مع إعلان الحكومة إحالة قانون الأحكام الأسرية إلى المجلس النيابي، فتح الباب على مصراعيه أمام التكهنات الشعبية والنيابية عن طبيعة تعامل السلطة التشريعية مع هذا القانون الحساس، في ضوء وجود رفض علمائي واسع لإقرار مثل هذا القانون من دون وجود ضمانات دستورية.
توقعات عدة تحملها مسيرة القانون من إحالته إلى المجلس النيابي لحين إحالته إلى لجنة الشئون التشريعية وصولاً إلى قبة البرلمان إذ يحتكم الأمر إلى ضغطات الأزرار «التصويت» بالموافقة أو الرفض من قبل النواب والتي ستفضي إلى تمرير القانون إلى مجلس الشورى أو إجهاضه في المجلس، فهل يجهض النواب القانون أم تكون ولادته قيصرية بعد شد وجذب بين النواب بعضهم بعضاً وبين النواب والشارع البحريني.
وتحاول «الوسط» من خلال هذا التقرير تقصي السيناريوهات المرتقبة لمصير قانون الأحكام الأسرية، مستشهدة بذلك بكلام ممثلي الكتل النيابية.
وتوقع النائب الأول لرئيس مجلس النواب عبدالهادي مرهون (رئيس كتلة النواب الديمقراطيين) أن «يعرض القانون في لجنة الشئون التشريعية والقانونية ويناقش مناقشة مستفيضة من قبل أعضاء اللجنة، ومن المرجح أن يتجه أعضاء اللجنة إلى مساندة العلماء، خصوصاً أن الكثير من المختصين الذين زاروا البحرين أخيراً حثوا النواب والحكومة كذلك على عدم التسرع في إصدار القانون».
وأشار مرهون «من خلال المباحثات التي أجريناها مع الكتل النيابية تبين لنا أن جميع هذه الكتل متحفظة وإن كانت بدرجات متفاوتة، وتتجه إلى المزيد من التعمق والبحث في القانون، ومن خلال تصريحات النواب ومن خلال الاجتماعات الجانبية التي عقدناها مع الكتل يتبين أن موقف الكتل يدعو إلى التريث ويصر على خيار التوافق والحصول على الضمانات الدستورية المطلوبة على رغم أن الجميع يصر على أهمية صدور القانون».
وأفصح مرهون عن دعوته الكتل النيابية إلى اجتماع يوم الأربعاء المقبل في مكتبه لمناقشة الموقف من القانون، وستشارك فيه جميع الكتل النيابية.
ولم يستبعد مرهون «تدخل أطراف نافذة، خصوصاً وأننا على اعتاب الدخول في معترك انتخابي، إذ يحرص البعض على تقوية موقفهم من هذه الانتخابات، وتحرص أطراف أخرى على التأثير فيها سلباً أو إيجاباً من خلال استخدام الأدوات المتاحة»، داعياً الجهات الحكومية النافذة إلى «النأي بنفسها عن جعل هذا القانون محطة للتدخل في التأثير على الانتخابات، وترك آليات المجتمع تحدث هذا التوازن المطلوب، لأن في حال استمرار تدخلها ستحدث وقيعة في المجتمع وللأسف الشديد سيزداد المجتمع انقساماً أكثر مما هو حاصل الآن، في حين أننا في البحرين يجب أن نحرص أشد الحرص الآن على بلوغ مرحلة نتجنب فيها عوامل التمزق الداخلي أو الخارجي خصوصاً مع تردد أنباء سياسية مقلقة عن الاضطرابات التي تحدث في المنطقة وخصوصاً في العراق، ما يتوقع معه أن تنعكس تأثيراتها على البحرين، ولذلك من الأفضل أن يسلك الجميع طريق الحكمة والتعقل وعدم استخدام هذا القانون أو غيره للشحن، ومن الضروري تجريد الخطابات والشعارات المطروحة من المنزلقات التي تفرق وحدة الصف».
