"القنوات الحكومية العربية قنوات كسيحة"، "التلفزيون المصري يعيش حال ترهل"، "الفشل هو مصير أي إعلام عربي يوجه إلى الغرب"، هذا ما خرج به وكيل الأكاديمية الدولية لعلوم الإعلام حسن عماد مكاوي في حوارنا معه، إذ استقبلنا في مكتبه خلال زيارة وفد جامعة البحرين لجمهورية مصر العربية في الفترة من 13 الى 23 ابريل/ نيسان . 2005
ويعتبر مكاوي من الشخصيات المهتمة بالإعلام التلفزيوني والإذاعي خصوصا. وتتميز اشتغالاته بسبر الواقع التلفزيوني والإذاعي العربي وتحليله وتفكيك مكوناته، خصوصا ما يحتويه الإعلام اليوم من تناقضات وآراء متضاربة.
كان لقاؤنا به يتسم بالصراحة والجرأة، لذلك جاءت نتائجه أشبه بالنهايات التي تحتوي على دلالات مهمة، أبرزها هو تعاظم القطيعة بين منتج الواقع الإعلامي اليوم، ورؤية النخبة في المؤسسات الأكاديمية العربية.
التلفزيون يعكس ثقافة الصورة
التلفزيون بوصفه أداة للسيطرة، تحاول اللعب على العقول؟ ما هي هذه الثقافة الجديدة، وماذا تمثل تحديدا؟
- التلفزيون يعكس ثقافة الصورة، التي تعتبر ثقافة مستحدثة، ويمكن أن نقول أنها ثقافة القرن الحادي والعشرين، هذه الثقافة تتسم بتسطيح المعلومات، ولكنها تصل لجمهور ممتد وكبير ومختلف الأطياف، هي ثقافة سريعة الذوبان، بعكس الثقافة المكتوبة، التي تتيح التراكم المعرفي، وتتيح الخبرات العميقة في مجالات المعرفة والعلوم العامة.
نحن في الحقيقة، لا نستطيع أن نلغي تأثير الثقافة المصورة، هذا لعدة اعتبارات، ومن أهمها، أنها تمر عبر وسائل حديثة من السهل الوصول اليها، وهي تقدم معلومات تهم المواطن العالمي اليوم، في بيئة تتسم بالتنافس الشديد على المعلومات. الثقافة المصورة أصبحت تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا جديدا في تكوين الشعوب.
المشاهد العالمي
هناك من يقول أن ثمة مرحلتين للتلفزيون، مرحلة ما قبل ومرحلة ما بعد الرقمية، كان قوميا إقليميا، واليوم هو عالمي كوني، ما تعليقك؟
- إنها الرسائل الموحدة التى تصل إلى كل الفئات والقطاعات من الجماهير، في القرن الجديد بدأت الكثير من الوسائل الإعلامية ومن بينها التلفزيون إلى انتهاج خيار التحول من تقديم الرسائل الموحدة إلى تقديم رسائل متعددة، هذه الرسائل المتعددة تتيح للمشاهد أن يختار من بين بدائل متعددة، وبما يتفق مع رغباته واهتماماته، هذا التنافس خلق تجانسا مجتمعيا عالميا جديدا.
أية وسيلة إعلامية تبدأ أولا باختيار نخبة معينة، تبث لهم وتحصل على تأييدهم، ومن ثم تذهب إلى إنتشار أفقي عام ومتسع، وتنتشر تدريجيا، وأخيرا، في مرحلة تالية تعود إلى خيار التخصص، ويتم التخصص عبر تعدد القنوات وتنافسها، وانتهاء يد الرقابة، وبناء تكتل متنوع يستطيع التعامل مع ثقافة السوق الإعلامية الجديدة، بجميع اختلافاتها واهتماماتها.
