دعا الاقتصادي السعودي عبدالله القويز دول الخليج العربية إلى استئناف عمليات التخصيص في المنطقة، وقال إن الأزمة المالية العالمية التي ضربت السواق في العام 2008 ساهمت في جعل الدول تتخلى عن الموضوع «وهذا في الحقيقة مدعاة للأسى».
وأبلغ القويز الصحافيين على هامش مؤتمر اقتصادي عقد في فندق كراون بلازا أن الوضع الذي أوجدته الأزمة المالية العالمية جعل الدولة في المقدمة، وبقدرة قادر دول الخليج نسيت موضوع التخصيص، ولا يوجد من يتحدث عنه، وطالب دول الخليج بإعادة النظر في عمليات التخصيص واستئنافها «إذ إن هذا الوضع مدعاة للأسى في الحقيقة».
وتطرق إلى دور القطاع الخاص في دول الخليج فبين أن المشاكل الاقتصادية التي مرت بها دول العالم أدت إلى الوضع الحالي للقطاع الخاص، «ولكن في دول الخليج أصلا غير وارد لأن الدولة هي الأساس والعماد في الاقتصاد، بل وأكثر من ذلك أن الدولة هي التي خلقت القطاع الخاص».
وأشار إلى أن الدول تحاول تشجيع القطاع الخاص على الدخول وتحقيق عدد من الأهداف التي تريدها، بالإضافة إلى وظيفة الدولة الرئيسية في موضوع الأمن والدفاع والعدالة، وكذلك الرعاية الاجتماعية والصحية والتعليمية لأن الدولة تملك ثروات البترول وتوزعها على المواطنين».
وتساءل القويز «إذا نزلت أسعار البترول ونزل الطلب على البترول كيف تستطيع الدولة أن تفي بالالتزامات في موضوع الرعاية الاجتماعية والصحية»؟. لكنه استدرك بالقول «من حسن الحظ أن دول الخليج لديها أرصدة حاليا تستطيع، على الأقل لفترة محدودة، أن تستمر في تقديم الخدمات حتى لو نزل الدخل.
وأضاف «المشكلة الثانية في الرعاية الصحية والاجتماعية هي أنه كيف تفضل الأجيال الحالية على الأجيال القادمة؟ العزاء في هذا الجانب أنه ما بني من مؤسسات وأنظمة وعلاقات مع دول الجوار سيوفر للجيل الجديد مؤسسات يستطيع أن يبني عليها، وبالتالي ورث جزء من الثروة التي استهلكتها الأجيال السابقة».
وتحدث عن الشراكة فشرح القويز «هل أن القطاع الخاص هو وكيل للدولة؟، وهل هو أجير على الدولة، أو أنها شراكة حقيقية؟ الحقيقة أنها ليست كذلك، بل عقد إذعان بين الدولة والقطاع الخاص». وأفاد أن دول المنطقة تقوم بالصرف من الموازنة، «وتقوم بعمليات تفضيلية، وتقديم قروض لتشجيع القطاع الخاص وتهيئته للقيام بدوره».
وأشار إلى أن قطاع المقاولات هو الأكثر تأثرا بالتقلب في دخل دول المنطقة، إذ تتراكم على المقاولين الديون «ويضطرون إلى تسريح العمال وبيع المعدات بأرخص الأثمان، وإذا حدثت طفرة يقومون بشراء معدات جديدة ويقومون بتدريب العمال بأغلى الأثمان».
أما الاقتصادي عبدالله الصادق من جامعة البحرين فقد بين أن تحرير الاقتصاد يتطلب بالضرورة تعزيز سياسة التخصيص، والتي بدورها تساهم بشكل فعال في اندماج الاقتصاد الوطني في الاقتصاد العالمي.
وعرف التخصيص، في مفهومه الضيق، أنه بيع المؤسسات العامة إلى القطاع الخاص، لكن التخصيص قد تعاني أيضا من التخلص من المؤسسات الحكومية الخاسرة، أو تحويل دائم أو جزئي لنشاطات إنتاج الخدمة العامة للقطاع الخاص، أو سياسة تعتمد بشكل متزايد على آلية السوق وعلى مبادرات القطاع الخاص.
وأضاف «تطوير دور الدولة في المستقبل يتمثل في تقليص اعتمادها على إيرادات النفط الذي لا تتحكم في أسعاره وإشراك القطاع الخاص بشكل فعال عبر نجاح مشروعات الخصخصة، وتنويع مصادر إيرادات الميزانية العامة».
