العدد 1297 - السبت 25 مارس 2006م الموافق 24 صفر 1427هـ

دراما «النساء الخارقات» وواقع لا يخلو من «بكائيات»

المرأة في التلفزيونات العربية

تتهم الدراما العربية باستمرار بأنها لا تقدم صورة حقيقية وواقعية للمرأة في المجتمعات العربية، ناهيك عن «إجحافها» المتكرر بحقها. فبدءاً بـصورة المرأة المظلومة والمقهورة في الدراما الخليجية، مروراً بصورة «غير حقيقية» لنساء «خارقات للعادة» في الدراما المصرية، وانتهاءً ببطولة أكثر مناصفة بين الرجل والمرأة في الدراما السورية. من هذا كله تبدو صورة المرأة العربية في الدراما «مشوشة» نوعاً ما وغير حقيقية.

كيف تنظر المرأة العربية لصورتها المطبوعة على الشاشة الفضية في صورة مسلسلات درامية، هل تجد نفسها فيها، هل تعكس تلك المسلسلات واقعها، أم أنها صورة «ممسوخة» لنساء يتحركن على الشاشة ضمن سياق درامي «مرسوم مسبقاً»؟ سؤال يطرح كثيراً، وتتفاوت إجاباته، من مجتمع عربي إلى آخر، ومن عمل درامي إلى آخر.

ولأن التلفزيون عموماً، والأعمال الدرامية خصوصاً، يؤثران بشكل مباشر في صوغ صورة ذهنية لدى المشاهدين عن أي فكرة، أو شخص أو جنس ما، فقد اعتبر موضوع تصوير المرأة في التلفزيون وفي الدراما تحديداً ذا أهمية بالغة على الدوام.

«جهينة» اختارت أن تخصص عددها هذا الأسبوع للحديث عن هذا الموضوع، مستغلة إقامة مهرجان الخليج التاسع للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني والذي استضافته مملكة البحرين الأسبوع الماضي. من خلال لقاءات متنوعة تمت مع بعض فناني وضيوف المهرجان، لينقلوا رؤيتهم بشأن صورة المرأة في الدراما التي هي «من صنع أيديهم».

الدراما السورية: المرأة لم تعط كامل حقها في الدراما بعد

«مهما شاهدنا في الدراما فنحن لم نعطِ المرأة حقها» هكذا بادرنا الفنان السوري أسعد فضة، مؤكداً أن المشكلة أساساً تبدأ من النص والفكرة، ومدى ارتباطهما بخدمة المرأة في المجتمع. ويختلف وضع المرأة من بلد إلى آخر - كما يرى فضة - إلا أنه يعتقد بأن الاشكالية تكمن في شعور المرأة الأصيل أساساً «بعقدة نقص»، والذي يمنعها من المطالبة بحقوقها، والتخلص من هذه العقدة وبالتالي البدء في التغيير.

لم تتمكن أي من الدراما العربية، سورية كانت أو غيرها، من القيام بدورها في تصوير المرأة، ومعالجة مشكلاتها - هذا ما يؤكده فضة - مستهجناً بعض الممارسات على الشاشة ضمن السياق الدرامي ومنها ضرب الزوجة مثلاً على الشاشة، أو الصراخ عليها، وهي جميعاً صور تكرس برأيه سلوكات معينة في أذهان المشاهدين، حتى لو جاءت في سياق نقدي. وفي المقابل، يؤكد فضة أنه ليس هناك «أي مسلسل عربي» مكرس لقضية من قضايا المرأة تحديداً، وإنما تأتي المعالجة في داخل سياق المسلسل. والمفتاح السحري - برأيه - هو النص، فهو الذي يطوع أية قضية ويشكلها في المسلسل.

وكان للمخرج والفنان السوري حاتم علي رأي آخر، إذ يرى في تقييمه للأعمال السورية أن البطولة في الأعمال السورية كانت مناصفة بين المرأة والرجل، فالمرأة «حاضرة شئنا أم أبينا» في العمل، لأنها جزء من المجتمع، وبالتالي فإن المرأة والرجل - برأيه - «شريكان»، لا يمكن لأي منهما أن يبعد الآخر. مستشهداً بأعمال تاريخية عرضت على الشاشة السورية ببطولة «نسائية مطلقة» مثل شجرة الدر، أو عدد كبير من باقي الأعمال التي كانت البطولة فيها مناصفة بين رجل وامرأة.

وقد نقلت الدراما السورية «الواقع والحقيقة» بالنسبة إلى المرأة في المجتمع السوري في رأي علي، ونالت المرأة «أكثر من حقها» على صعيد الدراما والرواية. وهو أمر - يراه علي - مهماً لأنه يصنع صور المرأة في أذهان الجمهور ويمكنه أن يغيرها بالتالي. وفي عمله «الطريق إلى كابل» ركز علي على هذا الأمر بنقله واقعاً صعباً تعيشه الشخصية الرئيسية في العمل وهي امرأة «قامت بالدور الفنانة فرح بسيسو»، ونقله إلى صورة إيجابية جداً لتلك المرأة في مواجهة تلك الظروف، وكان العمل ينقل رسالة خاصة للمجتمع - بحسب علي - تركز أساساً على موضوع «المرأة في المجتمع الأفغاني».

الدراما المصرية: «المعادلة الصعبة»... مؤلف ومخرج يؤمنان بالمرأة

وبشأن الدراما المصرية، تفصل الفنانة المصرية نادية رشاد العوامل المؤثرة في الكتابة عن المرأة في الدراما والتلفزيون إلى جزءين رئيسيين، جزء خاص بمؤلف العمل، وجزء خاص بمخرجه. إذ تتحدد صورة المرأة في العمل الدرامي - برأيها - بمدى إيمان كل منهما بمشاركة المرأة في جوانب الحياة المختلفة، ودورها في المجتمع.

وترى رشاد أن البعض يسيء للمرأة عن «جهل»، إذ لا ينتبه لما يسبب ما يقوله من أذى لصورة المرأة، ويجري خلف السياق الدرامي من دون التفكير في الأبعاد الاجتماعية لما يطرحه، فيما «يتعمد» البعض الآخر - برأيها - الإساءة إلى المرأة في النصوص الدرامية نتيجة وجهة نظر «متدنية» من المرأة.

غير أن الدراما المصرية صورت المرأة «بشكل مساو للرجل» أحياناً، إن لم تكن متفوقة عليه في بعض الأعمال. وهي صورة - اعتبرتها - رشاد «غير واقعية على الإطلاق»، إذ لا يمكن أن تتفوق المرأة بهذا الشكل في المجتمع المصري، ناهيك عن أن التفوق في الدراما غالباً ما يكون - برأيها - في «الشر» وليس «للخير» إلا فيما ندر، وبالتالي فهي صورة سلبيةً، حتى وإن كانت صورة «قوية».

غير أن عدداً من الأعمال الدرامية نجحت في تقديم صورة إيجابية وواقعية للمرأة، تذكر منها رشاد مسلسل «أم كلثوم» الذي صور حياة أسطورة الغناء العربي الراحلة أم كلثوم لينقل للمشاهد سيرة حقيقية لفلاحة مصرية عادية جداً وصلت إلى القمة بمجهودها. علاوة على مسلسلات أخرى من قبيل ضمير أبلة حكمت، وهدى شعراوي.

تتبع رشاد أسلوباً آخر في أعمالها الدرامية يقدم المعوقات التي تواجهها المرأة في المجتمع، مثلما يقدم الإنجازات. إذ ترى رشاد أن هذا الأسلوب هو الأمثل لمعالجة القضايا التي تواجهها المرأة في المجتمع، مؤمنة بأن «تشخيص المعوقات قد يكون سبيلاً إلى إزاحتها» يوماً ما. هذا الأسلوب الذي تعيه رشاد تماماً وتتعمده واصفة إياه بـ «التحريضي والتبشيري» معاً، يمكن أن يبشر بما ينبغي أن يقوم عليه المجتمع بالنسبة إلى أوضاع المرأة.

«أميرة عابدين» لا يمكن أن تكون إلا «أميرة»

غير أن صورة المرأة «القوية في الشر» ليست خياراً بالنسبة إلى أميرة عابدين، الفنانة المصرية سميرة أحمد. إذ لا يمكنها أن تقوم بأدوار الشر لأن الجمهور «لا يصدقها» فيها. وتركز أحمد في أعمالها على الدوام على تقديم رسالة معينة للجمهور، تتعلق بالمرأة بشكل رئيسي، بحيث تخرج بإطار إيجابي لصورة المرأة في الدراما المصرية، بوصفها قادرة على العطاء. وتبدو أحمد متفائلة بشأن تصوير المرأة في الدراما المصرية، إذ إن هناك تطوراً مستمراً، بر أيها. ولا أدل على ذلك من مسلسلها الجديد الذي تعمل عليه حالياً بعد إنتاج مسلسلها الأخير «يا ورد مين يشتريك» الذي عرض في رمضان الماضي. ويدور مسلسلها الجديد حول فكرة عنوانها «اهدي يا ماما»، مصوراً أماً عصبية ومحتدة على الدوام في مواجهة أبنائها، وتنقدهم باستمرار، ناقلاً واقعاً تعيشه الكثير من الأمهات في المجتمعات العربية عموماً. فيما يطرح المسلسل مشكلات اجتماعية متعددة ويحاول معالجتها.

ويركز الفنان محمود الجندي من جانبه على أهمية النص الذي ينقل للدراما وطريقته في تصوير المرأة. إذ يشيد ببعض الشخصيات الفنية التي حملت على عاتقها معالجة هذه القضايا ومنها المخرجة إنعام محمد علي. غير أن المشكلة - برأيه - في أن غالبية من يكتبون للدراما التلفزيونية هم من الرجال، إذ إن المبدعات النساء قليلات في هذا المجال. وبالتالي فإن نظرتهم قاصرة عن جوانب أنثوية عدة، وهي مشكلة بعد أن أصبحت معالجة قضايا المرأة من الأولويات.

