العدد 3064 - الثلثاء 25 يناير 2011م الموافق 21 صفر 1432هـ

كمال مرجان: التجمع الدستوري الديمقراطي صار من الماضي... وأفكّر بتأسيس حزب جديد

حوار مع وزير الخارجية التونسي بعد سقوط بن علي:

أبدى وزير الشئون الخارجية للجمهورية التونسية في حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، كمال مرجان أمس الثلثاء (25 يناير/ كانون الثاني) في حديث صحافي مع صحيفة «الصحافة» التونسية إعجابه الشديد بالثورة الشعبية «العفوية» التي لم تكن وراءها قيادة تسيرها، كما لم يخف تخوفه من أن ينتشر ما حصل في تونس ويتوسع إلى دول أخرى. كما تطرق الحديث إلى النظام السياسي الأنسب لتونس، و الرقابة الدولية الأجنبية للانتخابات ومسارات عمل لجنتي التحقيق في الانتهاكات والفساد.

بداية، كيف تقميون موقف الدول الشقيقة والصديقة مما يحدث في تونس؟

- هناك شعور مزدوج مما يحصل في بلادنا. فمن ناحية هناك نوع من الإعجاب الشديد بالثورة الشعبية العفوية التي لم تكن وراءها قيادة تسيرها، ومن ناحية أخرى هناك خوف من أن ينتشر ما حصل في تونس ويتوسع إلى دول أخرى.

ونلمس هذا في رد لفعل حيث عبرت دول عن استعدادها للمساعدة، في حين تحفظت دول أخرى تريد وقتاً لاستخلاص العبر. والمهم أن الغالبية يتابعون بإعجاب وأكثر الغربيين يشجعون في هذا الاتجاه وهي فرصة لتعيش تونس تجربة ديمقراطية حقيقية. وشخصياً، ما يهمني هو كيف نتخطى هذه المرحلة إلى مرحلة بناء المؤسسات وإنجاز الأهداف التي قامت من أجلها الثورة على أساس حد أدنى من الوفاق والتمشي المشترك، لهذا أقول لكل من يريد الخير لتونس ولهذه التجربة أن ينصرف للعمل.

ما هو تأثير الثورة على شراكات تونس وخياراتها الإقليمية والدولية؟:

- تبقى بلدان المغرب العربي شركاءنا الاستراتيجيين وسنعمل على توضيح الأمور مع ليبيا. أما الشراكة المتقدمة مع الاتحاد الأوروبي فستكون أسهل الآن بعد زوال الإشكالات والاحترازات المتصلة بحقوق الإنسان والتعددية السياسية ووضع القضاء. ولا أعتقد أن الأمر يقتضي مواصلة التفاوض بشأن وضع الشريك المتقدم الذي صار ممكناً الآن مقارنة حتى بدول مثل الأردن والمغرب.

ما هي الخطوات العملية التي قمتم بها لاسترجاع الأموال والممتلكات التي هربها الرئيس السابق وعائلته؟

- لقد كلفنا بصفة عاجلة جميع سفاراتنا وممثلياتنا في الخارج بالاتصال بالسلطات المعنية في دول الاعتماد للإسراع بأخذ الإجراءات التحفظية على أرصدة وممتلكات الرئيس السابق وعائلته.

وهناك أكثر من ذلك فقد أخذت العدالة مجراها وأبلغتنا وزارة العدل بعدد من الإنابات العدلية الصادرة عن عميد حكم التحقيق من محكمة تونس موجهة إلى عدد من الدول وقامت وزارة الخارجية وفق العرف والقانون والواجب بإبلاغ هذه المطالب لجميع الدول المعنية.

على غرار حكومة الوحدة الوطنية، هل هناك مراجعة لأعضاء السلك الدبلوماسي في اتجاه الانفتاح على القوى المشاركة في الحكم؟

هناك أمور عاجلة وأخرى تتطلب بعض الوقت، فلا يمكن أن ينجز كل شيء بين عشية وضحاها. وفيما يخص تمثيلنا في الخارج هناك أماكن شاغرة وهناك أماكن يشغلها من جاء للخارجية من الحزب الحاكم أو مؤسسات أخرى غير أبناء الخارجية، فيهم من سيقع إعادتهم إلى تونس وهناك من أحلناه جانباً وكلفنا نائبه.