ولكن ماذا عن السيناريو المتوقع في الجلسة؟، أجاب مرهون «بحسب المعطيات التي لمسناها من خلال الحديث مع الكتل فإن جميع الكتل لديها تحفظاتها ولذلك اعتقد أن القانون سيأخذ وقتاً لمناقشته وربما تطرح فيه خيارات أخرى بحيث لا يمرر بالصورة التي تطرحها به الحكومة، وربما يجرى تأجيله. بالإضافة إلى وجود خيار آخر يتمثل في تريث الحكومة في إحالته إلى المجلس النيابي، في مسعى منها للحصول على توافق علمائي وتجنب حصول انقسام».
وذكر مرهون أن «كتلة الديمقراطيين في الأساس مع إصدار القانون، خصوصاً عندما نرى ونسمع الفوضى التي تجري في المحاكم الشرعية، ونعتقد أن القانون يجب أن يحظى بتوافق العلماء وقبولهم أيضاً، بالإضافة إلى ضرورة عرضه على المختصين في القانون وفي مسائل المجتمع، وأن لا يتم إصداره من دون الرجوع إلى أهل الاختصاص من العلماء وأن لا يتضمن القانون أي تعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية».
وأضاف «بعد الاستماع إلى موقف بعض العلماء وإجراء اتصالات متعددة الأطراف مع كبار المسئولين ومع أطراف معنية أخرى نرى أن طلب الضمانات إذا كان سيسهل خروج القانون بصورة توافقية فنحن مع طلب الضمانات الدستورية المطلوبة».
ومن جانبه، دعا النائب الثاني لرئيس مجلس النواب الشيخ عادل المعاودة (كتلة الأصالة الإسلامية) إلى إيجاد ضمانات للأحكام الأسرية تكون ضمانات بحرينية منضبطة، على أن تكون المرجعية للقضاء الشرعي أو أن تكون إلى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، على حد تعبيره.
واختلف المعاودة مع إيجاد ضمانات خارجية للأحكام الأسرية، مشيراً إلى أن الدولة لا يمكنها الموافقة على ضمانات للأحكام الأسرية يتم ربطها بالخارج، مؤكداً في الوقت ذاته أنه من حق علماء الشيعة والسنة الاستئناس بآراء علمائهم في الخارج والداخل.
وذكر المعاودة أن «تقنين الأحكام الأسرية تحاط بهالة من الخلاف ويتمثل هذا الخلاف في التخوف من تغييرها في المستقبل، ولكن كثيراً من العلماء لا يرون بأساً في صوغ الأحكام في هيئة قوانين ومواد قانونية، كذلك يطالب العلماء بضمانات بعدم التغيير إلا من خلال أهل العلم والاختصاص في هذا المجال، ولا يكون التغيير عرضة للمجلس النيابي، ونحن نؤيد هذا الأمر بضرورة وجود ضمانات للأحكام الأسرية، كما نؤيد أن تكون جميع القوانين متفقة مع الشريعة الإسلامية».
وقال المعاودة: «إن مواد قانون الأحكام الأسرية جميعها مستقاة من أحكام الشريعة الإسلامية، وإن كنا نختلف مع بعضها ونطالب بتعديلها لتتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية».
ودعا المعاودة إلى إصلاح كامل للقضاء الشرعي، وتوفير عدد كاف من القضاة الشرعيين، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة انتقاء القضاة وفق معايير دقيقة.
وعن السيناريوهات المتوقعة بشأن القانون، توقع المعاودة أن يصل علماء الشيعة إلى وضع آلية شرعية منضبطة للأحكام الأسرية، مشيراً إلى إمكان إيجاد مدونة التي يمكن أن يتم الاستئناس فيها بآراء علماء الشيعة وتكون لها صيغتها الإلزامية.
وأفصح المعاودة عن وجود تحرك محموم من قبل بعض الجهات للدفع بتحريك القانون بقوة وإقراره.
وعن إمكان أن يسعى نواب كتل الأصالة والمنبر والمستقلين إلى تمرير القانون على رغم عدم موافقة نواب الكتل الشيعية، قال المعاودة: «هناك من الشيعة من يريدون هذا القانون وهناك رأي معارض من دون وجود ضمانات دستورية، ولكن الكتل لا يمكن أن تمرر القانون في حال استشعرت عدم موافقة الشيعة عليه وذلك احتراماً لخصوصية الآخرين». واتفق المعاودة مع الرأي الداعي إلى إيجاد قانون موحد للأحكام الأسرية للطائفتين الشيعية والسنية على أن تراعى خصوصيات كل مذهب.
