العدد 3018 - الجمعة 10 ديسمبر 2010م الموافق 04 محرم 1432هـ

هل العربية لغة علم؟ (1 - 2)

محمد عزالدين الصندوق - كاتب عراقي، والمقال يُنشر بالتعاون مع «مشروع منبر الحرية www.minbaralhurriyya 

10 ديسمبر 2010

حملت اللغة العربية إبداع العرب الوحيد ألا وهو الشعر قبل الدعوة الإسلامية ومنحها القرآن التقديس فيما بعد لتكون لغة إعجازية مقدسة، وعند القرون الثلاثة الأولى بعد الدعوة مُنحت العربية مهمة أخرى لتكون وعائاً للفكر الإسلامي الفلسفي الوليد وكذلك لغة النهضة العلمية الوليدة. ومع التراجع الفكري والركود العلمي ارتدت العربية لتبقى وعاءً مقدساً فقط.

دخل العرب القرن العشرين عراة لا يملكون من مقومات الحضارة شيئاً حتى لغة الشعر إبداعهم الوحيد كانت قد ماتت قبل الدخول، وبعد محاولات التململ العربي للنهوض من الغفوة اكتشف العرب وجود ما يسمى بالعلم والتكنولوجيا واكتشفوا كذلك عجز لغتهم عن استيعاب ما وجدوه بعد هذا السبات العميق.

هكذا وجدت اللغة المقدسة عجزها عن استيعاب ما وجده قومها لذا لامتهم وعكست ألمَها مما هي عليه على لسان شاعرهم حافظ إبراهيم ومما قالته اللغة المحنطة:

وسعت كتاب الله لفظاً وغاية وما ضقت عن اي به وعظات

فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة وتنسيق أسماء لمخترعات

لا شك في أن حافظ إبراهيم الذي اعتمدته اللغة للكلام عنها لم يكن على دراية بماهية لغة العلم المعقدة ومتطلباتها وربما اللغة المسكينة التي تخلى عنها أهلها وحنطوها لم تكن لتعرف حقاً ماذا حل بها وكيف تم تحنيطها من قِبل أبنائها.

لقد كتب العرب والمسلمون علومهم الطبيعية في فترة النهضة اليتيمة (700م - 1000م) باللغة العربية رغم أن الكثير من العلماء لم يكونوا عرباً. لقد دخلت اللغة العربية وقت ذاك طوراً جديداً من تاريخها وهو الطور الثالث.

قبل الدعوة الإسلامية كانت اللغة لغة الإبداع الشعري وهو الإبداع الوحيد (ربما عرفوا النحت ولكن لم يصلنا منه شيئاً) الذي عرفه العرب قبل الإسلام وهذا هو طورها الأول وبعد الدعوة أصبحت اللغة المقدسة التي جاء بها القرآن وهذا هو الطور الثاني لها. حتى العصر العباسي لم يكن للعرب عهد بالفكر الفلسفي والعلوم وما أن انفتحت الحضارة العربية على الأمم الأخرى أخذت باستيعاب تجارب الشعوب وكانت التراجم التي قام بها اليهود والمسيحيون والصابئة وقت ذاك جهداً عظيماً يصعب تقديره قاد اللغة العربية لتدخل طورها الثالث. منذ ذلك العهد واللغة العربية استوعبت الفن والفكر والعلم. وقت ذاك لم تكن هناك طباعة أو مؤسسات نشر متخصصة.

في تلك الفترة اليتيمة من التاريخ كانت بغداد والقاهرة والأندلس مراكز الإشعاع العالمي وكانت اللغة العربية لغة الحضارة السائدة.

استوعبت اللغة العربية الشعر والفكر والدين والعلوم. وما تزال حتى وقتنا الحاضر الكثير من مصطلحات العرب القديمة مستخدمة في بعض العلوم.

ومع بداية تلاشي النهضة العلمية (حوالي العام 1000م) أخذت اللغة تتقوقع ضمن الإطار الديني والأدبي ومع الاحتلالات الأجنبية المتكررة والتي كان آخرها الاحتلال العثماني تلاشت حتى القدرة الأدبية للغة لتتحول إلى مجرد لغة مقدسة.

بعد سقوط الدولة العثمانية بدأ التململ العربي للاستيقاظ من الكارثة وكان للغة هي الأخرى تلك المحاولة للاستيقاظ.

خلال النصف الأول من القرن العشرين عاد للأدب العربي البعض من رونقه وعادت العربية إلى طورها الأول. وما أن أدركت عمق الكارثة الفكرية والعلمية وعدم القدرة على استرداد طورها الثالث عاتبت العرب على لسان شاعرهم.

نحن الآن في العام 2010 م وليس 800 م، وعلوم اليوم ليست مثل علوم الماضي، الاختلاف ليس كمّياً فقط وإنما نوعيّاً ومنطقياً. اليوم يجب أن نتساءل هل العربية يمكن أن تكون لغة علم كما كانت؟

قد يبدو تبرير قابلية اللغة على استيعاب وصف آلة أو البحث عن أسماء لمخترعات يعطيها القابلية لتكون لغة للعلم تبريراً ساذجاً وسطحياً. وهذا ما هرول وراءه الكثير من اللغويين والمجمعيين العرب لاشتقاق مصطلحات عربية مقابلة لمصطلحات العلوم المعاصرة ووضعوا القواميس لها، لقد كان ركضهم وما يزال وراء سراب، لأن العرب الآن ليسوا منتجي علم بل متقبلين لبعض مما يُنتج وما على اللغويين إلا متابعة ما يستجد للبحث عما يرادفه وبصورة مستمرة ودائمة. إن لغة العلم ليست مجرد وعاء استيعاب لنقل ما هو موجود. للغة العلم الحديثة مميزات كثيرة منها:

- أنها لغة حية علمياً وهذا يعني أنها الوعاء الأول للناتج العلمي.

- البحوث الجديدة أول ما تكتب تكتب بلغة العلم المقبولة عالمياً.

- انها اللغة التي تنتج مصطلحات جديدة يتم الترجمة عنها باستمرار، فلغة العلم يجب أن تكون لغة منتجة للمصطلح إضافة لكونها قابلة للترجمة، والمصطلح العلمي يكون واحداً رغم اختلاف المترادفات التي قد تبدو متشابهة.

- أنها لغة واسعة الانتشار علمياً وليس المقصود هو عدد المتكلمين بها بل عدد مراكز البحوث التي تعتمدها، وعدد الدوريات التي تصدر بها وعدد الكتب التي تكتب بها والمؤتمرات التي تعتمدها كلغة مقبولة.

- أنها اللغة التي تجمع ما بين القدرة على التوضيح مع استخدام الرمز (الحروف والعلامات) لكتابة العلاقات العلمية والرياضية.

- أنها اللغة التي تتعامل بها مؤسسات نشر عالمية وبذلك يكون مطبوعها متوافراً ومتراكماً ويمكن الرجوع إليه كمصدر دائم. وهذا يعني أن هذه اللغة تغوص في تاريخ التخصص العلمي لتوفير المعلومة المطلوبة.

العدد 3018 - الجمعة 10 ديسمبر 2010م الموافق 04 محرم 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 3:20 ص

      نعم ولم لا-حسين

      لقد جوابت على هذا السؤال قبل اكثر من 25 سنة حينما سئلني احد الزملاء في الجامعة يمكن ان تكون العربية لغة علم

اقرأ ايضاً