«المرأة تصنع الإعلام»، شعار أطلقته منظمة اليونسكو منذ نحو 4 سنوات، ودعت فيه المؤسسات الإعلامية في مختلف دول العالم أن توكل مهمة إدارة التحرير أو إدارة المؤسسة الإعلامية ليوم واحد فقط إلى امرأة، وتاريخ هذا اليوم هو 8 مارس/ آذار، الذكرى السنوية ليوم المرأة العالمي، الذي يصادف يوم الأربعاء من هذا الأسبوع.
«جهينة» قررت أن تخصص عددها لهذا الأسبوع للحديث عن شعار «المرأة تصنع الإعلام» لتناقش هل المرأة تصنع الإعلام فعلاً، وكيف يمكنها ذلك، وهل وصلت المرأة وخصوصاً في المجتمعات العربية إلى مواقع صنع القرار في المؤسسات الإعلامية.
وللإجابة عن هذه الأسئلة التقت «جهينة» عدداً من الوجوه الإعلامية للحديث عن هذا المفهوم ومدى ملاءمته مع الواقع المحلي والعربي عموماً.
التقت «جهينة» أولاً مسئولة تحرير مجلة سيدتي السعودية هالة الناصر، التي ساقت آراء غير مألوفة بشأن وضع المرأة في الإعلام العربي وإمكان وصولها إلى مواقع صنع القرار.
وفي حديثها مع جهينة قالت الناصر أن المرأة لا تصنع الإعلام على الإطلاق، وخصوصاً المرأة العربية. فهي على الدوام تعلب دور المتلقي للمواد الإعلامية، وإن كانت هناك محاولات لصنع الأخبار، فهي «مقموعة» ومحددة. وترى الناصر أن المرأة لا تملك الحق في الانطلاق لصناعة الإعلام، فهي على الدوام «الجندي المجهول» الذي يقبع «خلف الكواليس»، سواء كان جندياً إيجابياً أو سلبياً تجاه صنع الأخبار.
وعادة ما تحسب المرأة ألف حساب قبل ظهورها الإعلامي، تحسباً لكيلا يقال شيء معين، وهو السبب التي تجده الناصر وراء تردد المرأة الملحوظ في مهنتها الإعلامية، إضافة إلى إحجامها عن تغطية الكثير من الأمور بتلقائية وعفوية ما يفقدها فرصاً كثيرة على الصعيد الإعلامي.
وترى الناصر أيضاً أن المراة بارعة في الأمور التي تحتاج إلى «دراسة وتعمق» أكثر من مجال التغطية الإعلامية التي تعج الحوادث. فهي تحاول على الدوام ألا تكون «في وجه المدفع» في جميع أمور حياتها.
والسبب الرئيسي برأيها وراء عدم تقلد المرأة لمناصب قيادية في الإعلام أو وصولها لمواقع صنع القرار، هو المرأة نفسها، وربما يعود ذلك برأيها إلى العادات والأعراف العربية التي تربت عليها».
وتؤكد الناصر أنه «لا توجد هناك أية نماذج تذكر على المستوى الإعلامي لنساء صانعات للخبر».
وعلى رغم وجود مراسلات عربيات في مواقع خطيرة من العالم، يفقدن حياتهن أحياناً بسبب مخاطر المهنة وصعوبتها، مثل مي شدياق وأطوار السامرائي التي تم اغتيالها في سامراء أخيراً، إلا أن الناصر ترى أن تعاطفنا مع هذه الشخصيات لنساء عربيات جاء بشكل أساسي لأنهن «نساء» وليس لكونهن «إعلاميات»، إذ تحمل المرأة على الدوام هويتها «النسائية» حتى في عملها الإعلامي.
وتعليقاً على المبدأ الذي يقول إن المرأة الإعلامية يمكن أن تعطي من أجل مهنتها، أو من أجل قضية آمنت بها، قالت الناصر إن «المرأة التي تعطي كل شي ء في حياتها من أجل قضية أو هدف أو مهنة هي المرأة الخاوية التي لا حياة خاصة لديها»، مستشهدة بالأم تيريزا التي أعطت حياتها للفقراء والمطحونين، وذلك لأنها لم تكن تملك أية حياة خاصة على الصعيد الشخصي.
