الدراز. .. من أكبر القرى في الساحل الشمالي، إذ يبلغ عدد سكانها ما يقارب الـ 18 ألف نسمة، وهي قرية تضرب بجذورها في عمق التاريخ. وبحسب الأهالي وكبار السن في القرية فإن الدراز كانت واحة خضراء زاهية بنخيلها وزروعها وحدائقها الغناء، ولكن تحولت وبشكل محزن الزروع والينابيع فيها إلى مجرد ذكرى ينقلها الأجداد إلى الأحفاد.
ويقال إن موطن أهالي الدراز الأصلي هو حلة شمال إذ سكنها القدماء قبل العهد الإسلامي وبعده، وتمركزوا هناك، وبنوا مساكنهم البدائية، كما أن موقع عين أم السجور في ذلك الوقت تكون في الغرب، ومعنى هذا إن الدراز تقع في الجهة الشرقية من عين أم السجور تلك العين التي كانت تروي جزءا كبيرا من مناطق البحرين.
حلم بالمشروع الإسكاني وشوارع بالية
وحين تدخل إلى القرية التاريخية، فإنك لا تحتاج إلى الكثير من الوقت لتدرك بأنها تعاني من نقص فادح في مستوى الخدمات العامة، فلا شوارع تصلح لتكون شوارع، ولا استجابة لمطالب الأهالي بمشروع إسكاني.
لعله بات من المعروف لدى الجميع أن الدراز هي قرية الشوارع "المعدومة" كما يعبر عن ذلك أهالي القرية أنفسهم، ويشير الحاج أحمد علي بأن الشوارع والطرق هي عبارة عن كومة من الرمال التي تتطاير مع رياح الصيف لتزيد معاناة الأهالي الذين اعتادوا على الحر وانقطاعات الكهرباء، أو هي عبارة عن مستنقعات وملاذ للقاذورات حين ينزل عليها ماء أيا كان مصدره.
وينتقل علي في عجالة إلى الحديث عن المشروع الإسكاني الحلم قائلا: "أهالي القرية كانوا ولايزالون يطالبون بوحدات سكنية، فحين تدخل إلى بيوتات الدراز تستغرب من الوضع المعيشي الصعب الذي يعيشه الأهالي، فتلك البيوت لا تصلح كحضائر للحيوانات فكيف بها لسكنى البشر".
أم حسين رأتنا ونحن نتحدث إلى الحاج أحمد علي فجاءت مسروعة، وقالت: "أخيرا جاء تلفزيون البحرين ليصور القرية"! تبسم الحاج أحمد ورد عليها "التلفزيونات لا تأتي إلى الدراز، وإنما هؤلاء صحافيون من "الوسط" جاءوا ليرصدوا معاناة الأهالي". تدخل أم حسين في الحديث "يا ولدي ليش ما تشوفون لينا صرفة ويا ها الشوارع، كم مرة أطيح بسبب الحجارة والحفر التي لا تنتهي على طول الطريق، ولا تنسوا الكهرباء لأن الدراز تعودت في اليوم على انقطاع الكهرباء مرة أو مرتين".
أهالي الدراز تعودوا على "الاثنين الأسود"!
قصة الكهرباء أصبحت من القصص التي تعودها أهالي الدراز صغيرا وكبيرا، شابا وكهلا، كيف لا وهم يشهدون الانقطاع يوميا، ولاسيما الفريق الغربي والسوق القديم، ويشير الأهالي إلى أن المسئولين في وزارة الكهرباء والماء قدموا إلى المنطقة وأكدوا أن الخلل ناتج من كابل انتهت صلاحيته، وفي كل مرة يستبدل ويحترق في هذا الوقت من العام.
ثلاجات لم يعد لوجودها لزوم في المنازل، ومكيفات علقت من دون جدوى بل إن معظمها لم يعد يعمل أساسا، فمجمع 536 وحده قطعت عنه الكهرباء من الساعة الثانية ليلا في أحد الأيام، وانقطع كليا في الساعة الواحدة ظهرا عن كامل المجمع. واستمر انقطاعه إلى فجر الجمعة إلى الساعة الثالثة صباحا.
ويبدو أن معاناة أهالي الدراز لن تقف عند هذا الحد كما يشير محمد علي، فكل الدلائل تؤكد أن المشكلة ستبقى على ما هي عليه، وقال: "المسئولون يعيشون في بيوت لا تنقطع عنها الكهرباء أبدا، ولن يفكروا في حال المواطنين المعدومين أساسا".
مشاهد تاريخية من الدراز يرجع تاريخ هذا المعبد إلى العهد الدلموني الأول أي 2300 سنة قبل الميلاد. ويقع المعبد في الجانب الجنوبي الشرقي من منطقة الدراز على شارع البديع. ويتميز هذا المعبد باختلاف تصميمه عن معبد باربار ومعبد سار. ويشبه المعبد، الذي اكتشفته بعثة تنقيب بريطانية، ممرين من الأعمدة، مع مسلخ في الوسط. وكان جزء منه يستخدم كمقبرة في الألفية الأولى قبل الميلاد. قطع السيراميك، جرة من السيراميك، مجموعة من الخرزات، أوان فخارية وميزانين.
ولا ننسى عين أم السجور التاريخية التي تقع في الجهة الشمالية الشرقية من منطقة الدراز، وتعتبر من المواقع الأثرية المهمة وذلك لوجود أكبر نبع ماء فيه، وهذا النبع تمتد منه القنوات إلى المناطق المجاورة وتحيط به حجارة كبيرة جدا مقطوعة على شكل قوالب مستطيلة ويتراوح طول الواحدة من 1 إلى 2 متر وعرضها من 50 إلى 70 سم تقريبا.
ولقد نقبت في هذا الموقع البعثة الدنماركية سنة 1954 واكتشفت بئر ماء ذا فوهة دائرية يعود لفترة دلمون 2000 ق. م، وعثر فيه على تمثالين لكبشين من الحجر الرملي.
وفي سنة ،1994 نقبت البعثة اليابانية في الموقع نفسه واكتشفت جنوبي البئر السابق بئرا آخرا يعود للفترة نفسها ذا فوهة مربعة وله سلم يؤدي إلى نبع الماء كما تتصل به قناة للري اكتشفت بعض أرضيات غرف وأحواض من الجص بالإضافة إلى بعض الكسر الفخارية.
ويبقى لنا أن نتساءل؛ إلى متى ستظل هذه المنطقة التاريخية مهملة؟ وإلى متى سيجهل أهالي البحرين المحطات التاريخية التي مر بها الجدود؟ هل السبب في المواقع أم من يهتم بالمواقع؟ وإلى متى ستبقى شوارع الدراز على حالها؟ ومتى سيتحقق حلم الأهالي بالمشروع الإسكاني؟ أسئلة نترك الإجابة عليها إلى الزمن..
العدد 1065 - الجمعة 05 أغسطس 2005م الموافق 29 جمادى الآخرة 1426هـ