في 5 مارس/ آذار 1965 انطلقت واحدة من اهم الحركات السياسية في البحرين عمادها عمال شركة النفط (بابكو) الذين حصلوا على دعم الطلاب وفئات الشعب المختلفة... ولكن هذه الحركة كانت قد تأسست على حركات سبقتها منذ الثلاثينات من القرن الماضي.
فقد أدى اكتشاف النفط في البحرين، وانتشار اللولؤ الصناعي الياباني في العالم الى انقراض صناعة استخراج اللؤلؤ... الامر الذي جعل العاملين في استخراج اللؤلؤ ينتقلون للعمل في شركة النفط (بابكو).
ولكن السياسة الظالمة ادت الى ازدياد استياء الناس نتيجة للأوضاع، إذ المعاملة السيئة للمواطن وانخفاض الاجور، في الوقت الذي يعامل فيه الاجنبي بكل احترام، ويحظى بحقوق وظروف أفضل من المواطن.
ونتيجة هذه الممارسات اللاإنسانية، علمت السلطات عن عزم العمال بالقيام باضراب، فقامت باعتقال اثنين من العمال وأودعتهما السجن. وما ان تأكد خبر الاعتقال حتى تجمع حشد كبير من العمال بالاشتراك مع الطلبة في مساجد المنامة، وخرجوا بمظاهرات عارمة، أدت الى تعطيل السوق واغلاق المحلات التجارية، مطالبين بما يأتي:
أ- زيادة الرواتب.
ب- تحسين ظروف العمل ومساواة أوضاعهم مع الاجانب.
ج- إنشاء لجنة مالية.
وكان الرد على هذه المطالب عكسيا، إذ امر المستشار البريطاني تشارلز بليغريف الشرطة بقمع المظاهرات واصدرت شركة بابكو انذارا للعمال بان يرجعوا الى العمل في موعد اقصاه 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 1938 بعدها يعتبر مفصولا من لا يحضر في اليوم المحدد. أدى هذا القرار الظالم الى تسريح اعداد كبيرة من العمال واعتقال ثمانية عشر مواطنا متهمين بالتحريض للاضراب، وقد استبدلت شركة بابكو العاملين المسرحين بعمال هنود.
وقد أدى القمع الذي واجهه المتظاهرون الى تلاشي الاضراب في 10 نوفمبر 1938.
الاضرابات العمالية في الأربعينات
مع ازدياد الاستياء الشعبي ضد ممارسات المستشار البريطاني تشارلز بليغريف، والذي اصبح الحاكم الفعلي، فقد كان هو آمر الشرطة وهو القاضي وهو السجان وهو مسئول المالية آنذاك، ومع ازدياد المعتقلين من ابناء البلد، وحال السجون اللاانسانية، إذ يؤخذ المواطن لاقل تهمة الى جزيرة جدة... ومع ازدياد الفساد، ومع الارتفاع المستمر للغلاء. ومع المعاملة القاسية التي يعامل بها عمال شركة النفط (بابكو) آنذاك إذ يستخدمون لساعات طويلة يومياً مقابل اجر ضعيف، ويحرمون من شتى الحقوق الاساسية للعامل، في الوقت الذي تعطي شركة النفط العمال الهنود والاجانب مميزات لا ينالها المواطن. فهي (شركة النفط) توفر للعمال الاجانب العلاج المجان مع دفع الاجور فترة المرض، وتدفع لهم علاوة سكن وعلاوة حرب (حيث يستخدم البترول لتزويد القوات البريطانية في المنطقة)، بينما يحرم المواطن من كل ذلك.
اضرب عمال شركة النفط (بابكو) في 22 ديسمبر/ كانون الأول 1943 معلنين احتجاجهم على هذه الأوضاع السيئة ما أدى الى شل فعاليات الشركة. وقد تركزت مطالب العمال على تحسين ظروف العمل، وتوفير التدريب الكافي للعمال، وان يكون يوم الجمعة يوم عطلة مدفوع الاجر، وايقاف تغريم العمال لأي خطأ بسيط.
ورداً على هذه المطالب استنفرت قوات الشرطة والقوات البريطانية الموجودة في البحرين، التي زجت بالكثير من العمال في السجون، ولكنها فشلت في حل الاضراب. وفي الوقت نفسه أعلنت الشركة انها ستدفع للعمال علاوة حرب شريطة ان يعودوا الى اعمالهم قبل 30 ديسمبر 1943.
وقد تلا هذا الاعلان فصل اعداد هائلة من العمال بحجة عدم رجوعهم للعمل قبل 30 ديسمبر.
أدى هذا القمع اللاانساني للعمال الى تفكك الاضراب في الايام الأولى من شهر يناير / كانون الثاني 1944 وعودة العمال للعمل خوفا على عوائلهم من الجوع. ولكن روح الرفض بقيت كما هي، تجاه الاوضاع السيئة والظالمة واستمر الوضع كما هو حتى نهاية عقد الاربعينات. ففي اواخر 1947، عندما أعلن عن تقسيم فلسطين، انفجر الشارع البحريني، وعمت المظاهرات كل بقعة في البحرين واضرب عمال بابكو عن العمل.
ورفع العمال مطالبهم بتحسين ظروف المعيشة، وتوفير التدريب اللازم للعمال، فاضطرت الشركة للاستجابة لبعض المطالب، إذ قامت بفتح برنامج لتطوير القوى العاملة البحرينية وبقيت اكثر المطالب دون استجابة.
وانتهى الاضراب مع قمع الانتفاضة الشعبية، وبقيت حوادث 47 - 1948 في قلوب المواطنين والعمال، لتخرج الى الساحة في مطلع الخمسينات، العقد الذي شهد اكبر انتفاضة شعبية شاملة للنصف الأول من القرن العشرين.
الاضرابات العمالية في الخمسينات
شهد النصف الأول من القرن العشرين أكبر تحرك جماهيري ضد دكتاتورية المستشار البريطاني تشارلز بليغريف.
ففي منتصف الخمسينات، شهدت الساحة السياسية في البحرين تجمعات شعبية منظمة مع مشاركة اساسية وفعالة من قبل العمال. إذ كان لمشاركتهم (العمال) اليد الطولى في انجاح هذا التحرك الشعبي.
في مطلع سنة 1954، سعت الطليعة البحرينية الى انشاء تنظيم شعبي، وذلك ايمانا منها، بانه الاسلوب الامثل لمواجهة الظلم والاستبداد، إذ كان العامل الرئيسي في فشل التحركات السابقة في كل من الثلاثينات والاربعينات هو غياب التنظيم.
وفي 13 اكتوبر/ تشرين الأول 1954، أعلن عن تأسيس «الهيئة التنفيذية العليا» اثناء تجمع جماهيري حاشد في السنابس. وقد تكونت الهيئة من ثمانية اعضاء، يرأسون جمعية عامة مكونة من مئة وعشرين عضواً.
رفعت الهيئة مطالبها بالحد من الاستبداد الاداري وضرورة المشاركة الشعبية في الحكم والحق في تكوين نقابات عمالية وغيرها من الاصلاحات الضرورية للمجتمع. وكان العمال أول القطاعات التي استجابت لنداءات الهيئة بالقيام بالاضرابات والمظاهرات، مؤدين بذلك الى شل الحركة الاقتصادية في البلاد بين فترة وأخرى، وذلك للضغط على الحكومة لكي تنصاع لمطالب الشعب.
في 4 ديسمبر 1954م دعت الهيئة لاضراب سلمي واستجاب العمال وبقية قطاعات الشعب لاعلان الهيئة، ما أدى الى شل الحياة الاقتصادية في جميع انحاء البلاد. ولتهدئة الأوضاع وعدت الحكومة بدراسة المطالب الشعبية وعلى رأسها المطالب العمالية، فقامت بإنشاء لجنة لتشريع قانون العمل، وذلك في 23 ابريل/ نيسان 1955م.
في اكتوبر 1955م أسست الهيئة اتحادا مهنيا لعمال البحرين للقيام بالمطالبة بحقوق العمال، وقد ضم هذا الاتحاد آلاف العمال من الاعضاء. وفي الشهر نفسه انشأت الحكومة لجنة ثلاثية تمثل كلا من الحكومة ومديري العمل والعمال لدراسة مطالب العمال. وفي 2 مارس 1956م وقعت حادثة رشق السيارة المقلة لوزير خارجية بريطانيا سلوين لويد، إذ هجم جمع غفير من الشباب على السيارة مرددين هتافات منادية بسقوط تشارلز بليغريف وطرده من البلاد.
في 11 مارس 1956م وقعت حادثة سوق الخضرة في المنامة التي سقط فيها الكثير من القتلى والجرحى. وعلى اثر هذه الحادثة أعلن الاضراب العام وشلت الحياة الاقتصادية مرة ثانية وطالب المتظاهرون بتجريد تشارلز بليغريف من جميع سلطاته وطرده من البلاد. وفي 6 نوفمبر 1956م انتشرت القوات البريطانية والشرطة في جميع انحاء البحرين، واعتقلت قادة الهيئة وقدمتهم للمحاكمة في قرية البديع.
في 28 ديسمبر 1956م تم نفي قادة الهيئة وأعلنت حال الطوارئ.
شمل القمع الذي مارسته قوات الشرطة والقوات البريطانية اعدادا كبيرة من العمال إذ اعتقلت قادة الاتحاد المهني والداعين الى الاضرابات وفصلت كثيرا من الذين شاركوا فيها. ولكن كل هذه الاجراءات التعسفية لم تقض على الروح المطلبية لشعب البحرين، الامر الذي اضطر الحكومة الى تجريد تشارلز بليغريف من جميع مناصبه في مطلع 1957م وتم تأسيس القسم الخاص برئاسة ضابط بريطاني لقمع المعارضة السياسية والحركة النقابية.
الاضرابات العمالية في الستينات
بعد حوادث الخمسينات وبعد اعلان حال الطوارئ في البلاد تشتتت الطليعة البحرينية بين سجين ومنفي وغدا افراد الشرطة والمخابرات يجوبون البلاد طولا وعرضا، يعتقلون المواطنين لأدنى شبهة. وبذلك تحولت البحرين الى بلد يملؤه الارهاب لا يأمن فيه الحر على نفسه وأخذ الشعب يختنق في هذه الاجواء الضاغطة وينتظر فرصة مناسبة يعبر فيها عن رأيه.
وفي شهر مارس 1965م بدأت شركة بابكو بتشغيل المصفاة الاوتوماتيكية، واستغلت الشركة هذه الفرصة للتنكيل بالعمال المواطنين فقامت بتسريح اعداد كبيرة منهم، الامر الذي أدى الى انفجار الوضع. ففي 5 مارس 1965 واحتجاجا على هذا الاجراء التعسفي تظاهر طلاب مدرسة المنامة الثانوية وتبعهم طلاب مدارس اخرى عدة تضامنا مع عمال بابكو المسرحين من العمل.
وفي 9 مارس 1965 تحول اضراب الطلبة والعمال الى انتفاضة شعبية عارمة شملت جميع مناطق البحرين وحدثت اشتباكات شعبية مع قوات الشرطة والمباحث أدت الى سقوط بعض القتلى من المواطنين وجرحى من الطرفين. وخلال تلك المظاهرات الاحتجاجية رفع المواطنون مطالبهم برفع حال الطوارئ التي أعلنت في ديسمبر 1956 واعادة توظيف العمال المسرحين والافراج عن المواطنين المعتقلين واستمرت المظاهرات الصاخبة حتى منتصف شهر ابريل 1965 - اما اضرابات الطلبة فاستمرت حتى نهاية العام الدراسي - بعدها أعلنت الحكومة الاحكام العرفية وانتشرت القوات البريطانية مع قوات الشرطة والمباحث في جميع انحاء البلاد بكثافة وبدأت اعتقالات واسعة لمدة شهرين متتابعين. وفي الوقت نفسه أعلنت شركة بابكو انها ستعيد النظر بقرارها بتسريح العمال.
أدى الارهاب الذي مارسته اجهزة الامن الى اخماد الانتفاضة لكن الغضب الجماهيري استمر في قلوب المواطنين المحرومين من ابسط حقوق الإنسان.
في 17 ابريل / نيسان 1965 أصدرت الحكومة قانوناً لتضييقي الخناق على المعارضة بعد انفجار انتفاضة 5 مارس، وأطلق على القانون مسمى «قانون الأمن العام» الذي استبدل قانون الطوارئ للعام1956، واستمر العمل بقانون الأمن العام حتى إصدار قانون أمن الد،لة في أكتوبر / تشرين الأول 1974، الذي خنق الحريات حتى فبراير / شباط 2001.
الاضرابات
العدد 1278 - الإثنين 06 مارس 2006م الموافق 05 صفر 1427هـ