«كبرياء وتحيز» فيلم رومانسي جميل يتحدث عن قصة حب حصلت في الريف الانجليزي قبل قرابة 300 سنة. فالقصة بسيطة لكنها محكومة بمجموعة شروط اجتماعية وإنسانية فرضها الواقع على طرفين: فتاة تنتمي إلى عائلة ريفية متواضعة وشاب ثري جاء من عائلة ارستقراطية.
شروط الواقع (الانتماء الاجتماعي) رسمت خطوطاً قاسية لشخصية الشاب. والشروط المعاكسة لتلك الشخصية المتشاوفة رسمت بدورها شخصية تلك الفتاة الجميلة والفقيرة.
إنه تضاد طبقي في فترة كانت انجلترا لاتزال تتحكم فيها ثقافة الارستقراطية. فآنذاك كانت الصناعة في بداياتها والاقتصاد بدأ يدخل عالم التحديث إلا أن الأخلاق البورجوازية لم تظهر بعد الا في حدود ضيقة في المدن. فالاقتصاد آنذاك سبق الاجتماع والتطور الحديث على الآلة جاء قبل حصول تطور ثقافة الإنسان.
قصة الحب حصلت في فترة كانت لاتزال انجلترا تعيش في مرحلة مزدوجة. فالبورجوازية تنمو لكنها لم تصل بعد إلى الريف. والارستقراطية تنهار اقتصادياً لكن ثقافتها (عاداتها وتقاليدها) كانت لاتزال تسيطر على الريف.
هذا التضاد الاجتماعي/ الثقافي فرض نفسه على قصة الحب وأنتج حالات من التضاد الإنساني/ الثقافي بين فتاة تملك كمية من الكبرياء كافية لتقول لا للشاب الغني المتكبر، وبين شاب دربته الحياة على اعتماد أساليب فوقية في التعامل مع محيطه المشحون بالتنافس على المال والأرض.
كيف يمكن التوفيق بين قلبين في وقت يرفض كل طرف تقديم التنازل إلى الآخر؟ فالفتاة لا تريد كسر كرامتها من أجل عقد زواج مع شاب ثري. والشاب الذي تربى على الترفع والنظر بكبرياء إلى من هم حوله كان من الصعب عليه ان يعترف بهزيمته امام تلك الشابة التي تصدت له وردت على اهاناته.
قصة التضاد هي لولب الشريط السينمائي. إلا أن هذا التضاد بين قلبين يعكس بدوره مجموعة اضداد بين الريف والمدينة وما تعكسه من اختلافات في الرؤية والتعامل والنظر إلى الحياة والمستقبل.
هذا التضاد من الصعب حل عقده الا بالصراع وثم الزواج. فالتزاوج بين النقيضين ينتج حالة ثالثة أعلى من السابق وأقل من المطلوب.
التزاوج إذاً بين ثقافتين واحدة صاعدة لكنها ضعيفة وأخرى هابطة لكنها لاتزال قوية هو الوجه الآخر للزواج بين شاب ثري يتقدم إلى الأمام بحذر وخوف وشك وبين فتاة فقيرة تنتمي إلى أسرة يتراجع وضعها الاجتماعي لكنها تفتخر بشخصيتها وتكافح لتعزيز ثقتها بنفسها ولا تتردد في الدفاع عن كرامتها حتى لو اضطرت إلى كبح احساسها وكسر مشاعرها.
مخرج الفيلم اختار الريف الانجليزي مسرحاً لحوادث قصة الحب. فالاختيار رائع كذلك توقيت فترة وقوع القصة ومكانها. وكل هذه العناصر أسهمت في تكوين فضاء عام وجميل لقصة صراع الارادات.
يبدأ الفيلم بتصوير مشاهد تكشف عن رتابة ذاك البيت الريفي من الحديقة إلى غرفه الداخلية. في هذا البيت المتواضع نسبياً تعيش عائلة تكافح من أجل المحافظة على مكانتها الاجتماعية المهددة بالانهيار.
الأسرة مؤلفة من أب وأم وخمس بنات. الأب بسيط وهادئ ولا يريد العبث بمصير عائلته. الأم خائفة وتعيش هاجس الرحيل قبل تزويج بناتها الجميلات. الأم رائعة ومزعجة في الآن. فهي رائعة لأنها تفكر في المستقبل وفي مصير بناتها ومزعجة لأنها متهورة وتريد تسويق الفتيات بأسرع وقت وبأي ثمن حتى لا يفوت الأوان وتسقط العائلة في الفقر والعوز.
دور الأم كان ملفتاً. فهي تثرثر كثيراً عن بناتها الجميلات ولا تتردد في عرضهن كأكياس حنطة لكل من يحتاج ويريد أن يشتري. فالأم مسيطرة في هذه الحال الاجتماعية التي فرضتها ثقافة ارستقراطية متراكمة في الريف الانجليزي. والأب يراقب ولا يعترض فهو بدوره خائف على بناته لكنه لا يريد تسويقهن من دون رغبتهن.
القصة عامة وعادية في ريف لم تدخله بعد ثقافة المدينة. إلا أن الفتاة الثانية في ترتيب الأخوات شكلت عقدة سيناريو الفيلم. فهي جميلة وقوية وتملك ارادة وعندها الاستعداد للمغامرة والتضحية بنفسها لحماية كرامتها.
في هذا الفضاء يعيش المشاهد قصة ذاك الحب الجميل حين تأتي أسرة غنية للمكوث في الريف في فترة العطلة الصيفية. وهذا الأمر شكل حدثاً للأم التي تحلم بتزويج احدى بناتها من شاب غني يتكفل بانقاذ الأسرة من الانهيار. وتحت سقف هذه المعادلة التي فرضها الواقع وشروط الثقافة الارستقراطية تحصل تلك العلاقة الملتبسة بين ذاك الشاب العنيد وتلك الفتاة التي تفتخر بكرامتها.
مشاهد الفيلم محزنة ومضحكة، جميلة وساخرة فهي تقع على حافة المأساة ولا تسقط في الهاوية. ومخرج الفيلم استغل ذاك السيناريو ليدخل المشاهد في تفصيلات الحياة الريفية الانجليزية في عهد سيادة الثقافة الارستقراطية وما تعنيه من نظرة شفقة من جهة وتشاوف على الآخر من جهة أخرى. فالمخرج يرسم في صور متتالية حفلات التعارف والسهرات والرقص المتبادل الذي كانت تقيمه الأسر المعزولة في الريف لشق الطرق امام شبان وفتيات يبحثون عن بعضهم لبناء مستقبلهم.
«كبرياء وتحيز» قصة جميلة تنتهي نهاية سعيدة بعد صراع إرادات تكتشف الفتاة بعد عناء ومعاناة أن هذا الشاب هو رجلها وانه يتمتع بأخلاق راقية وتسكنه المشاعر الإنسانية على عكس تلك الصورة النمطية أو ما يظهره من مسلكيات صنمية. فالشاب مجبول بالمحبة لكنه لا يظهرها خوفاً من كسر ذاك الروتين أو تلك الشخصية المتعجرفة التي فرضها عليه الواقع وتلك الثقافة الارستقراطية التي لم يطرأ عليها بعد التحول الاجتماعي.
النهاية السعيدة تشبه تلك النهاية الاجتماعية التي ستحصل لاحقاً حين تبدأ المدينة بغزو الريف وتنتقل اليه ثقافة بورجوازية جديدة لاتزال سائدة إلى أيامنا
العدد 1286 - الثلثاء 14 مارس 2006م الموافق 13 صفر 1427هـ