العدد 3054 - السبت 15 يناير 2011م الموافق 10 صفر 1432هـ

ماذا قالت وثائق «ويكيليكس» عن الفساد المتفشي في تونس؟

فيما تتواصل الاحتجاجات والاضرابات المندلعة في تونس هذه الأيام, يتواصل كذلك سيل الوثائق الأميركية السرية, التي قام موقع «ويكيليكس» بنشرها للعالم, كاشفاً بذلك كماً هائلاً من المعلومات السرية التي تجمعها السفارات الأميركية عن البلدان التي تتواجد بها حول العالم.

وكان الموقع قد نشر وثيقة مرسلة من السفارة الأميركية في تونس, حيث تضمنت تلك الوثيقة معلومات هائلة عن الفساد المستشري في تونس بشكل وبائي, واصفة عائلة الرئيس التونسي بأنها «معقل الفساد» وأنها تشبه المافيا, وأن النظام التونسي فاسد «ولا يمكن إصلاحه».

استناداً إلى التقرير السنوي لمنظّمة الشفافية العالمية وملاحظات مصادر السفارة، فإن الفساد المالي في تونس في تفاقم. فسواء كان الأمر متعلقاً بالسيولة المالية أو الخدمات أو الأراضي أو الممتلكات، فإنّ عائلة الرئيس بن علي اشتهرت بطمعها فيها ولا بدّ أن تحصل عليها بكلّ الطرق. وإضافة لحكايات العائلة الحاكمة الغامضة، فإنّ التقرير عن التونسيين يشير إلى انخفاض في مستوى الفساد بسبب تداخل عمل الشرطة والديوانان وعدد من الوزارات.

ويبدو الوقع الاقتصاديّ لهذا الواقع واضحاً على المستثمرين التونسيين، الذين يخشون الذراع الطويلة «للعائلة»، فيفضّلون تجنّب الاستثمار في مشاريع جديدة، الأمر الذي يجعل من نسق الاستثمار الداخلي منخفضاً ونسبة البطالة عالية. هذه الأنباء المتواترة عن الفساد، متفاعلة مع التضخّم المتزايد ونسبة البطالة المتصاعدة، ساعدت على مزيد توتير العلاقة مع الحكومة التونسية، وأسهمت في الاحتجاجات الأخيرة بالجنوب الغربي التونسي.

نهاية الأفق

استنادا لمؤشّر منظّمة الشفافية العالمية لسنة 2007، فإنّ توقّعات الفساد في تونس تزداد سوءاً. فقد تراجع ترتيب تونس من 43 سنة 2005 إلى 61 سنة2007 (متخلفة عن 179 دولة) بحصيلة نقاط 4.2.

كلّ شيء داخل العائلة

كثيراً ما تذكر العائلة الموسّعة للرئيس بن علي على أنها معقل الفساد. وبما أنّها كثيراً ما تشبّه بالمافيا، فإن مجرّد إشارة غامزة إلى «العائلة» تدلّ على أيّ عائلة تقصد. وعلى ما يبدو، فإنّ نصف رجال الأعمال التونسيّين يستطيعون الارتباط ببن علي عبر المصاهرة، كما أن الكثير من هذه العلاقات استفاد أصحابها من هذا الارتباط.

وتثير زوجة بن علي – ليلى – وعائلتها الواسعة – آل الطرابلسي – نقمة شديدة لدى التونسيين. وكثيراً ما تردّد تلميحات حول فساد آل الطرابلسي وتحكى نكات عن قلّة تربيتهم ومستواهم الاجتماعي المتدنّي وطمعهم الشديد.

ورغم أن البعض من هذه الشائعات يرجع إلى احتقار مظاهر الإثراء السريع لدى جماعة الطرابلسي، فإن التونسيين يؤكّدون أن آل الطرابلسي يستعملون سياسة ليّ الذّراع واستغلال النفوذ بتوظيف النّظام لتحقيق مآربهم، وهو ما يكرّس كره الناس لهم.

ويعتبر شقق ليلى بلحسن الطرابلسي الأكثر سلطة بين أفراد العائلة ومعروف عنه أنه متورّط بشكل كبير في المخطّطات الفاسدة التي هزّت مجلس إدارة البنك التونسي في خصوص الاستيلاء على الممتلكات وابتزاز العمولات.

لقد ترك الرئيس الأمور تمضي، مع تأكيد العديد من التونسيّين أنه يقع استغلاله من طرف عصبة الطرابلسي، وأنه لا علم له بتجاوزاتهم وبممارساتهم. وقال أحد المدافعين الأوفياء عن الحكومة «بأن المشكلة ليست بن علي، وإنما «العائلة» التي تتجاوز الحدود وتكسر القواعد. ومع ذلك فمن العسير الاعتقاد بأن بن علي ليس على علم – على الأقلّ – بشكل عامّ بمشكلة الفساد المستشري».

