العدد 1030 - الجمعة 01 يوليو 2005م الموافق 24 جمادى الأولى 1426هـ

في لاندشتول... إذ ينسى جنود أميركا الحرب لفترة قصيرة

الجندي الأميركي ملك للدولة التي أرسلته إلى الموت

قبل أسابيع جرى نقل الجندي الممدد أمام الممرضة على سريره بعد خضوعه لعملية جراحية، على اثر تعرضه مع رفاقه التابعين إلى دورية عسكرية أميركية لهجوم بالقنابل بالقرب من سجن أبوغريب وأصيب بشظايا في الرقبة. بين أبوغريب وولاية راينلاند بفالز 6 ساعات سفر بالطائرة، وهي المسافة الفاصلة بين عالم الحرب وعالم الأمان بالنسبة إلى هذا الجندي الذي بلغ توا العشرين.

رئيسة الممرضات كندرا ويات "37 سنة"، ترتدي لباسا عسكريا وتدون كل إجابة تصدر عن الجندي العائد من الجحيم والذي خرج قبل ساعات من غرفة العمليات. تدور الأسئلة حول الأوامر والمعلومات، وأول ما بادرت بقوله للجندي المصاب أنه ملزم بالتعاون مع الأطباء والممرضين. وفي هذه المقابلة سمع الجندي أنه سيتم البت في مصيره في الأيام المقبلة، ومعنى ذلك إما الخضوع لعملية جراحية جديدة، أو نقله لمواصلة العلاج والنقاهة في الولايات المتحدة، أو العودة إلى الجحيم العراقي.

غير أن الجندي راح يسأل عن زوجته التي سمعت بنبأ إصابته ونقله للعلاج إلى ألمانيا، فأبلغته كندرا انه سيجرى إبلاغها عن طريق الجهات العسكرية المعنية.

هذا المستشفى يختلف كليا عن المستشفيات الأخرى في ألمانيا. انه مركز لاندشتول الطبي، وهو الاسم الرسمي للمستشفى العسكري الأميركي في ولاية راينلاند بفالز بالقرب من بلدة لا يزيد عدد سكانها على 9 آلاف نسمة. تم تشييده في العام 1951 بعد ست سنوات على استسلام ألمانيا النازية على مساحة 3 كيلومترات مربعة على أرض مدرسة لشباب هتلر، وهو اليوم أكبر مستشفى أميركي خارج الأراضي الأميركية. ومنذ غزو الولايات المتحدة للعراق يعج المكان بالجنود الذين يصلون يوميا إلى مطار رامشتاين العسكري الأميركي، إذ يجرى على الفور نقل الجرحى لتلقي العلاج في هذا المستشفى، بينما يتابع آخرون رحلتهم الأخيرة في صناديق خشبية.

يتابع الجنود الجرحى أنباء حرب العراق من خلال نشرات الأخبار التي تنقلها محطة تلفزيونية خاصة بالجيش الأميركي، ومحطة "إي اف ان" الإذاعية. سكان ولاية راينلاند لهم رأي مختلف عن حرب العراق خارج المستشفى، لكن الجنود الأميركان لا يحصلون على فرصة الحديث معهم، إذ يفرض عليهم طوق أميركي، فهم في نهاية الأمر من ممتلكات الولايات المتحدة!

مركز لاندشتول الطبي ليس مستشفى خاصا بل تابع للقوات المسلحة الأميركية. وقبل زيارة وفد صحافي للمستشفى يسبق لقاء مع رئيسة الممرضات واختيار عدد من الجنود الذين لم تحبط معنوياتهم بعد، ليتحدثوا عن بطولات الجيش الأميركي في العراق. كما يحصل هؤلاء الجنود على فرصة للحلاقة وارتداء ملابس حسنة المظهر. وتعلم الأميركان كيفية التعامل مع ممثلي أجهزة الإعلام واستغلاله للدعاية لسمعة بلادهم. وقالت رئيسة الممرضات: "الجنود ملك للدولة"، ولأن الجنود الجرحى في مركز لاندشتول الطبي ملك للولايات المتحدة فإن الدولة هي التي تقرر مصير كل منهم. هذا يجري بعد مناقشات يقوم بها القادة العسكريون في العراق وأفغانستان عند اطلاعهم على تقرير طبي عن حال الجندي المصاب، والسيئ الحظ منهم من يسمع أن الضابط المسئول في فرقته طلب إعادة نقله إلى موقعه السابق. وحتى اليوم لم يفصح رسميا عن عدد الجنود الذين فروا واختبأوا في الأراضي الألمانية، لكن غالبية الجرحى يأملون العودة إلى بلدهم، وقلة منهم يعودون إلى أرض المعركة.

في هذه الزيارة ثبت أن الجنود الذين تم اختيارهم للحديث إلى الوفد الصحافي الزائر عرفوا مضمون الرسالة التي ينبغي عليهم قولها: "نحن نتطلع بفارغ الصبر إلى العودة إلى وحداتنا العسكرية في العراق وأفغانستان".