وتعود الناصر لتؤكد في حديثا مع «جهينة» أن المرأة الإعلامية التي تصنع الإعلام غير موجودة على أرض الواقع، إذ إنها على الدوام مجرد أداة يستخدمها صانعو الإعلام ضمن أجندتهم الخاصة. واعتبرت الناصر المذيعة الأميركية الشهيرة «أوبرا» استثناءً «وحيداً» لهذه القاعدة التي وضعتها، إذ ترى الناصر أنها «قامة نسائية» حقيقية في عملها الإعلامي، وهي قادرة على صناعة الإعلام ولكن من خلال مساعدة «جيش» من المساعدين والفنيين، وهو الأمر الذي «يستحيل» في الإعلام العربي برأيها.
وأكدت الناصر أيضاً أن فكرة وصول المرأة لمواقع القرار في المؤسسات الإعلامية «خديعة» وقعت فيها المرأة، إذ اعتبرته «وهماً كبيراً» ، فالمرأة يمكن أن تتقلد المنصب الإداري في مؤسسة إعلامية في حال واحدة فقط، إن كانت تملك تلك المؤسسة وتديرها بأموالها الخاصة، وبالتالي تكون صاحبة القرار الرئيسي في هذا المشروع الإعلامي الذي تملكه وتديره بنفسها. وتوجد نحو ثمانية نماذج لهذا الموضوع في المملكة العربية السعودية التي تستشهد الناصر بها. إذ تقول إن نحو ثمان نساء تمكَن من رئاسة تحرير ثمان مطبوعات عربية وخليجية في السعودية وذلك لأنهن يملكن تلك المطبوعات.
وترى الناصر أيضاً أن المرأة تتشبع وظيفياً أثناء عملها في المؤسسة الإعلامية الأمر الذي يدفعها بالتالي إلى أن تفكر في الترقي في المؤسسة الإعلامية وهو أمر طبيعي، إلا أنه من الصعب جداً عليها الوصول إلى مواقع صنع القرار في المؤسسة، وحتى لو وصلت فستكون أيضاً أداة في أيد «رجالية».
وفي تعليقها على الإعلاميات في التلفزيونات العربيات قالت الناصر إنهن مثل «العرائس الخشبية»، إذ لا ينطقون إلا بما «يفترض أن ينطقوا به» ، فهم أداة متحركة في يد محرك أعلى. فالمرأة برأيها غير قادرة على أن تصنع الإعلام بنفسها من دون تدخل من الجهات الأعلى في المؤسسة الإعلامية.
أما البرامج الحوارية السياسية التي تعرض في القنوات العربية وتقدمها نساء يطرحن قضايا سياسية جادة، فتقول الناصر إنها محاولة للوصول إلى «الفكر الذكوري» في الإعلام وتطبيقه، و«كأن الأسلوب الأمثل للإعلامي هو أن يطرح القضايا بالطريقة التي يطرحها الرجل ويفكر فيها».
هل يمكن أن يتغير هذا الوضع بالنسبة للإعلام العربي والخليجي بشكل أدق؟ كان هذا هو السؤال الذي اختتمت به «جهينة» حديثها مع الناصر، وأجابت عليه قائلة إن: «التغيير سيحصل مع الوقت، إذ إنه يحتاج إلى تدرج، وهو تغيير بطيء أصلاً، وحصل تغيير فعلاً على رغم أنه غير ملحوظ جداً وبطيء، إذ إن وضع المرأة الإعلامية أفضل حالاً منه عن 10 سنوات خلت، فهو على الأقل أفضل من لا شيء». والمطلوب برأيها لإحداث التغيير هو اختصار الزمن ومحاولة الانقلاب على الواقع، والتغيير أمر لابد من حصوله شئنا أم أبينا، وسيشترك فيه الرجل مثلما ستشترك فيه المرأة، إذ لا يمكن عزل أية منهما عن العملة الإعلامية وتأثيراتها.