وهذا ما ينعكس أيضاً في التقسيم الجغرافي للإقطاعيّات بين آل بن علي وآل الطرابلسي، حيث نركّز عصبة بن علي على منطقة الوسط الساحلي بينما تتمركز عمليّات عصبة الطرابلسي حول تونس الكبرى وبالتّالي تحوز على النصيب الأكثر من الشائعات.

كما أنّ فرع بن علي من العائلة وأبناءه وأصهاره من الزواج الأوّل متورّطون بدورهم في العديد من القضايا. فبن علي لديه 7 أشقّاء وشقيقات من بينهم المرحوم المنصف – تاجر المخدّرات المعروف – الذي حوكم بالسجن 10 سنوات غيابيّاً أمام القضاء الفرنسي. ولديه أيضاً 3 بنات من زوجته الأولى نعيمة الكافي: غونة ودرصاف وسيرين متزوّجات حسب الترتيب من سليم زرّوق وسليم شيبوب ومروان المبروك، وكلّهم من رجال الأعمال الهامّين والمؤثّرين.

هذه الأرض أرضك، هذه الأرض أرضي

مع ازدهار الاستثمار العقاري وارتفاع أسعار الأراضي، يغدو امتلاك الملكيّات العقارية أو الأراضي في المكان المناسب إمّا نعيما أو تذكرة ذهاب بدون عودة نحو فقدان الملكية. ففي صيف 2007 تلقّت ليلى بن علي رقع امتلاك لأراض مرغوبة في قرطاج من قبل الحكومة التونسية وبدون مقابل، من أجل الاستثمار في بناء المدرسة الخاصّة الدولية قرطاج وبالإضافة إلى الأرض، تلقّت المدرسة 1.8 مليون دينار (1.5 مليون دولار أميركي) هديّة من الحكومة التونسية، وفي ظرف بضعة أسابيع أنشأت الحكومة طرقاً وإشارات ضوئيّة بالمفترقات لتسهيل الوصول إلى المدرسة. ولقد أبلغنا أن السيدة بن علي باعت المدرسة الدولية بقرطاج لمستثمرين بلجيكيّين، لكنّ السفارة البلجيكيّة تعذّر عليها إلى الآن نفي أو تأكيد الخبر.

أرني أموالك

في الوقت الذي تمثّل فيه حكايات الفساد في أعلى مستوى أكثرها جلاءً متكرّرة أكثر من مرة، فإن التونسيّين يقولون أنهم يتعرّضون لمستوى أقلّ من الفساد في حياتهم اليوميّة وأكثر تكراراً، فخطايا تجاوز السرعة يمكن أن يقع تجاهلها، والحصول على جواز سفر يمكن تسريعه والعادات يمكن تجاوزها - كلّ شيء له ثمنه.

إن المحاباة تلعب دوراً مهمّاً حتّى في منح التدريس وفرص التشغيل. فمعرفة الأشخاص المناسبين في وزارة التعليم العالي قد يكفل لك القبول في أحسن الكليات أو الحصول على منحة للدراسة بالخارج.

أمّا الوظائف الحكومية – وهي مجزية في تونس – فيعتقد أنها تمنح حسب العلاقات. وقد أفادت التقارير أن والدة ليلى بن علي – الحاجّة نانا – عرفت بوساطتها في مجال إدراج الأبناء في المدارس العليا وكذلك التشغيل في الحكومة، عارضة خدماتها لتسهيل ذلك مقابل عمولة.

وتمكّنت الحكومة التونسية بفضل الرقابة الشديدة التي تمارسها على الصحافة من كتمان حكايات الفساد في العائلة وعدم نشرها. ويمثّل فساد العائلة خطّاً أحمر خطراً بالنسبة للصحافة. ورغم أنّ سجن الممثل الكوميدي الهادي ولد باب الله في فيفري ارتبط مباشرة بالمخدّرات، إلا أن مجموعات حقوق الإنسان تشير إلى أنّ هذا الإيقاف جاء عقاباً على عرض بـ 30 دقيقة سخر فيه الممثل من الرئيس ومن أصهاره

العدد 3054 - السبت 15 يناير 2011م الموافق 10 صفر 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 12:39 ص

      الله يستـــــــر

      عادي ---- اتعودنا على الفساد والمفسدين ---- اقراو تقرير ديوان الرقابة --- والمخفي اعضم

اقرأ ايضاً