فادي حاكورة - متخصص في الشئون التركية في تشاثام هاوس وخبير عالمي للأمم المتحدة، والمقال يُنشر بالتعا
05 سبتمبر 2010
تحاول تركيا، في خضمّ النفور الأوروبي اتجاه انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، رسم خط سير بديل للديمقراطية العلمانية والازدهار الاقتصادي. إلا أنه يتوجب على تركيا التحرّك خطوة إضافية إلى الأمام ومساءلة الحقيقة البديهية الشائعة بأن مصيرها من دون أوروبا هو كومة خراب مكونة من الأصولية الإسلامية أو وطنية لا ثواب فيها.
فمنذ نهاية الإمبراطورية العثمانية، تعني الحكمة التقليدية القائلة بأن أوروبا هي المخلص الأخير لتركيا، ضمنياً بأن تركيا غير قادرة أو مستعدة لأن تصبح ديمقراطية ليبرالية في غياب وكالة خارجية. هذه الفكرة الزائفة غير متأصّلة في الواقع الثقافي أو السياسي، وإنما هي حادثة عرضية تاريخية.
وفي الوقت الذي تعاني فيه عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من الجمود، يمر المجتمع التركي بعملية تحوّل نحو الديمقراطية الأعظم والعلمانية، وإعادة التشكيل الاجتماعي الاقتصادي. وتشير الاستطلاعات إلى أن الأتراك يفضّلون رؤية أكثر روحانية للإسلام ومزيداً من المساءلة العامة للمسئولين الحكوميين ومؤسسات الدولة وانخراطاً أعمق في الاقتصاد العالمي. ويريد السكان، وهو أمر لا يختلف عن الديمقراطيات الغربية، أن توفّر السلطات المدنية فرص عمل ونوعية ممتازة من التعليم ونظام رعاية صحية عالمي المستوى. ولا تجتذب المعارك الأيديولوجية القديمة سوى اهتماماً محدوداً في أفضل الحالات.
يوفّر نجاح الهند الاقتصادي تحدّياً لافتاً للنظر للاعتقاد بأن تركيا التي تكون غير مرتبطة بأوروبا سوف تؤول إلى الجمود والتخلّف الأبدي. قبل ثلاثة عقود من الزمان فقط، كان من الشائع اعتبار الهند على أنها حالة اقتصادية فاشلة حُكِم عليها بتحقيق معدلات نمو متواضعة. وقد نُظِر إلى الثقافة الهندوسية بشكل خاطئ على أنها نقيض النمو الاقتصادي وتتعارض بشكل شديد مع التوسع الاقتصادي المتسارع لجنوب شرق آسيا غير الهندوسي.
تجد تركيا نفسها، إذا استبدلنا الهندوسية بالإسلام، في موقع مماثل للهند. من الناحية الثقافية، فالافتراض غير المعلن الثقافية هو أن تركيا لا تملك المقومات الضرورية لحل المشكلة الكردية واعتناق دستور مدني وديمقراطي جديد وتعميق العلمانية بين سكان غالبيتهم من المسلمين، أو قبول الحرية الاجتماعية كأساس للمجتمع. إلا أن هذا المنظور يشكّل خيانة لإنجازات عملية بناء الأمة بعد 87 سنة فقط من وجود تركيا، وهي فترة تشكّل نقطة في محيط التاريخ.
واقع الأمر هو أنه بعكس البلقان، نجحت تركيا إلى درجة كبيرة في تحقيق تكامل مجموعة متنوعة من الأصول العرقية بعد تفكّك المجد العثماني السابق. كما أن تركيا تقوم بإنشاء نظام قانوني عامل وتعميق التقاليد الديمقراطية شبه العلمانية وتشكيل طبقة من أصحاب الأعمال المبدعين الذين يخلقون أمواجاً في أسواق أوروبا والشرق الأوسط وروسيا وآسيا الوسطى وإفريقيا في مجالات الإنشاءات والزراعة والمنسوجات.
ولا يعني ذلك بتاتاً أن تركيا لا تواجه تحديات كبرى، فهي بالتأكيد تواجه تحديات كهذه. لقد فشلت تركيا، كبداية، في التعامل بشكل مناسب مع خيبة أمل قطاع كبير من السكان الأكراد حول الحقوق الثقافية والفقر. فسياستها التي ترتكز على مبدأ «الفائز يأخذ كل شيء» التي لا تعير أي اهتمام لوجهات نظر الأقليات، بالإضافة إلى مشاعرها الوطنية الرجعية وانعدام الثقة لديها بغير المسلمين وانشغالها الدائم والبالغ حدود الاستحواذ بالسيطرة الاجتماعية على مستوى النُخَب الحاكمة، تتعارض جميعها مع تركيا التي تهدف إلى التنوع والتحديث.
بمعنى آخر، يبحر المجتمع التركي وأصحاب الأعمال قدماً بشكل غير اعتيادي بالمقارنة مع سياسييه من حيث تبني القيم السياسية والاجتماعية الحديثة. ويعمل التمدين والعولمة الاقتصادية والتقدم الديمقراطي على تغيير المنظور المجتمعي والتقاليد الاجتماعية.
ما زالت تركيا، رغم ديناميتها التقدمية، التي قد تكون متعطّلة أحياناً، تصنّف كدولة مفعمة بالنزاعات، بين الأتراك والأكراد، والإسلام والعلمانية، أو الشرق والغرب. شاهد على سبيل المثال الجدل المستفحل حول تخلّي تركيا عن التحالفات الغربية لصالح التوجهات شرقاً. ويتجاهل هذا الجدل الرأي العام، الذي تقترح الاستطلاعات أنه يفضّل التعاون الدولي مع أوروبا، وخاصة ألمانيا، بدلاً من المملكة العربية السعودية أو إيران أو روسيا. لذا فإن هناك بعض المخاطرة بتوجه شرقي أو تركيا مسيّس دينياً في غياب عملية انضمام ذات مصداقية إلى الاتحاد الأوروبي.
ترتكب أوروبا خطأ جسيماً في رفضها تركيا وإلقائها جانباً. تبرز تركيا نبراساً حقيقياً من الأمل والإلهام للعديد من الدول، المسلمة وغير المسلمة، حيث تقوم بتشكيل مستقبل يرتكز على قدراتها وذكائها الشخصيين. إلا أنه بالنسبة لتركيا سوف يدفن اعتماد مخفّض على الاتحاد الأوروبي أخيراً أسطورة أن أوروبا فقط هي التي تستطيع دفع عملية تحويل تركيا إلى اللبرالية، وبالتالي دول الشرق الأوسط العربية.
العدد 2922 - الأحد 05 سبتمبر 2010م الموافق 26 رمضان 1431هـ