وأوردت الصحف الألمانية بعض الأنباء التي لا تتطرق إليها صحيفة "ستارز آند سترايبس" التي توزع على العسكريين. دونالد رامسفيلد حاول تخفيف نقمة العالم الإسلامي على تدنيس القرآن في معتقل غوانتنامو. وزارة الدفاع الأميركية تواجه مشكلة في ترغيب الشباب الأميركي بالانتساب إلى الجيش. مؤسسات أبحاث السلام الألمانية الخمس الأولى تحمل الاحتلال الأميركي للعراق مسئولية التصعيد العسكري وقالت لولا غزو العراق واحتلاله لما نشأ تعاون بين "القاعدة" ومؤيدي صدام حسين. لكن الجنود الجرحى في مركز لاندشتول الطبي لا يقرأون مثل هذا الكلام إذ ينبغي ألا يتأثروا بآراء مناهضة للحرب.

والمواطن الأميركي يتحول إلى جندي بمجرد أن يوقع قائمة الانتساب. في الولايات المتحدة، إذ مناطق الفقر وخوف الشباب من عدم توافر فرص العمل في المستقبل يتأثر هؤلاء بسياسة الدعاية والتوجيه التي تقوم بها وزارة الدفاع لترغيبهم في الانتساب إلى الجيش، ويحصل هؤلاء على وعود بأن يجري أولا إنقاذهم من حياة الشوارع والحصول على عمل مقابل المشاركة في معارك القوات المسلحة، كما يحصلون على وعود بأن تحميهم الولايات المتحدة وتسعى ؤلى إنقاذهم.

بعد وقت قصير على بدء غزو العراق احتاجت وزارة الدفاع الأميركية إلى قصص بطولية عن الحرب لتقنع الرأي العام بجدواها، فاخترعت قصة الجندية الشابة التي حررها رفاقها من مستشفى، ثم تبين أنها قصة ملفقة حلت مكانها قصص جرائم الحرب مثل الممارسات السادية التي قام بها حراس سجن أبوغريب بحق المعتقلين وإعدام أحد الجرحى العراقيين أمام الكاميرا داخل مسجد خلال الهجوم على مدينة الفلوجة.

وفي مركز لاندشتول حين تصل سيارة إسعاف جديدة تقل جنودا مصابين من العراق أو أفغانستان تتردد عبارة: "حان وقت العرض"، ومعناه أن بين الجرحى من لا يستطيعون الكلام، وهم بحاجة إلى أجهزة تنفس، فيبدأ سباق على غرف العناية المركزة. وفي لحظات يتحول المركز إلى مستشفى ميداني، فيما كان أقرب إلى مصحة قبل حرب العراق الثانية. فقد كانت فيه أقسام مثل القلب والعظام والحروق، غير الولادة إذ يجرى الاحتفال بكل مولود جديد. لكنه منذ غزو العراق في 2003 أصبح هذا المستشفى يعمل تحت ضغط مستمر. وتتحدث الأرقام الرسمية عن تجاوز عدد الأميركيين القتلى 1500 جندي منذ أن أعلن الرئيس جورج بوش نهاية المعارك الرئيسية، لكن لا أحد يشير إلى عدد الجرحى الذين لا يسعفهم الحظ بالحصول على فرصة ثانية في النجاة.

في حرب الخليج الأولى العام 91 أقام الأميركيون مستشفيات ميدانية قريبة من جبهة الحرب، وكان من الصعب معالجة الحالات الصعبة. ولكن خلال التخطيط لغزو العراق في العام 2003 تم تجهيز طائرات نقل وتحويلها إلى مستشفيات طائرة تعمل على نقل المصابين إلى مستشفى لاندشتول، وتم تدريب مئات الممرضين على عمليات العناية بالجنود، إضافة إلى جيش صغير من الأطباء واختصاصي التخدير. وفي الوقت الجاري تسير سيارة إسعاف مجهزة بطاقم إنقاذ وراء كل دورية في العراق أو أفغانستان.

في الحرب العالمية الثانية توفي كل ثالث جندي أميركي متأثرا بجروحه ورابع كل جندي في حرب فيتنام، أما نسبة الوفيات بين الجرحى في العراق وأفغانستان فإنها تبلغ واحدا بين كل عشرة. وفي مكان قريب من المستشفى الطبي هناك قاعة تحولت إلى محكمة عسكرية، بعد أن زاد احتجاج عدد الجنود الشبان الذين اكتشفوا أن عملية العراق لم تكن محدودة وقصيرة الأمد كما قال لهم رامسفيلد. أحد الجنود بعد وصوله إلى مستشفى لاندشتول عولج من إصابة طفيفة، بعدها مثل أمام المحكمة لاحتجاجه على قرار عودته إلى العراق، فقال له رئيس المحكمة: ينبغي أن تفهم أنك كجندي لا تملك الحق في معارضة قرار العودة... فأنت ملك للدولة التي لها الحق في البت بمصيرك. فرد الجندي الشاب: لم أسمع هذا الكلام حين وقعت قائمة الانتساب.

انه واقع الجيش الأميركي في زمن التدخلات العسكرية وسياسة ما يسمى الحروب الوقائية والفوضى البناءة

العدد 1030 - الجمعة 01 يوليو 2005م الموافق 24 جمادى الأولى 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً