لو نظر الإنسان في البحرين إلى الفرق بين الستينات واليوم لوجد الأمور، مختلفة تماما، في كل شيء، فقد كان التكتل السكاني سابقا في العاصمة "المنامة"، حيث الخدمات قريبة من المواطنين، فالدوائر الحكومية لا تحتاج إلى قطع مسافات للوصول إليها، والكل يحصل على معاملاته في تلك الدوائر الحكومية مشيا على الأقدام وكذلك المدارس ففي كل حي "فريج" توجد مدرسة ابتدائية، وهي عبارة عن منزل كبير يحتوي على عدد من الحجر تستخدم صفوفا دراسية، كما انه لا توجد إلا مدرسة ثانوية واحدة فقط، كما أن العوائل والأسر تعيش في منزل واحد، فلكل أسرة حجرة واحدة فقط، بينما المرافق مشتركة لجميع ساكني البيت.
ولكن بعد حصول الاستقلال والانفتاح على العالم، وارتفاع أسعار النفط، والنمو السكاني في البلد، وارتفاع دخل الفرد، فكر الناس في تكوين الأسر الصغيرة، فاتجهت الأنظار إلى بناء البيوت وشراء الأراضي، وقد قامت الدولة ببناء أول مشروع إسكاني ضخم وهو مشروع "مدينة عيسى" فأخذ الناس من جميع مناطق البحرين يسكنون فيها، ثم بعد ذلك إنشاء "مدينة حمد" فاحتاج الناس إلى شيء اسمه المواصلات، بعد أن كانوا لا يعرفونها بهذه الضرورة والأهمية، فأخذ كل فرد أول ما يفكر فيه هو الحصول على رخصة للسواقة ثم المحاولة لشراء سيارة حتى يتمكن من الوصول إلى الأماكن التي يريدها لقضاء حاجاته وإنهاء معاملاته، وشراء مستلزمات المنزل، كما أنه احتاج للسيارة حتى يصل أهله، فقد تفرق أفراد العائلة الواحدة على مناطق كثيرة ومختلفة من المناطق السكنية، ولذلك أصبحت السيارة شيئا ضروريا لحياة المواطن ذكرا كان أم أنثى، حتى وصل الأمر إلى الطالب الجامعي، فعندما تزور الجامعة في الصخير، وتشاهد موقف السيارات تتعجب من الأعداد الموجودة هناك، كما أن التوسع في بناء المناطق التجارية الحديثة، مشتملة على أماكن الترفيه والتسلية وهذه المناطق الجديدة بعيدة على الجميع، ولا يمكن الوصول إليها إلا بواسطة السيارة، فازدادت أعداد السيارات، وهذا العدد المرتفع باستمرار لا يتناسب مع التوسع في الشوارع، ما أدى إلى الاختناقات المرورية المميتة بل وصل الأمر إلى أن يبقى المواطن في سيارته محجوزا مدة ساعة تقريبا بينما مشواره لا يحتاج قطعه إلى أكثر من 5 دقائق فأي أعصاب تبقى له ما وصل الأمر بالبعض إلى أن يقضي أيام الاجازات في فصل الشتاء في الصخير، حتى لا يصاب بمرض في أعصابه. إذا أراد أن يقضي وقتا ممتعا مع أسرته في ضاحية السيف، فهو يفكر كيف يصل إلى هناك، وإذا وصل بسلام وبعد جهد جهيد، يبحث عن الموقف وعندما يدخل إلى المجمع ويجلس هناك في المقهى أو المطعم أيضا يفكر في كيفية الخروج بسلام من هناك من كثرة السيارات، غير معقول يا اخوان أن يمتلك كل شخص في البلد سيارة، كما أن هناك شوارع وجسورا تسمى جسور العذاب كالجسر الواصل بين منطقة سترة والعاصمة "المنامة"، فالتوسع في الشوارع وعمل الجسور لا يمكن أن يحلا هذه الأزمة، لأنه إذا بقي الحال كما هو عليه والفرد في البحرين يمرض إذا تعطلت سيارته ويصبح مهموما حتى يتم إصلاحها، تصوروا كيف أصبحت السيارة ضروية جدا جدا عندنا، إذا ما الحل؟ الحل هو العمل على تأسيس شركة وطنية مدعومة من الحكومة والتجار وأصحاب رؤوس الأموال، تتكفل بإنشاء خطوط للمواصلات، بطريقة حضارية ومتطورة، وهناك دول كثيرة في العالم طبقت الشيء نفسه من حيث التنظيم والتوزيع، بحيث تصل السيارة إلى جميع مناطق المملكة، وباستمرار من دون انقطاع، وإذا احتاج الأمر إلى عمل سكك حديد تسير عليها عربات كهربائية، كما هو الحال في كثير من بلدان العالم، أو حتى سيارات أو حافلات كبيرة تسير على الكهرباء حتى نضمن عدم تلوث البيئة، كما يجب أن تساهم وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية في بث ثقافة استخدام المواصلات حتى يتعود الناس عليها، كما يمكن البدء بالتجربة جزئيا ولو بتسيير سيارات خاصة تنقل المواطنين مثلا من الموقف المقابل لفندق الريجنسي إلى مجمع السيف ولو في أيام العطلات الأسبوعية والعطل الرسمية وأيام الأعياد والمناسبات، حتى يتعود الناس على استخدام السيارات العامة، فهل يا ترى يناقش أعضاء المجلس النيابي مثل هذا الموضوع الحيوي؟
عبدعلي التناك
العدد 999 - الثلثاء 31 مايو 2005م الموافق 22 ربيع الثاني 1426هـ