اني خريجة جامعية حصلت على البكالوريوس في الجغرافيا التطبيقية ثم دبلوم التربية في التدريس من جامعة البحرين. أعيش في وسط أسرة فقيرة، إذ ان العائل الوحيد لهذه الأسرة هو ابي الذي أحيل إلى التقاعد ما أدى إلى صرف 40 في المئة من راتبه الشهري ما يعني تقاضيه راتباً لا يتجاوز المئة والخمسين ديناراً شهرياً، إذ أشكل عبئاً على والدي الذي يعاني من مرض القلب.
بعد تخرجي من جامعة البحرين طرقت جميع الأبواب في وزارة التربية والتعليم للحصول على وظيفة ولكن من دون جدوى، إذ عمدت الوزارة إلى توظيف طلبة الانتساب بناءً على أقدميتهم في التخرج، وتم توظيف عدد قليل جداً من خريجي جامعة البحرين العام الماضي. أما نحن فكما يقال عنا على قائمة الانتظار الأبدية، وهناك الكثير من الأمور التي تسترعي الانتباه فيما يتعلق بتخرجي من جامعة البحرين يمكن إجمالها في الآتي:
أولاً: ما يتعلق بالتخصص فقد أوحت جامعة البحرين إلى طلبة الجغرافيا التطبيقية في يوم التهيئة بأن هذا التخصص مطلوب في سوق العمل، وخصوصاً في وزارات الدولة، إذ انه تخصص جديد، ويتضمن مقررات في نظم المعلومات الجغرافية اةس التي تحتاجها الوزارات والمؤسسات المختلفة. وهكذا استمر الطلبة في التخصص على أمل وجود فرص عمل مناسبة لهم بعد التخرج، لكن ما حدث كان هو العكس تماماً. فلماذا تطرح جامعة البحرين تخصصات لا مجال لخريجيها في سوق العمل؟ وما ذنبنا نحن الطالبات اللواتي اوهي إلينا بخلاف ذلك؟
ثانياً: ما يتعلق برسوم الدراسة، إذ تكبد خريجو الجغرافيا التطبيقية الكثير من المصاعب المادية والمعنوية لتأمين الرسوم الدراسية ومستلزمات الدراسة في هذا التخصص، إذ كان من البرامج غير المدعومة التي تكلف الطالب 120 ديناراً لكل مقرر دراسي. وكنا نطمح إلى عمل يعوضنا، ويعوض أسرنا ما تكبدوه من عناء مادي ومعنوي طوال سنوات دراستنا، لكن خيبة الأمل كانت أكبر من حجم استيعابنا.
ثالثاً: ما يتعلق بدبلوم التربية رفضت الجامعة إدراج التربية كتخصص فرعي للجغرافيا التطبيقية، ما حدا بنا إلى دراسة دبلوما التربية في التدريس، فتحملنا أعباء الرسوم الدراسية من جديد، رغبة في دراسة هذا التخصص الذي سيمنحنا الأمل بالتوظيف في وزارة التربية والتعليم. وهكذا درسنا التربية على حسابنا الخاص، بينما لم يستطع الخريجون الذين تخرجوا في وقت لاحق دراسة التربية، إذ تم إغلاق هذا التخصص، وبالتالي إغلاق باب الأمل الذي انتظروه. فلا أمل بالتوظيف في وزارة التربية والتعليم ولا في سواها من الوزارات أو المؤسسات التي أغلقت أبوابها في وجوه من سبقوهم من الخريجين.
رابعاً: ما يتعلق بمستوى خريجي جامعة البحرين، إذ يحمل خريجو جامعة البحرين ثلاثة تخصصات: الجغرافيا والتاريخ والتربية، إذ نتمتع بمستوى أكاديمي عال على المستوى النظري والتطبيقي. إذ تتضمن خطة الجامعة إلى جانب المقررات النظرية مقررات تطبيقية كمقررات الحاسب الآلي في الجغرافيا سذسس، ونظم المعلومات الجغرافية اةس، هما مقرران يعتمدان على الحاسب الآلي، والخرائط الكنتورية والجيولوجية، وخرائط التوزيعات، وهما يعتمدان على رسم الخرائط والرسوم البيانية، والمساحة المستوية والصور الجوية والاستشعار عن بعد، وهما يعتمدان على استخدام أجهزة خاصة، وغير ذلك مما لم يدرسه طلبة الانتساب أو يتدربون عليه. ان حفظ المقررات الدراسية وإتقان بعض مهارات الجغرافيا البسيطة لاسترجاعها في الامتحانات النهائية فحسب، لا يمكن ان تخرج طلبة بمستوى طلبة جامعة البحرين الذين لقوا متابعة مستمرة من الأساتذة، وتم تقويمهم بأساليب متنوعة كالاختبارات النظرية والعملية، والبحوث الميدانية، والتقارير، والملفات، والمشروعات، والامتحانات النهائية.
