تناولت الصحف العربية واللبنانية خصوصاً تصريحات النائب السابق للرئيس السوري عبدالحليم خدام، وأجمعت على أن شهادته الباريسية، ستشكل خدمة كبيرة للجنة التحقيق الدولية في اغتيال رفيق الحريري. لكن أحدهم اعتبر أن إطلالة خدام الباريسية هي رد مباشر على الهجوم السوري المضاد على الجبهة اللبنانية تنقل المواجهة إلى الداخل السوري. لكن هناك من لاحظ أن خدام تسبب في إصابة بعض اللبنانيين بتورم في الأنا الوطنية وبتضخم في الذات المتفوقة على الشقيق.
وأكدت تعليقات أن خدام يعرف أن الولايات المتحدة تبحث عن علاوي سوري، وعليه يرجح أن يعود قريباً إلى سورية على ظهر دبابة أميركية. فهل ثمة من نصر استراتيجي أكبر لمشروع غزو العراق، وبناء شرق أوسط جديد؟
وأكد طلال سلمان في «السفير» أن شهادة خدام «لبنانية» بامتياز، وإن كانت تصيب النظام السوري في الصميم. واعتبر أن المناخ السائد في المنطقة وفي العلاقات اللبنانية السورية خصوصاً بعد «اعترافات خدام»، لا يتيح المجال لكثير من الأمل. فهذه الاعترافات بداية لمرحلة أشد صعوبة وضيقاً، لكن واجب التفاؤل يقضي القول إن هذه العلاقات تظل أعظم صلابة من أن تذهب بها أخطاء بعض الرجال وخطاياهم. وأكد ساطع نور الدين في «السفير» أن قرار خدام الظهور معارضاً من باريس بالذات وعلى شاشة تلفزيون سعودية بالتحديد، لم يكن عبثا أو صدفة كما لم يكن إسهاما متأخرا في كشف حقيقة اغتيال صديقه الحريري.
فثمة ما يوحي بأن تحولا جوهريا طرأ على المواجهة كاد يوحي بأن الجانب السوري يوشك على العودة إلى مواقع انتشاره ونفوذه السابق في لبنان. وإطلالة خدام رد مباشر على الهجوم السوري المضاد على الجبهة اللبنانية، لكنه ينقل المواجهة إلى الداخل السوري. وختم معتبراً انه إذا لم ينجح حديث خدام في حفظ توازن القوى فإن المعادلة تصبح على النحو الآتي: اللعب في الداخل اللبناني سيؤدي إلى اللعب في الداخل السوري.
وفي مقال تحت عنوان «خدام»، أكد جوزيف سماحة في «السفير» أن مقابلة خدام تختصر المآل الذي وصلت إليه سورية ووصل إليه لبنان ووصلت إليه العلاقات بين البلدين. فخدام انتقل من كونه مندوب نخبة سورية إلى لبنان إلى أن يحتل الموقع الموجود في المخيلة فقط، والذي يعتقد أن الأمور ستنتهي بـ «مبادرة لبنانية» في سورية، وربما بـ «قوات ردع لبنانية في دمشق»، وتعيين رؤساء. فقد تسبب خدام في إصابة بعض اللبنانيين بتورم في الأنا الوطنية، وباللعب على وتر شديد الحساسية في العلاقات اللبنانية السورية، هو ذلك الخاص بالشيزوفرينيا اللبنانية حيال «السوري». أنها شيزوفرينيا التشاوف والخسة، لكن اللبنانيين ليسوا جميعا مصابين بهذا العارض فهناك بينهم من أقام علاقة صحية مع سورية، لكنه فعل ذلك كله مدركا انه يسلك في بيئة واحدة، وان لا فضل للبعث على عروبته أو مناهضته للعدو الخارجي أو الإسرائيلي.
وأقرت سحر بعاصيري في «النهار» أن هذا الانشقاق يثير أسئلة عن توقيته وأهدافه، لكن هذا لا يخفف كونه ضربة كبيرة للنظام. وما ستفعله القيادة السورية مع التحقيق لن يحدد النتائج القريبة المدى للانشقاق فحسب، بل سيحدد اتجاه تداعياته ونتائجه في المدى الأبعد.
واستبعد عبد الباري عطوان في «القدس العربي» الفلسطينية أن تكون ثورة خدام مبعثها غيرته الصرفة على صديقه الحريري، فأكثر من ألف سوري ذبحهم النظام في حماة وتدمر وفوق هؤلاء آلاف الفلسطينيين واللبنانيين ولم يحتج، بل كان يتباهى بكونه مهندس هذه الحروب والمجازر. واعتبر أن خدام قرر أن يطرح نفسه كبديل، بعد أن تأكد أن الولايات المتحدة تبحث عن علاوي سوري، مرجحا أن يعود خدام (أبو جمال) قريبا إلى سورية على ظهر دبابة أميركية، تماما مثل الذين عادوا إلى بغداد.
وقرأ بشير نافع في «الجزيرة نت» خطوة خدام في سياق السياسة الأميركية في الشرق الأوسط فقد قرر الرجل السني وضع نفسه في موقع يؤهله لحكم سورية. فأميركا تريد مواجهة الآثار السلبية لمشروعها في العراق، إذ لابد من إرضاء السنة وتعزيز قدرات المنطقة على مواجهة الخطر الإيراني. وقد وفر التورط السوري في لبنان فرصة نادرة لضرب عدة عصافير بحجر واحد: إطاحة النظام وإعادة سورية إلى أحضان السنة، ما سيضعها في موضع عداء دائم للحكم الشيعي في العراق ويساعد في حصار النفوذ الإيراني، سينهي علاقة التحالف بينها وحزب الله ويحجم نفوذ الأخير في شكل لا رجعة فيه، سيفتح الباب لانحياز أكرادها باتجاه الحكم الكردي شمال العراق. وفوق ذلك، سيكون عامل ترضية كبير للسنة العرب في المشرق، وإنهاء المقاومة العراقية. إذا دولة شيعية في بغداد وأخرى سنية في دمشق، تحافظ كل منهما، على علاقة وثيقة بأميركا. هل ثمة من نصر استراتيجي أكبر لمشروع غزو العراق، وبناء شرق أوسط جديد؟
العدد 1220 - السبت 07 يناير 2006م الموافق 07 ذي الحجة 1426هـ