وتعليقاً على شعار «المرأة تصنع الإعلام» قال رئيس قسم الإعلام والسياحة بجامعة البحرين حسام رفاعي في حديثه مع «جهينة» إن المرأة تقع دوماً في قلب الحوادث، إلا أن من المبالغة القول إنها هي التي تصنع الأخبار أو الإعلام. فالمرأة برأيه جزء من كل شيء يحيط بنا ولا يخلو أي موقع من وجودها وتأثيرها، بما في ذلك الموقع الإعلامي، ووصلت المرأة إلى قيادة دول عالمية كبرى، ولكن الحوادث بطبيعتها يصنعها الرجل مثلما تصنعها المرأة، أي أنها صنيعة المجتمع بأسره من وجهة نظره.
ومن جانبها، قالت المذيعة في تلفزيون البحرين إيمان مرهون إن الإعلام في الوطن العربي إعلام «تجاري» ولا «يشرف» المرأة أن تعمل في حقله، إذ يؤطر المرأة على الدوام في إطارات تقل من قيمتها ومكانتها، وهناك قنوات تروج لهذا النوع من الإعلام الهابط بعيدة عن الجدية في الطرح واحترام المرأة كإنسان فاعل في المجتمع. وأضافت مرهون أيضاً أنه على المستوى النظري يعتبر الإعلام مهنة «مشرفة ونبيلة»، ومن الناحية النظرية أيضاً تعتبر المرأة قادرة على «صنع الإعلام»، ويطبق ذلك بشكل محدود في بعض القنوات التلفزيونية الجادة التي تمتلك الجرأة والثقافة والخبرة للعمل في المجال الإعلامي.
وعن العمل في تلفزيون البحرين، قالت مرهون إن هناك ترحيباً بتقديم المرأة للبرامج السياسية الجادة، فقد قدمت شخصياً عدداً من هذه البرامج، علاوة على البرنامج الحواري الذي تقدمه الصحافية سوسن الشاعر، وبرنامج «صحتك سعادة» الذي تقدمه الطبيبة مريم الجلاهمة. وأضافت مرهون أنها لم تشعر بتمييز في الوسط الإعلامي لكونها «امرأة» طوال عملها الذي دام 10 سنوات في تلفزيون البحرين.
إلا أن هناك شبه مفهوم عام على عدم قدرة المرأة على تقديم البرامج الجادة والتحليلية على رغم أن المرأة بطبيعتها أكثر جرأة بنظرها. وعن المعوقات التي تواجه الإعلامية عموماً في المجتمع الخليجي قالت مرهون إنها تتمثل في الحاجة إلى إلى مزيد من الوعي داخل المجتمع بدور المرأة في هذا المجال وطبيعته، إذ لايزال المجتمع يحكم على المرأة في هذه المجالات أحكاماً عامة وظالمة غالباً، ما يعوقها من مواصلة عملها بشكل اعتيادي. وأكدت مرهون أن المرأة قادرة على التعايش مع البيئة المحيطة بها من غير أن تغير ثقافتها، وعلى رغم وجود «بيئة غير نظيفة» في بعض الأوساط الإعلامية، إلا أن التعميم من قبل المجتمع يعتبر مجحفاً بحق المرأة. وأرجعت مرهون كل ذلك إلى «النظرة الذكورية» التي تغلف المجتمع وطريقة تفكيره.
وفي النهاية دعت مرهون إلى عدم تأطير المرأة في إطارات عمل إعلامية محددة، وهي نظرة بدأت فعلاً تتخذ موقعها وتتقدم في المجتمع متوقعة أن تتغير هذه النظرة في المستقبل.
كاتبة السيناريو البحرينية معصومة المطاوعة كان لها رأي أيضاً في شعار «المرأة تصنع الإعلام»، إذ قالت لـ «جهينة» إن للمرأة دوراً فاعلاً في الإعلام مثلما للرجل، إذ إنها نصف المجتمع وتقوم بأدوار رئيسية فيه، ولأن الإعلام هو صورة للمجتمع، فيجب أن يعكس المجتمع بشكل حقيقي، وبالتالي فإن وجود المرأة في الإعلام ضرورة وليست كمالية، إذ لا يمكن للرجل وحده أن يمثل المجتمع بكل أدواره.
وعن عملها في مجال كتابة السيناريو قالت المطاوعة إن أعداد كتّاب السيناريو في البحرين قليلة للغاية، وكان هذا المجال محتكر من قبل أسماء «رج
العدد 1276 - السبت 04 مارس 2006م الموافق 03 صفر 1427هـ