هل وقعت "حقوق الإنسان" على مستوى الوطن العربي في مأزق بدأ مع استقلال الدول العربية؟ وماذا عن السلطات العربية التي أبعدت المواطن عن مفهوم الحرية الذي ظل مفهوما غائبا، وظلت الحقوق مجرد شماعات تعلق عليها براويز القوانين المصوغة بأمزجة هذه الأنظمة؟ أسئلة كثيرة تكتنف وضع حقوق الإنسان في الوطن العربي نحاول الحصول على إجابات عنها من خلال حوارنا مع نائب رئيس جمعية حقوق الإنسان في سورية محمد طيارة، وهنا نص الحوار: كيف تقرأون وضعية حقوق الإنسان في الوطن العربي؟ - إن مسألة الدفاع عن حقوق الإنسان مسألة ناهضة تاريخيا في الوطن العربي نظرا إلى تردي هذه الحقوق، ومع حركة الاستقلالات ونمو المجتمعات، سيطرت نزعات جديدة في الوطن العربي أهمها الاهتمام بالموارد النفطية والمالية على حساب المواطن الإنسان. ولم يكن هناك اهتمام بالمواطن الفرد، مع غلبة النزعات الأيديولوجية سواء الاشتراكية أو الإسلامية المتعصبة أو القومية التي تنزع إلى مثال التوحد في الدولة القومية. كما أن آثار المعركة الخارجية الدفاعية ضد العدو الخارجي وهو "إسرائيل" استهلكت الكثير من مراحل التنمية لدينا، ولم يلتفت إلى الإنسان وقيمه الاجتماعية، وهكذا ابتعدنا خطوات عن ركب التنمية، ولكن هناك تغيير والتفاتة إلى هذه الوضعية في المرحلة الراهنة. ومجددا ومع انهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط النزعة الشمولية وفشل هذه الأنظمة عن تحقيق مهماتها، بدأ كثيرون يدركون مفتاح النهضة الحقيقية وهو الإنسان، وهو أساس كل تنمية، والتخلف الذي نحن فيه تخلف مريع بحق، إذ أصبحنا خارج التاريخ بمعنى ما، لدرجة أن هناك وضعية في بعض الدول العربية تطالب بعودة الاستعمار نظرا إلى فشل المشروعات التنموية فيها، ووقوعها تحت قبضة الدكتاتوريات ووقوعها تحت فساد غير مسبوق. ولكن هناك نهضة جديدة للدفاع عن ثقافة حقوق الإنسان. وللأسف، مع أن بعض بلدانا العربية ومنها سورية شاركت في التوقيع، بل المشاركة في صوغ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في العام ،1948 فإن الأوضاع تردت كثيرا وتراجعت إلى الوراء، وكانت لدينا طموحات لنكون كباقي بني الناس، ولاشك أن المعركة الخارجية استهلكت الكثير، لكن نؤكد أن مشروعاتنا هي التي وضعتنا خارج حدود التاريخ. نحن بحاجة وبإصرار من النخبة العربية إلى بيان هذه الحقوق والتمسك بها وجعلها ثقافة عامة في كل مكان في الوطن العربي، وهذا أحد المفاتيح المهمة للنهضة في الوطن العربي، كما نراه نحن ناشطي حقوق الإنسان.