وكشف الناطق الرسمي باسم الكتلة الإسلامية النائب محمد آل الشيخ أن «كتلته تتجه إلى تحريك الموضوع قبل وصول مشروع القانون إلى اللجنة التشريعية بحيث يصل القانون إلى اللجنة وسط وجود موقف متبلور، وما سيسهم فيه بشكل رئيسي رأي العلماء وأيضاً رأي النواب بصفتهم أعضاء السلطة التشريعية بحيث لا يتم عرقلة مشروع القانون واتخاذ مواقف قد تضر المصلحة العليا للبلد، لأننا لا ندعم تمرير قوانين من دون أن يكون هناك توافق حولها».
وقال آل الشيخ: «إن الكتلة الإسلامية ستبلور مواقف باتجاه التوافق على القانون قبل أن يعرض على اللجنة التشريعية، واللجنة ستفعل هذه المواقف المبنية على التوازنات من أجل سن هذا التشريع حتى لا نخرج عن رأي العلماء ومتطلبات الأحكام الأسرية وفقاً للمذهب الجعفري الذي يتطلب وجود الكثير من الضوابط الشرعية لتمرير القانون، وما سيحدث داخل اللجنة مبني على هذه التوافقات»، مشيراً إلى أن «تجميد القانون وعدم مناقشته في لجنة الشئون التشريعية والقانونية يعني الابتعاد عن الضمانات الدستورية المطلوبة».
ودعا آل الشيخ (عضو لجنة الشئون الخارجية والدفاع والأمن الوطني بمجلس النواب) إلى عدم فرض قوانين ملزمة على المواطنين من غير أن تحظى بالتداول الاجتماعي والشعبي المطلوب، موضحاً أنه في حال تمرير القانون من دون وجود توافق عليه وتوازن في صوغ الضمانات لتمريره، فإن الكتلة الإسلامية سيكون لها موقف معارض لتمرير القانون، وستعلن عن هذا الموقف وتخلي مسئوليتها سواء كانت قانونية أو شرعية لأننا أمام قانون ذي خصوصية، وهذا القانون لا يمكن لنا أن نمرره لوحدنا كمشرعين للأحكام الوضعية وأن نحل محل أصحاب الاختصاص الأصيل وهم جمهور العلماء، وبالتالي أي خروج عن هذا الإطار لا يمكن أن يحل إشكال القضايا الشرعية في المحاكم، على حد قوله.
وأكد آل الشيخ أن «رأي العلماء والمرجعيات الدينية بخصوص قانون الأحكام الأسرية لا يعد نوعاً من التدخل في الشئون الداخلية»، معبراً عن أمله في التوصل إلى توافق بشأن هذا القانون لتفادي الوصول إلى حال من الاحتقان، وطالب آل الشيخ بإصدار قانون موحد للأحكام الأسرية ليعكس الوئام بين جموع المواطنين، على أن يفرد فصل خاص يبين الاختلاف المذهبي.
وفي تعليق له، قال رئيس كتلة النواب المستقلين النائب عبدالعزيز الموسى: «لا يمكن بحال من الأحوال أن نفرض على طائفة معينة رأياً معيناً، فهم أحرار فيما يرونه وبحسب ما يؤمنون به ويعتقدون به ولا يمكن أن نفرضه بالقوة، لابد أن يكون وفق قناعة».
وعن السيناريوهات المتوقعة للقانون، توقع الموسى أن يمرر قانون الأحكام الأسرية في شقه السني نتيجة وجود توافق عليه، مشيراً إلى أن ذلك لابد أن يتم بعد مراجعة أهل الاختصاص.
وبخصوص الضمانات الدستورية التي يطالب بها العلماء، أوضح الموسى (رئيس لجنة المرافق العامة والبيئة بمجلس النواب) «لابد من الرجوع إلى تجارب الدول الأخرى والاستئناس بها، فنحن لا نريد أن نبتدع شيئاً غير مطبق في التجارب الأخرى». وعبر الموسى عن أمله في
العدد 1291 - الأحد 19 مارس 2006م الموافق 18 صفر 1427هـ