لا أعلم إن كان القارئ لايزال يتذكر الدراما الكوميدية American Splendor العظمة الأميركية، الذي عرض في العام 2003 وأثار جدلا كبيرا بين النقاد وفتح شهيتهم للكتابة بشأنه.
هذا الفيلم الذي أخرجه كل من شاري سبرينغر بيرمان وروبرت بلشيني جاء لينقل الى الشاشة حياة واقعية لزوجين حقيقيين بقيا أبعد ما يكون عن أضواء الشهرة التي حصلا عليها من وراء الفيلم. هارفي بيكر هو الزوج الذي يروي الفيلم قصته وهو رجل فضل الانسحاب من دراسته الجامعية، وفشل في الانضمام الى صفوف الجيش، ثم عمل موظفا في قسم الملفات في أحد المستشفيات لمدة 37 عاما، هو باختصار أفضل من يمكن ان يقدم فكرة الفاشلين.
يعيش في منطقة تبعد كثيرا عن كليفلاند مع زوجته جويس برابنر ودانيل الفتاة المراهقة التي تعيش معهما.
هذه العائلة هي التي شكلت مصدر الوحي للفيلم وهم نجوم فيلم American Splendor، فيلم السيرة الذاتية الخيالي الذي تألق في تلك الفترة، الذي جمع بين الفيلم الدرامي والصور التوثيقية والرسوم المتحركة. حقق الفيلم عند بداية عرضه نجاحا كبيرا وأرباحا هائلة على شباك التذاكر العالمية، مخرجاه هما من أفضل مخرجي الأفلام التوثيقية، واعتبرته جمعية نقاد الأفلام أفضل أفلام ذلك العام، متفوقا على فيلم كلينت ايستوود Mystic River "النهر الغامض" الذي حقق نجاحا كبيرا قبل الآن في تلك الفترة.
جاء اسم الفيلم من سلسلة كتب بيكر الكوميدية التي لم تنشر أبدا والتي تسرد بصراحة تصعق المشاهد وهي تحكي يوميات ومقالب يمر بها شخص عادي بيكر نفسه والذي قام بكتابة اليوميات التي صاحبتها رسومات قدمها مجموعة من رسامي الكاريكاتير كان من بينهم روبرت كرمب. يتكفل الفيلم بعرض مجموعة من القصص والمقالب الواردة في الكتاب مصحوبة بتعليق صوتي لبيكر نفسه. وبيكر كما يصوره الفيلم هو شخص مر بتجربتي طلاق، وهو رجل أعزب وحيد يلتقي مع برابنر بعد أن يتراسلا بصورة مؤقتة، ويتفقان على الزواج.
بيكر شخصيا هو أحد أقل الأشخاص حيوية ونشاطا، وهو بكل بساطة إنسان يغوص في عالمه الخاص، والملل صفة قد لا تفي بوصف مزاجه الدائم. وعلى العكس من ذلك فإن باربنر تحمل عيون براقة وهي متوترة الأعصاب على الدوام لا تستطيع حتى أن تنتظر انتهاء محدثها من كلامه لتقدم ردودها.
وعلى رغم أن بيكر وعائلته ينتمون الى طبقة فقيرة، إلا انه لم يتمكن من الحصول على الكثير من وراء تحويل كتابه الى فيلم، ولهذا تقول باربنر "هذا مثال جيد ليعرف الجميع لماذا أريد أن أتولى الأمور المالية، فلقد أخبره أحد أصدقاءه أن منتجا يدعى تيد هوب يرغب في تحويل القصة الى فيلم، لكنه اكتئب لأنه اعتقد بأن الأمر لن ينجح، ولذلك لم يهتم حتى بالاتصال للمنتج. عرفت بالأمر بعد فترة ليست بالقصيرة فسارعت بالاتصال للرجل واتفقت معه على الأمر خلال محادثة لم تستغرق أكثر من 5 دقائق".
أما بيكر فلم يفعل ذلك لأنه لا يريد تحويل قصته الى فيلم، وهو يقول "انها تعطي الأمل في المستقبل، وآمل أن أحصل على عمل آخر من وراء هذا الفيلم".
استعدادا لتصوير الفيلم، قام المخرجان بالتفرج على الكثير من الأفلام الأميركية التي عرضت في السبعينات مثل فيلم صائد الغزلان The Deer Hunter وفيلم سائق التاكسيTaxi Driver وذلك ليزاوجوا بين شكل الفيلم وأسلوب بيكر الواقعي الجديد وبيئة كليفلاند المشهورة حينها بكونها منطقة انحسار اقتصادي.