من جهة أخرى هناك لجنة شكلت لدراسة هذا الموضوع بطريقة منهجية وستقدم مقترحاتها خلال أسبوع إلى رئيس الجمهورية المؤقت والوزير الأول للنظر في تعيين سفراء جدد بطريقة هادئة. فقبل الآن كان هناك الحزب الحاكم. أما الآن فسيكون لنا دبلوماسيون بألوان سياسية أخرى وسيكون واجب كل دبلوماسي أن يحترم الموقف الرسمي وهذا لا يمنعه من أن تكون له قناعة شخصية. إذاً هي طريقة جديدة من التعامل يجب أن يتعود عليها الدبلوماسيون أساسها الحياد والنزاهة لدى الجميع بما في ذلك ممثلو الأحزاب وهي فرصة لكوادر الوزارة لتتحمل المسئوليات، هذا إضافة بطبيعة الحال إلى الحركة السنوية للسلك الدبلوماسي التي تنطلق في شهر مارس/ آذار من كل عام.

في ضوء كل هذا ما هي أولويات الدبلوماسية التونسية اليوم؟

لقد كنا نهتم بصورة تونس في السابق. أما اليوم فقد أصبح العمل يسيراً. إننا لم نشهد مواكبة واهتماماً إعلامياً ببلادنا مثل ما حصل في الأيام القليلة الماضية.

الصورة إيجابية للغاية، لذلك هاجسنا اليوم الدبلوماسية الاقتصادية. تلك هي كلمة السر التي وجهتها لكوادر الوزارة. ليست لنا موارد كبيرة لذلك فالاقتصاد والسياحة والاستثمار هي أولويات العمل اليوم للاستجابة لطلبات الشعب.

هل مازلنا في حاجة إلى وكالة الاتصال الخارجي لتلميع الصورة؟

- لم نعد في حاجة إلى الوكالة. العمل الجاد هو بين وزارة الخارجية ووزارة التعاون الدولي.

خلافا لكلمة الوزير الأول وحتى لاسم الحكومة ومهامها باعتبارها حكومة مؤقتة لتأمين الانتقال الديمقراطي وإنجاز الانتخابات لسمنا في خطاب وزير التربية وخصوصاً وهو ناطق باسم الحكومة حديثاً عن الاستراتيجية والإصلاح التربوي وهي مهام طويلة المدى تجعلنا نتخوف من ديمومة «المؤقت» والتشبث «بالكرسي» كما يعلق الشارع التونسي، فما هو رأيكم؟

- أنا فخور بأني كنت أول من يتكلم في تونس عن حكومة الوحدة الوطنية يوم الجمعة 14 يناير 2011 صباحاً. وقد توصلنا إلى تحقيق هذا إلى حد ما. وأتمنى أن تكون هذه الحكومة حكومة وحدة وطنية بالكامل حتى ولو كان ذلك على حسابي الشخصي وزملاء آخرين. وأعتقد أن دورنا يجب أن يقتصر في هذه المرحلة على إعطاء الشعب فرصة لإنجاز ما أراد من هذه الثورة. فليس من حق أي شخص اليوم أن يشتأثر بالشرعية والشعبية... ففي البلدان الديمقراطية، الشرعية لا تكتسب إلا من خلال صناديق الاقتراع. وبالنسبة إليّ فإن دوري مساعدة بلدي تونس قدر الإمكان على إنجاز ما أعلنه وما طلبه شعبي.

وبخصوص السياسة الخارجية فهي واضحة ولن تتغير كثيراً على مستوى العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف وحتى على مستوى العلاقات الاستراتيجية بل طريقة العمل والعقلية هي التي ستتغير من بلد حزب واحد إلى بلد متعدد.

كما أنه يصعب الحديث عن تغيير الاستراتيجية في وقت قصير. وأرجو أن تكون هذه المرحلة أقصر ما يمكن.

متى كان حديثكم آخر مرة مع الرئيس المخلوع وماذا كان فحواه؟

- اتصلت به يوم الجمعة 14 يناير عبر الهاتف لتقديم أخبار وتحدثنا كالعادة ولم يكن لديّ شعور أنه سيغادر بهذا الشكل. المهم أن ما فعله كان ضرورياً للبلاد.

ما هو موقفكم اليوم من التجمع الدستوري الديمقراطي؟

- يعرف الجميع أنني أنتمي إلى عائلة دستورية عريقة... والدي علمني ذلك... ولعل أهم صورة علقت بذهني وظلت راسخة إلى اليوم من ذكريات الصبى صورة إيقاف والدي من قبل عناصر الجندرمة الفرنسية تحديداً العام 1952 وكان عمري حينها لا يتجاوز أربع سنوات... هذا يلخص ويفسر انتمائي ومسيرتي في الحزب.

أما اليوم فالتجمع الدستوري الديمقراطي أصبح من الماضي. وهدفي المتواضع التفكير الآن في المبادرة بتأسيس حزب جديد مفتوح للجميع لن يكون وريثا للتجمع الدستوري الديمقراطي. والعنصر التجمعي (الدستوري) سيكون موجوداً لكنه سيكون جزءاً لأنه هو الذي أتى بالاستقلال وبنى الدولة المستقلة وفيه زعماء تاريخيون لن يكون من هو منهم على قيد الحياة بعيداً عن هذه المبادرة.