خامساً: ما يتعلق بالمعايير التي يتم التوظيف بناءً عليها فإن أقدمية التخرج ليست بأهم من مستوى الطلبة فالمعدلات، وامتحان التوظيف، إضافة إلى المقابلة التي تكشف عن الجوانب الشخصية والاجتماعية للطلبة، والتقدير الذي حصلوا عليه في التربية العملية، والذي يكشف عن قدرتهم على النهوض بالعملية التعليمية التعلمية، أهم بكثير من سنة التخرج. فالمجتمع بحاجة إلى أساتذة أكفاء، لا أساتذة تخرجوا قبل غيرهم بمعدل «مقبول». ومن الملاحظ ان مستوى خريجي جامعة البحرين يفوق بكثير مستوى طلبة الانتساب من الناحية الأكاديمية، وتشهد على ذلك معدلاتهم.
سادساً: ما يتعلق بتدريس الجغرافيا حالياً تقوم بعض مدرسات اللغة العربية والتربية الإسلامية بتدريس الجغرافيا في المرحلة الابتدائية. ان الجغرافيا لم يعد علماً قائماً على التلقين والحفظ كي يوكل به إلى مدرسات غير متخصصات فيه، بل هو علم له طرق التدريس الخاصة به، وله مناهجه وأساليبه. فإتمام نصاب المدرسة لا ينبغي ان يقوم على حساب العملية التعليمية، وخصوصاً أن العالم يعيش عصر التخصص، بل التخصص الدقيق. وهنا نتساءل: هل تقوم هؤلاء المدرسات بتدريس الجغرافيا في حين لايزال عدد كبير منا على قائمة الانتظار؟ وهل يمكن ان يكون أداء هؤلاء المدرسات كأداء خريجات الجغرافيا؟ ثم ان العالم اليوم بدأ يستشعر أهمية نظم المعلومات الجغرافية اةس، والبرنامج الإحصائي للعلوم الاجتماعية سذسس، ما يشجعنا على طلب تدريس أساسيات هذا البرامج في المدارس. وليس هناك من هم أقدر على تدريسها من خريجي الجغرافيا التطبيقية.
سابعاً: ما يتعلق بمصيرنا نحن خريجو جامعة البحرين والذين نحمل دبلوم التربية، إضافة إلى بكالوريوس الجغرافيا، فما المؤسسة التي يمكن ان تستوعبنا بعد ان أغلقت الوزارات الأخرى أبوابها في وجوهنا؟ ان انتظار التوظيف في ظل الترقيات الحالية القليلة لاساتذة المواد الاجتماعية، وفي ظل سن التقاعد الحالي، سيطول بنا إلى سنوات طويلة قد تعدل سنوات دراستنا. وهنا نتساءل: كيف يمكن ان يكون عطاء الطلبة الذين تم توظيفهم بعد تخرجهم مباشرة مقارنة بآخرين تم توظيفهم بعد سنوات من تخرجهم؟ ولماذا يتم تعطيل طاقاتنا لفترات طويلة هي من أفضل الفترات التي يمكن ان نستثمرها فيها؟
ان تدليل الصعاب أمام المواطنين من خصال المسئولين القديرين، واني على يقين هذه المرة من أنهم لن يردوني خائبة، إذ لن يبخلوا عليّ بتوفير وظيفة في وزارتهم الموقرة.
(الاسم والعنوان لدى المحرر
العدد 1108 - السبت 17 سبتمبر 2005م الموافق 13 شعبان 1426هـ
عن خريجات الجغرافيا
والله صح