إن هذا الإصرار الإلهي على نبذ النفاق والحكم على من يمارسه بالعذاب الشديد له أسبابه الموضوعية إذ إن النفاق غدة سرطانية تنخر في المجتمع، واعتقد اعتقادا راسخا انه إلى جانب مساوئه الاجتماعية الكثيرة فهو يشكل سببا رئيسيا من أسباب التخلف في الدول الإسلامية وندرته في الدول الغربية أحد أسباب تقدمها وازدهارها.
وهناك سببان رئيسيان للنفاق، الأول حب الوصول إلى غاية معينة عن طريق التملق والرياء لأشخاص في يدهم القرار في مجتمع ينظر إلى معايير مجتمعية معينة تقاس على أساسها تقلد المناصب والارتقاء فيها ولا ينظر كثيرا إلى الكفاءة والإنجاز.
والثاني الخوف من قول الحقيقة في مجتمع لا يحب أن يسمع الحقيقة بل يحب دائما أن يسمع الإطراء والمدح بمناسبة أو غير مناسبة... وهنا بيت القصيد. فالإنسان في المجتمع الغربي تعلم ألا يخاف لا من رئيسه في العمل ولا من يعود إليه القرار في بلاده، لأن هناك مؤسسات كثيرة تضمن له العدالة إذا تعرض لتصرف تعسفي من رئيسه أو تصرف قمعي ممن بيدهم القرار وبالتالي يبدي رأيه بكل ثقة واطمئنان ونحن نراهم في الحوارات التلفزيونية يتكلمون بكل جرأة ويصرحون بكل ما يختلج في صدورهم من آراء وأفكار وهواجس في مختلف الموضوعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية على عكس الشخص عندنا إذ تراه في الحوارات التلفزيونية يتلعثم وهو يبذل الجهد الكبير في أخذ الحيطة بأن لا تصدر منه كلمة قد تخالف فكرا اجتماعيا أو سياسيا أو دينيا، بينما نرى الأمر بالعكس في العالم الغربى، فإن من هم في يدهم القرار في قلق دائم من نقد الناس لهم لأنهم بحسب أنظمتهم الديمقراطية مسئولون أمام ناخبيهم ويعلمون أنهم إذا لم يحسنوا الإدارة فإنهم سيبعدون عن مناصبهم عن طريق صناديق الاقتراع التي هي سلاح عموم الناس في إقصاء من يشعرون أن أداءه ليس بالمستوى المطلوب.
من هذا يمكن الاستنتاج أنه إذا أردنا أن نعدد أسباب تخلفنا فإن النفاق يأتي على رأس القائمة وبالتالي يجب أن تتوحد الجهود المجتمعية بكل أطيافها للحث على اجتثاث مسببات هذه الخصلة السيئة من مجتمعاتنا. وعلى الدعاة إلى الإسلام تبيان التعاليم العالية النبيلة لهذا الدين والتركيز عليها وإعطائها الأهمية نفسها التي تعطى للعبادات وتبيان الحقيقة للناس بنوعيها. فالمنافق يجب أن يعلم أن عباداته تذهب سدى ولا فكاك له من النار إذا نافق، والمنافق له يجب ألا يشجع الناس على التملق إليه وابتغاء مرضاته بالنفاق فهو مشارك في النفاق وبالتالي مآله مآل المنافق. والله من وراء القصد.
عبدالعزيز علي حسين
هذا حال جميع من فَقَد راعيه رسول الله محمد الشفوق الحنون الذي كان مأوى لأصحابه يُعالجهم في أنفسهم ويداويهم حتى قبل أن ينطقوا ويشكوا.
كان رسولاً مطلِعاً على خفايا وجراحات أهله وأصحابِه، ما أسرع إجابته (ص) الله لمداواة جرح أخيه وصاحِبه وسد حاجته، وما أسرع العطِية من لدنه قبل نطق صاحب الحاجة العفيف في نفسه.
هو ذا محمد المختار المطلع بأمر الله وهو قاضي الحاجات لم ينتظر من يشكو له أو يهم إليه ونحوه أحد بل كان المسارع إلى تلك النفوس مرطب أجوائها مسرعاً إلى مرضاة الله كما تسرع به أيامه نحو قبره (ص)، هو ذا رسول الله العالم بما ينتظره المطلع على ما هو كائن وصائر إليه أسرع إلى الإحسان إسراع خطاه نحو الموت.
ما ولي محمد المختار رقاب الناس وما ولاه الله ذلك إلا إشفاقَاً ورحمة عليهم، فكان هو الملاذ الحق، خارج بأنفسهم من مزالق الدنيا والآخرة إلى نعيمهما.
فبقدر ما أعطى الله نبيه من علم واطلاع على مخفيات الناس ومستور حالهم بقدر ما أحاط الله النبي الصادق من علم بالآخرة وخوف من عذابها، وهو القدر نفسه من الرحمة والشفقة في قلب نبيه عليهم ليتعادل الإحسان والمعروف عنده وليتماشى سلوكه الطاهر مع عدالة الله في السماء مع مخلوقاته. هو ذا القدر الكافي مِن الحصانة في الآخرة... خوف من الله بعد العلم والاطلاع يقابله بر وإحسان مع خلق الله وعباده.
بهذا جاء محمد المختار حتى استحق أن يكون رسول الرحمة والشفقة، أَبِرٌ أراد محمد من الناس؟! وهو عنوان البر كله، جمعه الله في قلبه، شكا لربه همّه وهام في بحر لجه، ما تعادى مع أحد كان ولا لَجأ إلا إليه لأنه يعرف أنه الملجأ الأوحد والأخير ولا إله سواه... هي أيام يقضيها محمد المصطفى مع ربه في دنياه وقد انجلى عنها ليواجه ربّاً كريماً ما أشفقه وأحلمه على العباد، هو ربي وربنا أجمعين وإليه العود والمرجع والمشتكى كله. صلى الله عليك وآلك يا محمد وحشرنا الله معك في زمرتك والسلام.
(الاسم والعنوان لدى المحرر)
حقيقة مؤكدة يؤمن بها كل علماء الفلك بمن فيهم الملاحدة في شتى بقاع الأرض على اختلاف أديانهم ومشاربهم، بأنهم لم ولن يحيطوا بأسباب العلم والمعرفة بهذا الكون الفسيح المذهل إلا القليل القليل؛ والسبب في ذلك هو عجزهم أمام غرائب هذا الكون العجيب الهائل الذي لآ يتأتى لعقل إنسان أن يستوعبه بسبب الصعوبات البالغة في تفسير ظواهره الخارقة، على رغم كل وسائل التكنولوجيا المتقدمة والمتوافرة التي تزخر بها حياتنا الآن.
كان العلماء ولاسيما الملحدون، يصدون ويتناسون الحقيقة الظاهرة أمامهم، بأن الكون في حركة مستمرة ومنتظمة غاية الانتظام، واستمروا في الدفاع عن النظرية القائلة بأزلية الكون، وكانت نظرية (الكون المستقر) هي النظرية المقبولة لديهم والتي تقول إن الكون ساكن وهو لانهائي في الزمان والمكان.
ولكن علم الفيزياء والرياضيات الحديثة أدحض تلك النظرية وأسهم في معرفة الكثير من خصائص الأجرام السماوية والنجوم وأثبت أن الكون غير مستقر وإنما في توسع مستديم، فأذعن لهذه الحقيقة العلماء ومنهم الملاحدة. إذ اكتشف العلماء في العشرينات من هذا القرن أن بعض الأجسام تبتعد بسرعة هائلة قدرها كيلومتر في الثانية الواحدة، وكان هذا الاكتشاف المدهش مفاجأة كبيرة للعلماء المحققين، ولم تكن تلك الأجسام إلا مجرات هائلة تسبح في هذا الفضاء الفسيح بقدرة الله العزيز الحكيم.