ما هي علاقتكم بالمبادرات الأخرى التي طالعناها في الصحف؟

- المبادرات الأخرى لا تعنيني... هناك حدود أخلاقية أصر عليها ومتأكد منها... المسألة ليست أرقاماً وأصواتاً في الانتخابات ومبادرتي ستكون مبنية على الإيمان بالأفكار والإخلاص وهناك تجاوب كبير ودفع من العديد من الزملاء والأصدقاء.

هل يعني هذا قطعاً مع الاستمرارية؟

- سيكون حزباً جديداً يستند إلى حركة الإصلاح من الثعالبي إلى بورقيبة وكل زعماء الحركة الوطنية. والتفكير سيتواصل ليكون حزباً ليبرالياً اجتماعياً فيه صدى لـ 15 سنة من العمل الإنساني قضيتها في الأمم المتحدة.

ما هو المطلوب الآن للوصول بالثورة إلى بر الأمان؟

- الثورة الشعبية في تونس نجحت على مستوى إنجازها والمهمة الآن ملقاة على عاتق كل من يريدون الخير لتونس ليعطوا هذه الثورة التي لم يكن وراءها زعيم أو قائد، محتوى حتى لا تجهض وتنتكس... الحياة لابد أن تعود ولابد من إنقاذ الدولة. وإذا كان على الوزير الأول أن يتخلص من وزراء، أقول إذا كان هذا ينقذ الثورة فأنا مستعد للذهاب في أية لحظة... المهم بالنسبة إليّ العودة إلى العمل وتحمل المسئوليات والتوافق حول حكومة انتقالية مؤقتة تعكس وحدة وطنية حقيقية تقوم بالإعداد للانتخابات وإنقاذ الاقتصاد، لا يهم أن أكون فيها أو خارجها المهم أن لا تجهض الثورة ونسقط في الفراغ. يجب أن نكون واعين في هذه اللحظة بأن مستقبل تونس يبنى بجميع أبنائها مهما كانت قناعاتهم وانتماءاتهم السياسية، ونحن قادرون على فعل ذلك إذا تحمل كل مسئولياته لتجنيب البلاد الاندفاع نحو المجهول.

هل تنوون الترشح في الانتخابات الرئاسية؟

- الترشح للرئاسة سابق لأوانه. وأعتقد أنه بعد مرور شهرين أو ثلاثة ويتأكد نجاح المسار الديمقراطي حينها سيكون من السهل الحديث في الموضوع. وعندما أرى حينها أنه من الصالح الترشح فسأتحمل مسئوليتي.

ما هو النظام السياسي الأنسب لتونس في هذه المرحلة؟

- النظام الرئاسي بكل تأكيد شريطة أن لا نضع كل السلط بيد الرئيس. لابد أن يكون هناك توازن بين السلط وولايات رئاسة محددة وحكومة ائتلافية... لن يكون ثمة حزب قادر على الحكم بمفرده بل يجب أن يكون هناك تكامل وتعاون لمصلحة تونس.

ماذا بخصوص الرقابة الدولية الأجنبية للانتخابات ومسارات عمل لجنتي التحقيق في الانتهاكات والفساد؟

- لقد اتصلت بمكتب الأمين العام للأمم المتحدة وكما تعلمون هناك مركز الأمم المتحدة للانتخابات وأبلغتهم بأننا سنعلمهم بحاجياتنا لمساعدتنا بخبراتهم في إجراء الانتخابات الحرة والنزيهة وكذلك دعم عمل اللجنتين استعداداً كبيراً لذلك.

كيف تقيمون بدايات عمل الحكومة المؤقتة؟

- لا أغالي حين أقول أن هناك «جواً بديعاً» فهناك نقاش مفتوح وآراء مختلفة تصل بنا إلى شبه وفاق استثنائي بشأن كل الموضوعات التي تطرح. وحتى كتاب الدولة أخذوا الكلمة على خلاف العادة وهذه الأجواء يجب أن تتواصل.

ماهو موقفكم من الإسلاميين؟

- هم تونسيون، وكلنا مسلمون... لا حزب إسلامي يمتلك الحقيقة فهي عند الله... لذلك إذا احترموا نفس القواعد والشروط التي يتوافق عليها الجميع فلا إقصاء ولا تهميش في مجتمع ديمقراطي وفي نطاق دستوري جمهوري يتفق حوله الجميع من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

أما من ينظرون إلى التجربة التركية فإننا ننبه إلى خصوصيات هذه التجربة التي قد تنجح في تونس لكن ليس لأي تفكير يحترم القواعد العامة.

العدد 3064 - الثلثاء 25 يناير 2011م الموافق 21 صفر 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً