العدد 1014 - الأربعاء 15 يونيو 2005م الموافق 08 جمادى الأولى 1426هـ

النصب... جريمة تحتاج إلى تعريف جامع

جريمة النصب من الجرائم التي شاعت في الآونة الأخيرة في المجتمع وتعددت طرقها، وبالإضافة إلى ذلك تداخل مفهومها مع الجرائم الأخرى.

ونظرا إلى تطور هذا النوع من الجرائم وتعدد وسائله فنجد أن الكثير من دول العالم وضعت تنظيما قانونيا لأحكامها... وأما بالنسبة إلى بلدنا فقد أفرد المشرع الفصل الثاني من الباب التاسع لجرائم النصب وخيانة الأمانة وتناول جريمة النصب في المواد "391 - 392" من قانون العقوبات.

وإذا نظرنا إلى نصوص هذه المواد نجد المشرع البحريني لم يضع تعريفا جامعا شاملا يحدد مفهوم جريمة النصب وتميزها عن الجرائم الأخرى التي تتشابه معها مثل جريمة "السرقة وخيانة الأمانة - والتدليس المدني" فهذه كلها جرائم تتشابه مع جريمة النصب وفي غالبية الأحيان ومن الواقع العملي نجد أن هناك من المواقف التي يلتبس فيها الأمر على رجال القانون والقضاء... فعلى سبيل المثال ظاهرة سرقات بـ "الفيزا كارد" إذ نجد أن أحد وكلاء النيابة العامة قد كيف الواقعة على أنها نصب واحتيال والآخر يكيف الواقعة نفسها بأنها سرقة والثالث تكييف الواقعة بأنها خيانة أمانة... فمن أين أتى هذا اللبس والخلط بين الجرائم؟ هل هذا ناتج عن قصور في فهم نصوص التشريع أم هل هو ناتج عن قصور في التشريع وتحديد مفهوم محدد تقع في إطاره الجريمة على سبيل الحصر؟

لذلك قبل أن نتناول التفريق بين جريمة النصب والجرائم الأخرى يجب أن نحدد تعريفها بعد أن خلت نصوص التشريع من تعريف لها، فنجد أن الفقه عرفها بأنها: "النصب هو الاستيلاء على منقول مملوك للغير بخداع المجني عليه وحمله على تسليمه".

ولكنا نرى أن هذا التعريف الذي استقر عليه الفقه ينتابه القصور من جوانب عدة... إذ إن النصب لم يعد على النقود بل يقع أيضا على العقارات والإيهام بوجود المشروعات الكاذبة وبتحقيق الربح الكبير السريع وذلك عادة يكون باستعمال الطرق الاحتيالية أو باتخاذ اسم كاذب وبانتحال صفة غير صحيحة أو بالتصرف في مال الآخر ممن لا يملك التصرف.

فنجد أن جريمة النصب تختلف عن جريمة السرقة... في أن جريمة السرقة تتطلب المجهود الجثماني في الاستيلاء على المنقول وحيازة الشيء المسروق، أما جريمة النصب وتقوم على الجهد المعنوي في حمل الآخر على تصديقه والاقتناع بما يوهمه إياه.

أما بالنسبة إلى جريمة النصب وخيانة الأمانة فنجد أنه على رغم وجود أوجه تشابه كثيرة بينهما فإنه توجد بينهما عدة فروق وهي: أن ركن التسليم في جريمة خيانة الأمانة سليم ولا يعيبه شيء... أما بالنسبة إلى جريمة النصب فإن إرادة المجني عليه معيبة بعيب الغلط.

أما بالنسبة إلى جريمة النصب والتدليس المدني فالاثنتان تشتركان في أثرهما على نفسية المجني عليه... وهو إيقاعه في الغلط مع أن الاثنتين تختلفان في أن التدليس المدني لا يتوقف على قدر معين من الطرق الاحتيالية... وإنما يكفي بمجرد الكذب، وإنما لابد من توافر حد أدنى من الخطر الاجتماعي الذي يستوجب العقاب الجنائي.

طبيعة جريمة النصب وخصائصها

جريمة النصب من الجرائم محل الاعتداء فيها يقع على حق الملكية ويشير الفقه إلى أن النصب يقع اعتداء على حق الملكية ولكنه يصيب بالإضافة إلى ذلك حقوقا أخرى، فهو يصيب حق المجني عليه في سلامة إرادته ويصيب كذلك مصلحة المجتمع في أن يسود حسن النية في المعاملات... وإن إصابة النصب هذه الحقوق الأخرى هو مصدر الأحكام التي يتميز بها النصب عما عداه من جرائم الاعتداء على الملكية ويتميز النصب بخاصيتين أساسيتين، الخاصية الأولى: جريمة الاعتداء على الأموال، إذ إن المتهم يخدع المجني عليه بحمله على تسليم المال. والخاصية الثانية: تغيير الحقيقة لأن جوهر التدليس أنه تشويش للحقائق في ذهن المجني عليه، ما يحمله على قبول تصرف ضار به أو بغيره، ما يجعل النصب يقترب من جريمة التزوير بيد أنه يتميز عنها في أن تغيير الحقيقة لا يقوم به النصب إلا إذا كان ذلك وسيلة للاعتداء على الملكية... وجريمة النصب جريمة وقتية كما أنها جريمة مادية لا شكلية وهي من جرائم السلوك المتعدد والحدث المتعدد والسلوك المتعدد فيها هو من ناحية سلوك مادي ذي مضمون نفسي في التوصل إلى الاستيلاء على مال هذا الآخر، إذ ينخدع بذلك الاحتيال عليه. فالجاني بسلوكه الأول يخاطب ملكة الفكر والخيال وملكة الشعور وملكة الإرادة لدى من يتلقى منه هذه المخاطبة لإقناعه بأن يسلم له مالا نظير مقابل مجز مزعوم وإذ يقتنع بذلك هذا الأخير يقدم ماله إلى الجاني فيتسلمه منه مدخلا إياه في حوزته بسلوك ثان هو هذا السلوك المادي البحت والمتمثل في إيجاد علاقة بينه وبين مال المجني عليه.

فإذا ما كان كل هذا وبعد هذا العرض المتمثل في توضيح جريمة النصب ومحاولة تفريقها عن الجرائم الأخرى ومحاولة وضع مفهوم أوسع يتناسب مع كبر حجم هذه الجريمة في مجتمعنا وتنوع طرقها وأساليبها وتطورها... إذ إنها تطورت في العصر الحالي تطورا سريعا جدا وتنامت، فيجب التنبيه عليها والأخذ على يد مرتكبيها بأن نوسع مواد العقاب ومفهومها لكي تشمل كل الطرق المستحدثة منها.

لذلك نهيب المشرع البحريني أن يتدارك القصور في القوانين والمواد التي تناولت هذه الجريمة... وذلك بوضع تشريع جامع لها يقف حاجزا أمام كل من تسول له نفسه من الجناة محاولة ارتكاب هذه الجريمة.

عبدالله أحمد السكران

العدد 1014 - الأربعاء 15 يونيو 2005م الموافق 08 جمادى الأولى 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً