكمة سياسية للسلوك السوري في لبنان وجنائية للأجهزة الأمنية السورية واللبنانية، ولعل هذا يفسر رد الفعل السوري الرافض لما يمكن أن يترتب على التقرير.
التقرير يزيد تأزيم الأوضاع
الكاتب السوري عمر كوش قال: "يحمل تقرير لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري الكثير من المؤشرات التي تصب في مجملها في زيادة تأزيم الوضع اللبناني المتأزم أصلا بعد عملية الاغتيال. وهو يلقي بالمسئولية على الدور السوري في توتير الوضع اللبناني قبل عملية الاغتيال، الأمر الذي يعطي المعارضة اللبنانية ورقة إضافية تخدم السياق التصعيدي الذي بدأته بعد حادث الاغتيال. والملاحظ أن الجانب السياسي الذي حمله التقرير كان أكثر وضوحا وحسما من جانبيه الآخرين الأمني والعملي، إذ يتحدث التقرير عن عدم الرغبة في التوصل إلى "الحقيقة" مع إشارات إلى عدم القدرة، وإلى ضعف التنسيق، وإلى الفوضى، وعدم احترام مسرح الجريمة. كما أنه يطالب بإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، وبتشكيل لجنة تحقيق دولية، مع التشكيك بالروايات الرسمية، واعتماد روايات أطراف المعارضة اللبنانية.
لكن المهم هو أن التقرير فتح الباب واسعا أمام تشكيل لجنة تحقيق دولية، وما يستتبع ذلك من خطوات، تجعل الأزمة اللبنانية مفتوحة على شتى الاحتمالات. والأهم هو أنه حين يتحدث عن مشكلة "النفوذ السوري" يفتح أيضا الأزمة مع النظام السوري على احتمالات خطيرة.
تراكم الأخطاء وضيق المصالح
الصحافي جوني عبو قال: "كالعادة نأتي - نحن العرب - متأخرين في كل شيء ونضع اللوم على الطليان! ولأنني سئمت نظرية المؤامرة التي علمتنا إياها الأحزاب القومجية فقد قررت منذ زمن بعيد أن أبحث عن الأخطاء القريبة التي توصلنا دائما للتهلكة والتي غالبا ما يكون أصحابها هم من يقف خلف شعارات نظرية لإقناع الشعب بها، بينما هو يسخر منها في سره وحياته الخاصة، ويقدمنا لاحقا - نحن الشعب العربي - على طبق من فضة في مؤامرة ما من تحت الطاولة في صفقة مشبوهة.
قلت ما سبق لي قوله مستبقا الحديث عن تقرير فيتز جيرالد الذي سلم الأمين العام للأمم المتحدة مضمنه خلاصة ما توصل إليه من تحريات ووقائع في خلال وجوده ولقاءاته في لبنان، بينما رفضت سورية استقباله "حسب جريدة السفير" للبحث عن الحقيقة في زلزال قتل الشهيد رفيق الحريري الذي رغب يوما أن يكون لبنان بلدا حضاريا وناجحا على أقل تقدير. وأعتقد أن ما جاء في تقرير جيرالد إنما هو مؤشر قليل مما ستشهده المنطقة من تحولات كان يفترض أن يعي هذه التحولات صناع القرار العرب ولاسيما المعنيون المباشرون في منطقة بلاد الشام "سورية ولبنان، الأردن والعراق" جاهدين وسابقين لإجراء تغيرات وإصلاحات حقيقية تمس مصير شعوبهم وبلدانهم قبل أن يسبق السيف العذل.
التقرير أول الغيث، وربما البداية التي تأخرنا على التعامل معها فعجلوا هم بطرحها وتبنيها... ولا أدعي أنني بصدد تقييم معلومات التقرير، إذ لا أقرأه بعين قضائية متخصصة أو بنظرة موالية أو معارضة. لكنني كإعلامي أستطيع القول إن ما حمله التقرير مفتوح على كل الاحتمالات التي وضحت جزءا رئيسيا من ملامح التغيير القادمة للبنان وسورية من بوابته. ومما لاشك فيه، ان التقرير حمل الكثير من الجرأة التي لا تقوى جهات محلية كثيرة على قوله أو تبنيه، لكنه مرة أخرى وبكل تأكيد نافذة مهمة فتحت علينا المعرفة الكاملة والخالية من العقد التقليدية لكي نستطيع التعامل مع ما هو قادم في إطار مصلحتنا، والقادم ليس بقليل، يرسم من خلاله الآخرون اليوم مستقبلنا ونحن غائبون، وهو ما يطرح علينا المسئولية في محاسبة ومراجعة الذات قبل إلقاء اللوم على أحد، فالذي لا يقرأ التاريخ جيدا لا يستطيع استقراء المستقبل، وها هو التقرير يضعنا أمام استحقاقات ربما نعرف أولها، لكننا لا نعرف آخرها والتقرير ليس آخرها
العدد 935 - الإثنين 28 مارس 2005م الموافق 17 صفر 1426هـ