في المجتمع الكوني، يرى البعض أن التلفزيون والقنوات الفضائية يلعبان دورا مهما في صوغ الهوية الكونية الجديدة، هل تعتقد أن البرامج الأكاديمية العربية هي متنبهة وواعية لهذه الرؤية، وتسير في تواز معها؟
- طبعا، فالأكاديمية الدولية للإعلام مثلا، تحاول الولوج إلى تعليم كوني متطور، ونحن نحاول في الأكاديمية أن نزيد من المقررات الإختيارية بدلا من المقررات الإجبارية، وهذه الفلسفة التي تعتمد على "الاختيار من بدائل متعددة"، تعتبر إحدى صور المماثلة للصورة العالمية الجديدة للأدوار التي تلعبها الشاشة الجديدة.
في الإذاعة والتلفزيون العلوم دائما ما ترتبط بالتكنولوجيا، والتكنولوجيا تتطور في حراك يومي رهيب، وبالتالي لابد للمقررات الدراسية أن تكون متطورة وملبية لهذه الحاجات، مثل أن يلم إعلامي الغد بأساسيات الفنون الجميلة والتصميم والسينما والجرافيك والوسائط المتعددة والإنترنت. لا يجب علينا الاعتماد على الاستيراد بل علينا الذهاب بجد نحو الإبداع والابتكار، وهذه روح الإعلام الجديد.
الخوف من القطاع الخاص
الا تخشى من تبعات تحكم القطاع الخاص بالمسألة التعليمية الأكاديمية، إذ نقرأ نقودات مهمة للمؤسسة الأكاديمية الخاصة من أن تتحول إلى مؤسسات ربح لا مؤسسات تطوير؟
- أشاركك القلق والحذر من وجود عدد كبير من الأكاديميات والجامعات الخاصة التي تعتمد على الربح، لدينا في الوطن العربي الكثير من الكليات والجامعات التي لا تنطلق من أسس معرفية وأكاديمية، ولابد أن يحترم القطاع الخاص هذه المسئولية الكبيرة التي يضطلع القيام بها.
ترهل إعلام مصر!
برامج الترفية أصبحت حرفة لبنانية، والبرامج الإخبارية أصبحت حكرا لبعض القنوات الخاصة، والسوريون أبدعوا في المسلسلات التاريخية... الخ، أين إعلام مصر؟
- ببساطة شديدة، الإعلام المصري ككل في مرحلة انحدار، لأن الإعلام والتلفزيون المصري مازالا تحت سيطرة وزارة الإعلام المصرية، افتقد الإعلام المصري عامل التنافسية، ومن يفقد التنافسية لا يبدع، ومن يعمل في هذه القنوات هم موظفون حكوميون. يفعلون ما يؤمرون، وبهذا أصبحت الفضائيات العربية الأخرى متفوقة بما لا يدعو للشك.
التلفزيون المصري وبعد 45 عاما، اعتقد أنه مصاب بالترهل، ومن سنوات قليلة لم يكن هناك تنافس. كما أن الإعلام ببساطة يساوي الحرية، ولا إعلام من دون حرية، والتنافس فقط من يصنع التطوير. والحرية هي بيئة التنافس، وهذا ما جعل إعلام مصر يرجع للوراء.
لماذا نجحت مصر والكويت مع أنها مؤسسات تلفزيونية حكومية؟
- هذه النماذج نجحت لأنها تمتلك حرية التعبير، والبيئة التي تعطيك مساحات من الحرية، تعطيك الفرصة السانحة للتطور. هذه الدول فهمت اللعبة، فأدارت إعلامها وشاشات التلفزة بطريقة حديثة تعتمد على جعل التنافسية معيار التخطيط والمرجعية الإستراتيجية في برامجها، ولذلك كان خيارها هو الحرية للإعلام.
هذا التفسير مقبول في الشأن السياسي والإخباري، لكن النقد الموجه لأجهزة التلفزة المصرية يصل الى تلك القوالب الفنية والتصاميم وفنيات الإخراج وباقي المؤثرات الفنية، التي يصفها البعض بالمستهلكة؟
- هذا يعود إلى تعامل التلفزيون المصري مع المبدعين على طريقة الكم، وطريقة الإنتاج الكمية فلسفة إدارية خاطئة، وخصوصا بالنسبة إلى المسلسلات والتعامل المادي معها. وبالتالي أصبح المنتجون يهتمون بالكم، ويهملون الكيف.