وقد تبين أن المجرات لا تبتعد عنا فحسب، وإنما أيضا تتباعد فيما بينها كذلك. وهذا يعني أن الكون يتوسع على الدوام، سبحان الله مالك الملك، وهذا مصداق لقول الله سبحانه وتعالى «وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بأيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون» (الذاريات ). تلكم الحقيقة العلمية المدهشة التي جاءت على لسان سيد خلق الله، الرسول الأكرم سيدنا محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام قبل أكثر من سنة وقبل أن يكتشفها العلم الحديث، ولكن وللأسف نحن المسلمين لا نعرف لهذا الرسول العظيم ولا لأهل بيته قدرا.
أذعن العلماء بأن هذا الكون الفسيح الغامض لا نهاية له، ولا يمكن لعقل إنسان أن يستوعبه، فنحن البشر، المتكالبين على هذه الدنيا الفانية، والمتهالكين على ظلم بعضنا بعضا، نعيش بقدرة الله الواحد الأحد وبمنِّه علينا سبحانه، فوق هذا (الكويكب) المسمى بكوكب الأرض الذي لآ يمثل سوى حبيبة رمل واحدة أمام هذا الكون الهائل، إذ يؤكد العلماء وجود أكثر من آلاف مليار مجرة في الكون، وما مجرتنا التي نعيش فيها سوى مجرة واحدة فقط هي مجرة التبانة، التي يوجد فيها لوحدها أكثر من ألف مليون نجم، وما شمسنا هذه إلا نجم من هذه النجوم، فتبارك الله أحسن الخالقين، علماً بأن هذا الكون بأسره على عجائبه وغرائبه لا يساوي عند الله جناح بعوضة. و صدق الله العزيز الحكيم القائل: «سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ». (فصلت ).
إذاً أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم وقد علمت أن الأرض التي تعيش عليها، ما هي إلا حبيبة رمل في هذا الكون، والكون بأسره بل الدنيا وما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، إذاً ما حقيقة الإنسان وما يمثل في هذا الكون الهائل، حتى يتجاسر ويضع نفسه في قبل الله تعالى مشرعا في خلق الله بغير ما أنزل الله، فذلك أمر لا يجوز حتى لسيد رسل الله، فكيف يجوز لمخلوق ضعيف ملاكه الجهل والعجز؟! فليراجع كل منا ذاته، وليتخذ له واعظا من نفسه وليتقي ربه قبل فوات الأوان فيندم حين لا ينفع الندم. ولذلك جاء في الأثر عن رسول الله الأكرم (ص)، أنه قال «رحم الله امرأً عرف قدر نفسه» وليس لإنسان أن يعرف نفسه من لم يجعل رضا الله سبحانه وتعالى هدفه الأسمى وغايته الكبرى وإنما جعل هدفه هواه، ورضا الناس غايته، وتناسى بأن النفس أمارة بالسوء ورضا الناس غاية لا ولن تدرك أبدا.
إن الله جلت عظمته قد حكم على عباده بعبادته بقوله «و مَا خَلقْتُ الجنَّ وَالإنسَ إلاّ ليعْبُدون» الذاريات () والعبادة ليست الصلاة والصيام وما إلى ذلك وحسب، وإنما العبادة هي الطاعة والتسليم له سبحانه عند أمره ونهيه وعدم مخالفته. وإن كان الإنسان خليفة الله في أرضه فإنه تعالى شأنه قد شرطها بوجوب إتباعه ليس إلا، ولذلك خاطب الله سبحانه نبيه داود عليه السلام، وما أدراك ما داود، آمرا إياه بقوله يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ». (ص ) فأمر الله تعالى نبيه بالحكم بين الناس بالحق ولا يتأتى ذلك إلا بلزوم أوامر الله ونواهيه، وما عدا ذلك فإنه ضلال عن السبيل، والضلال مآله إلى العذاب الشديد بصريح القرآن العظيم، فذلك وعيد لنبي من أنبياء الله العظام فكيف الحال إذاً بنا أو بقضاةٍ لو حكموا جدلا بغير ما أنزل الله.
فنحن ولا شك في غفلة، فيا أيها الغافلون غير
العدد 1223 - الثلثاء 10 يناير 2006م الموافق 10 ذي الحجة 1426هـ