صدفتان تدفعاني إلى الكتابة بشأن الحريق الذي اندلع في مواقف سيارات أحد المجمعات في البحرين، وجودي في المجمع وبالقرب من مبنى مواقف السيارات الذي اندلع فيه الحريق وقت وقوع الحادث والثانية، حضوري لحلقة دراسية بشأن التأمين ضد المسئولية في معهد البحرين للدراسات المالية والمصرفية والذي شمل فصلا كاملا عن مسئولية المؤسسات التجارية تجاه العامة وقيامنا كدارسين لهذا المقرر بدراسة ميدانية بشأن الموضوع واختيارنا للمجمع ذاته الذي اندلع فيه الحريق مثالا، وبناء على ذلك أسرد فيما يلي مجموعة من الحقائق والمشاهدات كالتالي:
أولا: الحالة المثالية للتعامل مع الحريق:
في المباني الكبيرة ذات التواجد البشري الكبير، يجب وفق المقاييس العالمية للسلامة أن يتم تركيب نظام آلي لاكتشاف الحريق (Smoke Detector System) يقوم هذا النظام بتحسس الروائح في نطاق معين أو خلال مسافة معينة ويميز هذا الجهاز رائحة الحريق من بين جميع الروائح الأخرى وفور تحسس رائحة الحريق يقوم هذا الجهاز بإرسال رسالة (Signal) إلى النظام المكمل له وهو نظام آلي آخر لإخماد الحريق بالرشاشات المثبتة في كل أنحاء المبنى (Sprinklers) ويقوم هذا الجهاز بقراءة الرسالة المرسلة له وتحديد موقع الحريق وتفعيل أجهزة الاطفاء في منطقة الحريق للعمل على إخماده، وفي نفس الوقت ترسل رسالة إلى نظام الانذار (Alarm System) ويقوم بتنبيه زوار المبنى بضرورة إخلائه والتوجه إلى مخارج الحريق، وعادة يطلب استخدام مخارج الحريق لكونها مجهزة بأبواب مقاومة للحريق، هذا في الجانب الآلي للتعامل مع الحريق وللأمانة فإن مبنى المجمع مجهز بكل هذه الاجهزة. أما في الجانب البشري للتعامل معه فيكمن في وضع خطة للطوارئ (Emergency Plan) إذ تنص هذه الخطة على إخلاء المبنى من جميع القاطنين باستعمال السلالم وإلى مخارج الحريق وصولا إلى نقطة التجمع في حال الحريق، وعادة يمنع استخدام المصاعد في حال الحريق لسهولة وصوله إليها بالاضافة الى احتمالية الاختناق.
ثانيا: ماذا حدث:
حسب بيان الإدارة العامة للدفاع المدني فإن حريقا اندلع في إحدى السيارات المتوقفة في المواقف التابعة للمجمع وتمكن رجال الدفاع المدني من السيطرة على الحريق ومنع انتشاره إلى باقي السيارات في حين تضررت السيارة بالكامل ووضح البيان أن الحريق ناجم عن تماس كهربائي.
ثالثا: كيف تم التعامل مع الحريق:
كشاهد عيان صادف أن أكون بالقرب من بوابة الدخول من مبنى مواقف السيارات وكان عدد من زوار المجمع يهرعون بالدخول إلى المجمع هربا من الاختناق جراء طبقات الدخان الصادر من الحريق والذي ملأ مبنى المواقف وبدأ يتسرب إلى المجمع من خلال البوابات التي توصل المبنيين. بينما لم يعمل جرس الإنذار على الفور كما هو مفترض مما يرسم الكثير من علامات الاستفهام في الأذهان ويجعلنا نتساءل عما إذا كان نظام اكتشاف الحريق يعمل أم لا.
وكما كان الجميع متفاجئا ومصدوما ولايعرف مالعمل، كذلك كان رجال الأمن وهم الذين يقع على كاهلهم تنفيذ خطة الطوارئ، ويمكن أن يكون السبب في ذلك عدم وجود خطة طوارئ من الأساس، أو عدم تدريب رجال الأمن على هذه الخطة وبالأخص كونهم يتبعون شركة أمن خاصة وكون غالبيتهم من الأجانب وعلى مستوى متواضع من التعليم.
• شخصيا سألت اثنين من رجال الأمن عن مخرج الطوارئ فلم يجبني أيهما وتهربا من الإجابة.
• سقطت إحدى الفتيات مغشا عليها من هول الموقف وكان أحد رجال الأمن قريبا فطلبت منه أن يطلب الإسعاف والإسعافات الأولية وكأنما طلبت منه حلّ مسألة رياضية معقدة؛ وهمَ هاربا من موقع الحدث، ولولا تدخل عدد من السيدات الموجودات وأحد العارفين بالإسعافات الأولية، لا أدري ما كان حدث بتلك الفتاة.
• في تصرف سليم وموفق قام رجال الأمن بإيقاف السلالم الإلكترونية، ولكن غفلوا عن إيقاف المصاعد وهذا ما تأكدت شخصيا منه وهو خطأ كبير وخطير منهم.
• لم يقم أي من موظفي المجمع أو رجال الامن بتقديم أي من الإرشادات لزوار المجمع ونتج عن ذلك هلع بين البعض، عدم اكتراث من البعض الآخر فعدد غير قليل استمر في التسوق أو لم يترك المقهى الذي يجلس فيه وهذا ما قد يتسبب في الضرر في حال انتشار الحريق.
• نتيجة لحالة الهلع التي تسبب بها الحريق، قرر الكثير من زوار المجمع الخروج منه فور إخماد الحريق، وتم السماح لهم بذلك من قبل رجال الأمن وكان ما غفلوا عنه، أن الدخان الذي تسبب فيه الحريق لا تزال آثاره موجودة في مبنى المواقف المتعدد الطوابق مما يزيد احتمالية وقوع حالات الاختناق.
رابعا: مسئولية ادارة المجمع:
تكمن مسئولية إدارة المجمع في توفير جوّ آمن والحفاظ على سلامة أرواح وأجسام الزوار من أي ضرر، وعدم وجود أو عدم تنفيذ خطة الطوارئ أو حتى عدم التنفيذ السليم مع نقص في الكفاءة أو الفعالية في التنفيذ ما يؤدي إلى خسائر بدنية أو نفسية أو لأي من المتعلقات الشخصية، عندما تجتمع العوامل السابقة تكتمل أضلاع مثلث الإهمال ويتوجب على المجمع تعويض المتضررين.
خامسا: مقترحات:
ختاما أتمنى أن لا يكون أي من زوار المجمع تضرر جراء الحريق وما تبعه واقترح عليهم التالي حتى لا يتكرر ما حدث:
• إعداد خطة طوارئ متكاملة لإخلاء المجمع في حال الحريق، ويمكن الاستعانة بالشركات ذات الخبرة في هذا المجال.
• وضع لافتات تؤشر إلى مخارج الحريق ونقطة التجمع في حال الحريق.
• تدريب موظفي المجمع ورجال الأمن على تنفيذ خطة الطوارئ والإسعافات الأولية لمواجهة أية حالة طوارئ.
• الاستعانة بشركة متخصصة في فحص أجهزة النظام الآلي لاكتشاف الحريق وصيانتها بشكل دوري احتسابا لأي طارئ.
• توجيه زوار المجمع من خلال مكبرات الصوت الموزعة في المجمع إلى كيفة التصرف السليم في حال الطوارئ.
يحيى المخرق
العدد 2409 - الجمعة 10 أبريل 2009م الموافق 14 ربيع الثاني 1430هـ