لو تتبعت العاملين بالفضائيات العربية لوجدت أن المصريين يمثلون عددا كبيرا من مجمل عدد الجنسيات العاملة بها، لكن لماذا ينجح المصري في الخارج، ويفشل في الداخل، إنها السياسة الإعلامية وغياب الحرية والتبعية لمفاهيم الإعلام القديمة في المؤسسة الإعلامية المصرية.
الاستثمار الإعلامي، وخصوصا في مجالات الإعلام المرئي، ما الأدوار التي لعبها هذا الاستثمار في مصر، وما هي الطموحات الممنتظرة منه؟
- الاستثمار الإعلامي مازال في مراحله الأولية، الفترة السابقة كانت رهينة الإعلام الحكومي الذي تسيطر عليه الدولة، وهذه الفترة قامت إن لم تكن قتلت الإبداع، فإنها على الأقل حدت منه. دخول القطاع الخاص في الاستثمار يحتاج إلى اكتساب خبرات التعامل مع السوق الاقتصادية العالمية، وإلى الخروج من النطاق الضيق المصري إلى المستويات الأرحب، على الأقل عربيا، وهي الخيارات التي تستطيع تحقيق التمويل الجيد. وهذا ما جعل المستثمرين مهتمين بالجانب الترفيهي، كالقنوات الغنائية والترفيهية، والتي تحقق نسب مشاهدة عالية ونسبة إعلانات مميزة. وهذه الخيارات تستهوي الشباب هذا اليوم بشكل قوي.
اعتقد أن بعض البرامج الحوارية في القنوات الخاصة أخذت تقارب موضوعات شائكة وموضوعات جدلية كانت محرمة فيما سبق، وهذا مثل استفزازا للقنوات التلفزيونية لكي تستطيع أن تنافس وأن تحول استراتيجياتها.
تقصد "الجزيرة"؟ ماذا فعلت "الجزيرة" تحديدا؟
- قناة "الجزيرة" كانت بمثابة حجر كبير رماه أحدهم في بحيرة راكدة، فأثارت مخاوف وزوابع، قوبلت بالرفض أولا، لكنها في النهاية نبهت الإعلام العربي من غفوة عميقة وطويلة امتدت لسنوات طويلة، أصبح لزاما على هذا الإعلام أن يتغير وأن يتحرك، وأن يخترق الحواجز الحكومية.
"الجزيرة" في الحقيقة تمثل أسلوبا احترافيا، استطاع أن يفرض نفسه عالميا، ليس فقط مع القنوات العربية الكسيحة، بل في نطاق عالمي كوني. ما حدا بالولايات المتحدة أن تنشئ قناة "الحرة" وإذاعة "سوا"، لتصد إعلام "الجزيرة".
سيفشلون!
لماذا وظف الإعلام العربي تلك الصور البشعة "ذبح الأميركيين"، وهل وصلت مستويات العجز الإعلامي العربي إلى البحث عن سبق صحافي عبر استخدام أشرطة تلقى أمام مكاتبهم، أم أن الصحافي العربي أصبح عاجزا عن الحركة والإبداع؟
- لأن الإعلام العربي استدرج ليخدم أهداف السياسة الأميركية والغربية، وذلك يعود إلى قلة وعي وثقافة القائمين عليه، تلك الصور تسيء إلى صورة المسلمين والعرب عموما، لكن، أن يكرر الإعلام العربي هذه الصور هي دلالة على الضعف، فليس هذا الأسلوب مثالا للسبق الصحافي أو التميز الإعلامي. والإعلام العربي ضعيف، وهو على هذا الحال من بدايته، لم يتغير، وأعود إلى أن حرية التعبير هي محك الضعف والعجز، انكشف هذا الإعلام بضعفه واهترائه الكبير نتيجة انفتاح السموات، وعدم قدرة الدولة على فرض رقابة على الإعلام الوافد من الخارج، وبالتالي، أصبح الإعلام العربي يحتاج الى إعادة تنظيم وهيكلة.
