أثار المجلس البلدي لبلدية المنامة في الأسابيع القليلة الماضية مسألة انتشار مقاهي الانترنت بصورة مفرطة، في جميع مناطق البحرين وخصوصاً في محيط العاصمة. وما أثار حفيظة أعضاء المجلس البلدي، عدم وجود اشتراطات فنية في القانون تحد أو تقنن من عمل المقاهي أو على الأقل تتدخل في الجوانب الفنية التي تؤسس عليها المقاهي!
فيا ترى، ما الذي يحدث داخل مقاهي الانترنت؟ وما قصة نشر ثقافة الجنس في بعض المقاهي التي تقدم هذه الخدمة بصورة ميسرة إلى كل من هب ودب؟ وماذا عن اتخاذ بعض مقاهي الانترنت وسيلة للمواعدة من قبل «بنات الهوى» الأجانب؟ وهل صحيح أن بعض المقاهي يعمد إلى توزيع أشرطة الجنس الفاحش؟ وإذا صح كل ذلك، أين الدولة من كل ما يحدث؟ وأين الجهات المسئولة عن الرقابة من كل ما يجري؟
عضو المجلس البلدي لبلدية المنامة ورئيس اللجنة الفنية صادق رحمة الذي أثار هذا الموضوع، يوضح أسباب هذا الطرح، مشيراً إلى أن مقاهي الانترنت كانت محدودة الانتشار لوقت قريب، ولكنها بدأت في الانتشار بصورة مفرطة في الآونة الأخيرة.
ويقول رحمة: «نحن لا نعارض انتشار مثل هذه الأنشطة بل نشجع عليها ما دامت تخدم الغرض الذي من المفترض أن تعمل من أجله وهو نشر المعرفة والبحث العلمي والتعارف وغيرها من الأهداف النبيلة التي تزيد من محصلة الإنسان الفكرية، ولكن إذا كانت بعض هذه المحال تعمل من خلف الكواليس لنشر الجنس للشباب والمراهقين ذكورا وإناثا فسيكون لنا موقف آخر».
ويؤكد رحمة أن بعض مقاهي الانترنت تقدم تسهيلات كبيرة إلى الباحثين عن الجنس بحيث توفر الأفلام الخلاعية في ملفات تحفظ على الشاشة الرئيسية.
ورافق رحمة «الوسط» - لتدعيم ما ذهب إليه - إلى أحد مقاهي الانترنت في منطقة العاصمة، وما إن دخلنا المحل وفتحنا جهاز الانترنت حتى ظهرت مجموعة كبيرة من الملفات المحفوظة، ومن دون عناء، وجدنا مجموعة كبيرة من مقاطع الأفلام الخلاعية المرتبة بحسب نوعية الجنس بدءا من جنس المرأة والرجل وانتهاء بأنواع الشذوذ!
ويعلق عضو المجلس البلدي ورئيس لجنة العلاقات العامة محمد منصور الذي رافقنا في الجولة على هذا الموضوع، موضحا أن السبب الرئيسي في انتشار هذه الظاهرة هو وجود الأجانب القائمين عليها، فقد يكون المحل ملكا لبحريني، ولكنه يوكل جميع المهمات إلى أحد الأجانب، وغالبا ما يكون من الآسيويين، وهذا الأخير لا يتورع عن تنفيذ التعليمات بتزويد جميع أجهزة الكمبيوتر بمقاطع الأفلام الخلاعية.
التنافس الاقتصادي لا يعني المس بالقيم
ويرى عضو المجلس البلدي لبلدية المنامة سيدجميل كاظم أن انتشار مقاهي الانترنت يرجع إلى ما يعرف بـ «التنافس الاقتصادي»، وفتح السوق، ولكنه يؤكد أن فتح السوق لا يعني المس بالقيم والمعتقدات والمبادئ المتعارف عليها في المجتمع وخصوصاً أننا نعيش في مجتمع إسلامي محافظ.
ويقول: «نحن لا نعارض هذا المبدأ، ولكن بعض الأنشطة بحاجة إلى التقنين، وبحاجة أكثر إلى الرقابة من قبل الأجهزة الحكومية، وأنا أرى أن الحكومة هي المسئول الأول عن تفشي هذه الظاهرة».
ويستطرد كاظم «صحيح أن جميع الدول تسعى إلى الانفتاح، وخصوصاً في الاقتصاد لتواكب التطور، ولكن هذا لا يعني بالضرورة تطبيق هذا الانفتاح بحذافيره، فما يصلح في الغرب قد لا يصلح هنا في البحرين، ونحن نؤكد أهمية التعامل مع هذه المسألة بصورة حازمة، ولاسيما مع الأجانب الذين بدأوا يدخلون مجال مقاهي الانترنت بقوة وأخذوا في نشر ثقافة الجنس في أوساط مجتمعتنا المحافظ».
وعن الجهات المعنية بـ «الإيقاع الضبطي» بحسب تعبير كاظم، يشير إلى أن الدولة هي المعني الأول من خلال الرقابة عبر شرطة الآداب أو شرطة المجتمع، لأن للمحافظات دوراً أساسياً ومهماً لأنها مسئولة عن الأمن الاجتماعي، ولا ننسى دور المجالس البلدية كرقيب على هذه الأنشطة، وأخيرا دور وزارة التجارة التي تمنح الترخيص ووزارة الإعلام والتربية، ولكن هذا لا يرفع المسئولية عن مؤسسات المجتمع ولاسيما علماء الدين والوعاظ والأسرة».
وينوه كاظم إلى الأهمية القصوى لطرح هذا الملف بقوة لكي تشعر الجهات الرسمية بخطورة الموقف، وخصوصا بعد استفحال واستشراء المظاهر المخالفة للدين والقيم والمبادئ.
وعن الوسيلة المثلى لحل المشكلة يقول: «نحن بحاجة إلى حل تكاملي عبر تفعيل الإجراءات القانونية المشددة لغلق وفتح هذه الأنشطة وخصوصاً تلك التي تروج لثقافة الجنس عبر بيع الأشرطة أو عرض الأفلام الخلاعية بطريقة ميسرة إلى الأطفال والمراهقين والشباب».
رقابة معدومة
وعند سؤال رحمة عن الجهة الرقابية المسئولة عن مقاهي الانترنت أجاب «في الحقيقة نحن لا نعلم حتى الآن عن الجهة المسئولة بصورة مباشرة عن مقاهي الانترنت، ولكن وجود التجاوزات في بعض مقاهي الانترنت وبهذه الصورة العلنية أمر يوضح أن الجهة المسئولة مسئولية مباشرة غير معروفة، وما نعرفه نحن هو أن البلدية هي المسئولة عن الناحية الفنية، ونعني بها طريقة تصميم المقاهي».
ويواصل رحمة «المأخذ الرئيسي على مقاهي الانترنت هو وجودها من دون رقابة واضحة، بل إنها أصبحت مركزا لجذب الشباب لبعض الممارسات اللاأخلاقية».
ويؤكد أن هذا لا ينطبق على جميع مقاهي الانترنت، فهناك مقاهي انترنت تقدم البحث العلمي والثقافة، إذ إن هناك محالاً مكشوفة وغير معزولة وغالبا ما نجد فيها الشباب الباحث عن العلم والثقافة. ويقول: «إن أهم الجوانب التي سنعمل على تقنينها هي طريقة تصميم المقاهي، فلماذا يتم تصميم الكبائن المعزولة، فهذه الكبائن تساعد على تفشي ظاهرة نشر الثقافة الجنسية».
ويروي أحد العاملين في أحد مقاهي الانترنت المعروفة (وفضل عدم التصريح باسمه) أن أحد الخليجيين دخل إلى المحل عند الساعة السادسة مساء، ومعه كيس مليء بالأكل والشرب، وكأني به يريد أن يبيت في المحل.
ويكمل «عموماً، دخل الخليجي إحدى الكابينات ومكثت حتى وقت إغلاق المحل منتصف الليل، ومن شدة فضولي دخلت إلى الكابينة لأعرف ماذا كان يفعل داخل الكابينة، وقلت في نفسي ربما كان يعمل على بحث جامعي، ولكن دهشتي كانت لا توصف حين علمت أن الخليجي دخل إلى أكثر من 50 موقعاً جنسياً، هذا إلى جانب فتحه جميع ملفات الجنس المتوافرة!».
ويواصل «كما أننا لاحظنا انتشار ظاهرة المواعدة - وخصوصاً من قبل الأثيوبيات والفلبينيات - عبر الهاتف والكمبيوتر، وغالباً ما يكون موقع المواعدة عند بوابة المحل أو بالقرب منه!».
«الوسط» حاولت الحصول على معلومات عن الجهة المسئولية مسئولية مباشرة عن مقاهي الانترنت، والمسئولة عن رقابتها، إلا أنها لم توفق كما لم يوفق عضو المجلس البلدي لبلدية المنامة صادق رحمة.
ومهما يكن الأمر، فإن الحقائق واضحة، ولا تحتاج إلى بحث وتحر، فبعض مقاهي الانترنت تجاوزت جميع الأعراف والقوانين إن وجدت وبدأت تنشر ثقافة الجنس الفاحش، ولم يبق إلا أن تلتفت الحكومة وتتخذ إجراءات صارمة ضد مقاهي الانترنت المخالفة... ولعل هذا الطرح يفتح المجال على مصراعيه لطرح آخر، وهو وضع قوانين صارمة على خدمة الانترنت لمنع الولوج إلى المواقع اللاأخلاقية كما هو معمول به في بعض دول الخليج وعلى رأسها سلطنة عمان، ولكن السؤال المطروح هو: متى تعي الجهات المسئولة خطورة الموقف؟ أو بمعنى أدق؛ متى تستجيب الجهات المسئولة وتزيل الغشاوة التي وضعتها لتترك المجال لانتشار هذه الظواهر
العدد 1278 - الإثنين 06 مارس 2006م الموافق 05 صفر 1427هـ