وتطرق إلى الموازنات العامة في دول مجلس التعاون الخليجي فأوضح أنها تختلف عن النموذج المتعارف عليه للموازنات العامة سواء كان ذلك في الدول المتقدمة أو الدول حديثة النمو صناعيا أو حتى الدول غير الخليجية. ويتمثل هذا الاختلاف في أن جانب المصروفات يمثل متغيرا داخليا تحدده سياسة الدولة فيما يتعلق بمقداره وتوزيعاته ومعدلات نموه.
وبين أن جانب الإيرادات يمثل متغيرا خارجيا يصعب تحديده لكونه يخضع لعوامل خارجية خاصة فيما يتعلق بأسعار النفط، فالإنفاق الحكومي الذي تقوم به الدولة في الاقتصاد الوطني لا يعود إلى إيرادات الموازنة العامة من جديد بالحجم المماثل له في حالة الدول المتقدمة أو الدول غير الخليجية نتيجة لغياب السياسة الضريبية، إضافة إلى وجود تسرب كبير من خلال تحويل جزء من هذه الأموال للخارج على شكل تحويلات أو استثمارات.
وأضاف «يمكن القول إن الدول الخليجية لا تمتلك السيطرة على صافي ميزانياتها العامة سواء كان فائضا أو عجزا، وبالتالي يصعب على هذه الدول إمكانية التخطيط المستقبلي الدقيق وذلك بسبب عدم اليقين تجاه أسعار النفط، وأن الوضع يصبح أكثر حرجا عندما يرتبط الأمر بمعالجة الوضع العام للمديونية وطرق الحد منها».
ومن جهة ثانية، قال الاقتصادي عضو جمعية الاقتصاد السعودية إحسان بوحليقة إن الإنفاق التنموي لحكومة المملكة العربية السعودية هو الأكثر تأثيرا في توجيه الاقتصاد المحلي، وإن الحكومة لعبت دورا متجدد الأهمية خلال العقد المنصرم، بدأ بالحرص على سداد الدين العام، ثم تخصيص حصة أعلى من الإنفاق العام للاستثمار في تحسين مستوى الخدمات واستكمال وتوسيع وتحديث البنية التحتية.
كما ذكر في كلمة قدمت إلى المؤتمر الاقتصادي الثاني لجمعية الاقتصاديين والذي عقد في فندق كراون بلازا برعاية نائب رئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة أن البطالة في السعودية لاتزال مرتفعة.
وذكر بوحليقة أن الإنفاق الاستثماري السعودي أخذ يستقر بعد تصاعده لعدة سنوات، إذ تم رصد 256 مليار ريال للعام الجاري بعد أن وصل إلى 260 ملياراً في العام المالي الماضي. وكان الإنفاق الاستثماري قد وصل إلى 225 مليار ريال في 2009، مرتفعا 165 مليار ريالاً في العام السابق له وهو 2008.
وأضاف «ساهم ذلك في رفع نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى 28,1 في المئة خلال سنوات الخطة الثامنة التي بدأت في 2004 وانتهت في 2009، مقارنة بنسبة 2,1 في المئة في العام الأول من الخطة. أما في العام 2009، فقد قفزت نسبة الاستثمار الثابت 30,3 في المئة، وهذه النسبة تعتبر الأعلى بين دول العالم».
وتطرق بوحليقة إلى تأثير الأزمة المالية العالمية على اقتصادات الدول، فأوضح أنه لابد «من الإقرار أن تأثير الإرهاصات الاقتصادية كان حادا بالفعل خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة، حيث أخذت الكثير من الدول وحكوماتها وأجهزتها الرقابية والتنظيمية ومنشآت الأعمال بعيدا عن أي تصور، لنجد دولا تبحث عن ذواتها الاقتصادية من جديد».
وأوضح أن «بلدنا (السعودية)، بالتأكيد، لا يمكن أن يكون خارج المنظومة الدولية، وليس بوسعه أن يفلت تماما مما حاق بالعالم جراء الأزمة العالمية. ومع ذلك لابد من الإقرار أن تأثر الاقتصاد السعودي كان محدودا بالفعل».