توجب عليهما ان يعودا الى ثلاثة عقود سابقة في السينما الأميركية بحثا عن أفلام تتحدث عن أناس عاديين، لا يحملون وجوها جميلة ويعيشون حياة عادية غير "جميلة" كما هي حياة بيكر وباربنر.
في أحد لقاءاتهما الصحافية قالت باربنر "نريد أن نقول للمشاهدين أن الأميركان ليسوا مختلفين عن الناس الأخرين، نحن لسنا أغبياء جميعا، أو جهلة في الأمور السياسية، حياتنا ليست كما يتصورها الآخرون كاملة، نحن لسنا مرفهين ولا نلقي بكل شيء في القمامة. لا تنفصل عن أزواجنا بمجرد أن نواجه أقل مشكلة، كما إن مآسينا لا تعطينا قدرة هائلة على التبصر الروحي ، ولا نخرج جميعا من المشكلات وقد نضجنا.... نحن بشر عاديين"، أما بيكر فيرى أن الفيلم "يمثل الروح السائدة في كتاباتي".
حصل بول جيماتي على ترشيح لجائزة الغولدن غلوب لأدائه شخصية بيكر في الجزء الدرامي من هذا الفيلم، وهو الدور الذي قدمه بأداء مقنع للغاية وقريب من شخصية بيكر الحقيقية.
وتضيف برابنر "ساهمنا في اختيار بعض الممثلين ورفضنا بعض الوجوه، حتى أن بوب شنايدر طلب المشاركة في الفيلم والقيام بدور بيكر، ولكننا قلنا له بصراحة انك ستكون كارثة في هذا الدور".
وعن مشاعرهما بعد تقديم شخصياتهما على الشاشة تقول باربنر "أعتقد ان الفكرة قدمت بشكل صحيح حتى مع بعض التغييرات التي تم عملها، فهارفي لم يصبح نباتيا إلا بعد ان تزوجني، كما انه لم يكن يملك أية قطة، وان القطة التي تعيش معنا هي قطتي وأنا من أحضرتها الى المنزل، كما اني لا أحمل الكثير من الوساوس والأوهام كما صورني الفيلم".
وتواصل برابنر "أنا أتحدث نيابة عن هارفي لأن صوته مبحوح"، ولكن بيكر يتدخل قائلا "هذا غير صحيح أنت تبدأين في الحديث قبلي"، فتغضب منه برابنر وتقول "حسنا هيا حان دورك، قدم تحليلاتك وتصوراتك العميقة".
ولكن بيكر لم يتحدث بل واصلت باربنر قائلة "هارفي اجلس معتدلا وتنبه جيدا لما يدور حولك، هذه هي المرة الأولى التي تتحدث فيها إلى شخص عن هذا الفيلم"، لتواصل بعدها موجهة حديثها الى الصحافية مجرية اللقاء "لا نمانع ان طرحت أية أسئلة جيدة، فلقد طرحت علينا سابقا الكثير من الأسئلة الغبية".
أما عن هوب ديفيس التي قامت بدورها في الفيلم فقالت باربنر "أتمنى ان تكون قد تمكنت من فهمي بشكل جيد لتقدم شخصيتي، كانت غير مرتاحة لفكرة وجودي في موقع التصوير، بعدها جلسنا معا وحينها قررت أن أخبرها بالمزيد عني وبأمور لم تذكر في النص، فارتعبت وقالت للمنتج انها تصورتني كمن تملك قوة هائلة ترعبها، ولذلك طلب مني أن أبتعد وقت أداء مشاهدها".
أخيرا فإن ما يزعج برابنر هو التصنع الذي يعيشه الكثيرون أمام الآخرين وهي تقول "المقربون منك يعرفون كل عيوبك ونقاط ضعفك، ولذلك فإن علينا ألا نكترث لما يقوله الآخرون عنا".
American Splendor العظمة الأميركية "2003"
إخراج: شاري سبرينغر بيرمان، روبرت بلشيني.
مبني على سلسلة كتب هارفي بيكر وجويس برابنر الكوميدية.
التصنيف: دراما، كوميدي، وثائقي.
التمثيل: بول جيماتي، كريس امبروس، جو هاتشرسون، هارفي بيكر "المؤلف نفسه"، شارل سبرينغر "المخرج".
مدة العرض: 101 دقيقة
العدد 954 - السبت 16 أبريل 2005م الموافق 07 ربيع الاول 1426هـ