وهذا ما جعل الجو العام العربي يتجه نحو الإعلام الحر عبر الاستثمار والاعتماد على القطاع الخاص، وأضيف أن بعض التحولات في بعض الفضائيات الحكومية هي تحولات على مستوى الشكل، لكن المضمون مازال ثابتا، هناك خديعة في الصورة التلفزيونية الحكومية.
كما أن التشريعات والقوانين التي تكبل الحريات في المنطقة العربية مازالت موجودة، ومازالت الحكومات تعتبر الطيف الكهرومغناطيسي الخاص بالإذاعة والتلفزيون هو ملك للدولة، وبالتالي أصبحت القنوات الفضائية الخاصة تعمل في فراغ تشريعي كامل، لذلك تذهب القنوات الخاصة إلى أوروبا، هروبا من الأنظمة العربية التي تشل حركتها.
ما قصة هذه الثنائيات العربية، "من سيربح المليون" يرد عليه بـ "وزنك ذهب"، "الاتجاه المعاكس" في "الجزيرة" يقابله "إضاءات" في العربية؟
- هي الثقافة السهلة وعدم القدرة على الابتكار، برنامج ينجح ومن ثم يبدأ التقليد، بمجرد بعض التغييرات في الديكور والأسماء، وهذا نتاج متوقع لعقلية السلطة والتقليد، ولابد من تجاوز هذا الإطار.
نستطيع تجاوز الثنائيات عبر التأكيد على دور الأكاديميات العلمية، والدورات التدريبية، التي يجب أن يستفيد منها جميع العاملين بقطاعات الإعلام، لأن الإعلام يحمل الجديد بصفة مستمرة، لابد أن نتجدد، وإلا سنتخلف يوما بعد يوم، وصورة هذا التخلف، تأتي ببرامج ضعيفة، وفي الغالب مقلدة.
أنتجت الولايات المتحدة "سوا" و"الحرة"، موجهة إلى الجماهير العربية خطابا إعلاميا جديدا، هل نحن بحاجة للرد على هذا؟
- في الحقيقة، الإعلام الأميركي له توجهاته الدولية منذ البداية، منذ الخمسينات له قنوات توجه للاتحاد السوفياتي ودول الكتلة الشرقية، وتحاول الضغط على وتر الديمقراطية، لأغراض سياسية ولأخرى اقتصادية، ونجح في ذلك.
هناك استراتيجية واضحة عبر التعددية السياسية، وعبر حق الاختلاف من دون اعتبار هذا الاختلاف جريمة أو خروجا عن المألوف، وعبر النمط الاقتصادي الذي يعتمد على مفاهيم السوق الحرة، وأخيرا، عبر نمط ثقافي له خصوصية ثقافية، وهي ثقافة سريعة، وسهلة، تحقق المزيد من الأرباح.
نحن في المقابل إعلام منكب على الذات، موجه إلى الداخل، إعلام رأسي هابط من القمة إلى القاع، إعلام أحادي الاتجاه، وليس إعلاما ثنائيا، إعلامنا الخارجي سيفشل، لماذا؟ نحن تعودنا على ألا نصدق الإعلام الموجه الينا من دولنا، تعودنا على أن يكون اعلامنا عبارة عن أكاذيب وافتراءات وتزيين للحكومات وسياساتها، لذلك تعود المواطن العربي في الحقب الماضية أن يستمع الى إذاعة لندن لأنها استطاعت أن تحقق الصدقية، المواطن الغربي هو مواطن محلي، تعود على الاستماع الى إذاعاته، وأن يشاهد قنواته التلفزيونية، وهو يثق بها، وحين تقدم له قنوات موجهة "كما يتردد في الجامعة العربية"، أتنبأ لها بالفشل الشديد، لأن الإنسان في الغرب لم يتعود على تلقي الإعلام الأجنبي، لأن إعلامه يحقق له كل رغباته وحاجاته.
إذا، انت تغلق الباب أمام أي إعلام عربي تجاه دول الغرب؟
- نعم. ولن يفتحه أحد
العدد 993 - الأربعاء 25 مايو 2005م الموافق 16 ربيع الثاني 1426هـ