وأضاف أن الاقتصاد السعودي «استطاع أن ينمو نموا هامشيا في العام 2009، ولكنه لم ينكمش كما كان مصير العديد من الاقتصادات، وتمكن من النمو خلال 2010 بنحو 3,8 في المئة بالأسعار الثابتة، رغم أن هذا النمو أقل مما تستهدفه الخطة الخمسية التاسعة».
وتطرق إلى البطالة في السعودية، وهل أكبر دولة مصدرة ومنتجة للنفط في العالم، فبين أنها لاتزال مرتفعة، وأن مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات السعودية قدرت معدل البطالة بين السعوديين عند 10,5 في المئة في العام 2009.
لكنه أوضح أنه لابد «من الإقرار أن الحكومة خطت خطوات جوهرية لتنمية الموارد البشرية، بما في ذلك مبادرتها لتطوير التعليم وإنشاء المزيد من الجامعات في المملكة ما ضاعف عددها 3 مرات خلال 3 سنوات، وابتعاث عشرات الآلاف من المواطنين والمواطنات لإكمال دراستهم الجامعية والعليا في الخارج».
غير أن بوحليقة أشار إلى أن التوظيف هو التحدي العنيد، «إذ مازال نزيف إهدار الفرص الجديدة التي يولدها الاقتصاد السعودي مستمرا نتيجة لعدم السيطرة على آليات العرض التي ألفت، على ما يبدو، استقدام العمالة، حيث بلغت التأشيرات الجديدة التي منحت في العام 2009 نحو مليون تأشيرة».
وأضاف «وتيرة الاستقدام هذه تمثل تحديا لما تستهدفه الخطة الخمسية التاسعة (2010- 2014) من توفير 1,2 مليون فرصة عمل، أي بمتوسط سنوي قدره 244 ألف وظيفة سنويا، يشغل 224 ألف منها مواطنين ونحو 20 ألفا فقط بوافدين. كما تستهدف الخطة الخمسية التاسعة خفض معدل البطالة إلى 5,5 في المئة في نهاية العام 2014.
وأوضح بوحليقة أنه حسب البيانات الرسمية المتاحة للعام 2009، فإن العمالة الوافدة تمثل 52,9 في المئة من إجمالي القوى العاملة وعددها نحو 8,15 ملايين، بالمقارنة مع 5,7 ملايين في العام 2008، والتي كانت العمالة الوافدة فيها تشكل 52,7 في المئة.
وأضاف أن الأرقام تظهر أن العمالة الوافدة ارتفعت إلى 4,3 ملايين عامل من 3 ملايين بين الأعوام 2000 و2009، وأن جهود إحلال العمالة السعودية محل الوافدة لم تسفر عن النتائج المستهدفة.
ولاحظ الاقتصادي السعودي أن استراتيجية التوظيف السعودية لا تسعى فقط لتوفير فرص العمل اللازمة لمواكبة النمو السكاني السريع، بل كذلك إحلال السعوديين محل العمالة الوافدة. كما أن الاستراتيجية تسعى لجعل الموارد البشرية السعودية عنصرا أساسيا في إكساب الاقتصاد السعودي ميزة تنافسية.
لكنه بين أن المعضلة تتمثل في تصاعد أعداد العمالة الوافدة بوتيرة متوسطة تبلغ 130 ألف وظيفة جديدة سنويا، وأن كلفة العمالة الوافدة في تزايد، إذ وصلت تحويلاتها للخارج إلى 25 مليار دولار، بالإضافة إلى أن البطالة المحلية في تصاعد، إذ تقدر رسميا بنحو 10,5 في المئة.
وتحدث بوحليقة عن دور الحكومة فأشار إلى أن ما يحدثه الاقتصاد السعودي من حراك على جبهات متعددة يستحق الإشادة، فهو يقوم على جهود أتت بإنجازات. ومع ذلك، يمكن الجزم أن أمام الاقتصاد السعودي تحديات مستمرة تتمحور في الأساس على تحقيق نتائج إيجابية ملموسة خلال الخطة الخمسية التاسعة.
وأضاف أن التحديات تتمثل في رفع إنتاجية العامل ورأس المال، واستيعاب المزيد من العمالة الوطنية لكبح البطالة، وزيادة القيمة المضافة للأنشطة الاقتصادية غير النفطية، بالإضافة إلى بناء الروابط بين الأنشطة الاقتصادية لزيادة القيمة المضافة.
العدد 3051 - الأربعاء 12 يناير 2011م الموافق 07 صفر 1432هـ