تغريب الحريات وغيابها
هناك من يرى أن من أهم أسباب تردي الأوضاع هو غياب الذات الحرة أو جهل الناس بحقوقهم، هل تؤيدون هذا الطرح؟ - الذات الحرة هي الإنسان الفرد المواطن المؤمن بذاته وإرادته، كما أنها أيضا ذات المجتمع الحر وذات الرأي العام، أي أن هناك مستويين؛ فردي واجتماعي وهما متعلقان تماما بوضعيات الحريات في الوطن العربي، فإن تغريب الحريات وغيابها وانتهاكها في الوطن العربي من قبل السلطات الجائرة انتهت في النهائية إلى سياق واحد، وهو مصادرة إرادة الناس عبر التوريث بجمهوريات وعبر مصادرة الملكيات، فالمواطن هو رعية وبحاجة إلى راع، وهذه المسألة يجب إدراكها على المستوى التشريعي بإقرار نهائي بحق الناس بالحرية، وذلك عبر تثبيت حق المواطن في التعبير عن حريته بأي شكل من الأشكال، وتطبيق فعاليتها في مؤسسات وحركات حزبية وهي مؤسسات المجتمع المدني التي تمثل الناس وتعبر عن آرائهم بالاستقلال عن كل سلطة، ولكن في إطار عقد اجتماعي وطني يرسخ دستورا يتوافق عليه الناس في كل مكان، فالدستور هو أب القوانين ويجب أن يكون منطلقا من إرادة الناس الحرة، من دون أن تأتي أي حكومة للتعبير عن هذه الإرادة، ويجب أن ينص على تناوب السلطة فيما بين الناس ويجب أن يفعل من خلال حركة مؤسسات المجتمع المدني لتعمل بشكل طوعي حر وبإدارة شعبية وبحرية تامة من دون تشديد الخناق عليها بأي شكل كان، لأن هذه المؤسسات هي كل ما تبقى لنا لنعيد مفهوم الحرية ونثبت مفهوم الحقوق ونلحق بركب التنمية الذي قطع أشواطا طويلة جدا وبتنا في الصف النهائي أو خارج حدود المرحلة التنموية. **تاريخ مليء بالعثرات والأخطاء
ولكن هل يمكن أن نقول إن مؤسسات المجتمع المدني على استعداد للقيام بهذا الدور؟ - طبعا لا، ولكن هناك تجارب جديرة بأن يؤخذ بها. وفي الحقيقة لابد للناس بشكل أو بآخر أن يعبروا عن مجتمعهم وآرائهم، ومن أهم الطرق لذلك مؤسسات المجتمع المدني التي يمكن أن نسميها حاليا المؤسسات الأهلية، إذ تقوم على القرابة العائلية والعشيرة وكانت تكفل حياة الناس فترة طويلة وتكفل تضامنهم وتقوم على مبدأ ما قبل المجتمع المدني وهو مبدأ القرابة والعشيرة كما أوضحنا. ومع ذلك، كانت تقدم جهدا كبيرا على رغم تشكيلها، فعندما يفتقد المواطن إلى قانون موحد يكفل له الحرية يضطر إلى العودة إلى عائلته وعشيرته، ومن هنا لعبت دورا مهما منذ أيام الوقف الإسلامي وصولا إلى جماعات الأحياء والقرى، ولكن الآن هي أمام نقلة كبيرة ما دمنا على مستوى دول إعادة صوغ العقد الاجتماعي لتتحول إلى دول مدنية ينتمي لها المواطن في إطار قانون موحد يحقق ذاته ويطبق على الجميع مهما كانت عائلته وعشيرته ومنطقته ونسبه ومذهبه، وهذا هو الاختبار الجديد الحقيقي الحاسم، فالمؤسسات الأهلية تمر عبر جسر عبور إلى مؤسسات المجتمع المدني وهناك نوايا بهذا الشأن. ونحن متفائلون جدا، ونحن شعب كبقية الشعوب لدينا طموحاتنا ولنا حقوقنا ومع بدايات الحضارات كان لدينا نزوع منذ أيام حمورابي إلى صحيفة المدينة التي أقرت أيام الرسول "ص"، ولكن تاريخ البشر هو تاريخ مليء بالعثرات والأخطاء وحان لنا اليوم أن نتقدم ونحن متفائلون بإرادة الناس وإرادة المواطنين الأحرار.
الطريق لايزال طويلا
ما الرسالة التي كنتم تنوون إيصالها من خلال مشاركتكم في أعمال المؤتمر الموازي لمنتدى المستقبل؟ - في إطار منتدى المستقبل، نحن نعرف سلفا أنه أتى كاقتراح من الدول الرسمية لمؤسسات المجتمع المدني لإيصال أصواتها لها ورفع التوصيات، ونحن نعلم أسبقية مصالح الدول ولكن نريد أن نسمع صوتنا لهذه الدول وإلى الرأي العام، وهذا المنتدى هو إحدى النوافذ المهمة للتعبير بقوة عن إرادة المجتمع المدني، فنحن سنقدم توصيات واشتراطات ومعايير تمثل رأي مؤسسات المجتمع المدني في كثير من المسائل بدءا بالتنمية وشروط تحقيقها وصولا إلى التعاون العالمي بين الدول، إلى طرائق معالجة المشكلات كالفقر بصورة خاصة، وعلى رغم معرفتنا بمأزق العلاقة مع هذه الدول فإننا نؤمن بأنه يجب أن نعبر برأينا ونوصل أصواتنا بكل السبل المتاحة والممكنة في هذا المجال ونبين أهداف المجتمع المدني، ولايزال أمامنا طريق طويل
العدد 1170 - الجمعة 18 نوفمبر 2005م الموافق 16 شوال 1426هـ