ومن إفريقيا أيضاً، وعبر وجهة نظر عربية أخرى، يقول مدير عام شركة أنهار للانتاج التلفزيوني والإعلام السودانية أسامة مرغني ابراهيم إن المرأة السودانية ظهرت عبر الإعلام السوداني بصورة مساوية للرجل، عاكسة بذلك واقعاً حقيقياً يعبر عن مساواتها الحقيقية للرجل في مختلف جوانب الحياة. وظهرت المرأة السودانية - التي وصلت إلى منصب قاضٍ ومستشار في محكمة الاستئناف العليا - بحسب إبراهيم مراعية التقاليد محافظة عليها، فيما لم تعكس التلفزيونات العربيةً صورة واقعيةً أو حقيقية للمرأة العربية - برأي إبراهيم - الأمر الذي وصفه بـ «الانفصام» بين المجتمع ووسائل الإعلام.

الدراما الخليجية: جانب رسمي «متفائل»... وواقع لا يخلو من «بكائيات»

وعلى رغم الانتقادات التي توجه إلى الإعلام والمجتمع السعودي عموماً، لـ «إهماله» المرأة في مجالات العمل الإعلامي، أو تضييقه الخناق عليها، يؤكد وكيل وزارة الثقافة والإعلام في المملكة العربية السعودية عبدالله صالح الجاسر أن المرأة الخليجية والسعودية تحديداً بدأت «تسابق الرجل في مجال العمل الإذاعي والتلفزيوني» بدليل وجود نماذج نسائية متميزة ومبدعة إعلامياً.

وعلى رغم أن الكثيرين في المجتمع الخليجي لا يشتركون مع هذه النظرة «المتفائلة» جداً و«الرسمية» جداً، فإن الجاسر يعود ليؤكد أن المرأة السعودية دخلت وبقوة في مجال الإعداد والتقديم، وخصوصا في السنوات الأخيرة التي شهدت ظهور بعض العناصر النسائية الخليجية التي تفوقت عربياً، والتي خرجت - برأيه - من دون تدريب، ما يدل على «واقع وجود المواهب المدفونة التي تحتاج إلى اكتشاف».

ويراهن الجاسر على قدرات المرأة الخليجية في مجال الدراما والإذاعة والتلفزيون، وكذلك البرامج الحوارية والسياسية، مؤكداً أن الإعلام منتج يشترك فيه الرجل والمرأة معاً.

ومن الكويت يشتكي الفنان الكويتي محمد المنصور من المرأة المشاهدة، والفنانة، والإعلامية، إذ يقول إن عاطفة المرأة قوية جداً، وتجعلها متقلبة على الدوام، وبالتالي فهي «لا ترضى بأي عمل يقدم إليها». ويرى المنصور أن على الرجل أن يتعرف على هذه الطبيعة، ويتعامل معها «بحذر»، إذ «مهما تقدم للمرأة في الدراما فلن تقبل به». غير أنه يعود ليستأنف حديثه بقوله إن ما تمت كتابته للمرأة في التلفزيونات الخليجية لم يعطها جل حقها، ولم يعكس واقعها الذي حمّلها المجتمع فيه مسئولية أكبر من الرجل. فقد ظهرت المرأة في الدراما الخليجية، ولكن ليس بصورة متكاملة.

«البكائيات» الخليجية تعكس واقعاً لا يمكن تجاهله

«لماذا هذه البكائيات في المسلسلات الخليجية؟»، هذا هو السؤال الذي بادرنا به الفنانة الإماراتية سميرة أحمد، وأجابت عليه بقولها إن تلك المسلسلات تعكس «واقعاً لا يجوز التهرب منه».

وترى أحمد أن قضايا المرأة بدأت تظهر في السنوات الأخيرة بشكل أجرأ وأقوى من السابق، ملاقية استحسان الجمهور. وتستشهد على ذلك بآخر أعمالها «مسلسل الدريشة» والذي تطرق إلى قضايا المرأة في أربع حالات نسائية بجرأة وواقعية. وفي هذا الصدد تؤكد أحمد أن نظرة الكتاب الخليجيين حالياً تركز على الموضوعات التي تقترب من المرأة والأسرة، إذ تنال هذه الأعمال إعجاب وتواصل الجمهور، ومتابعته المستمرة. لأنها تقترب من قضاياه اليومية.

وعن صورة المرأة في الدراما، تطالب أحمد جميع الفنانات الخليجيات بالبحث عن أعمال تقدم صوراً إيجابية للمرأة، وتجعلها محور الحبكة الدرامية، بعيداً عن اعتبارها شيئاً مهمّشاً أو مكمّلاً في العمل الدرامي. وهي مسئولية اعتبرتها «كبيرة» تقع على عاتق الفنانات الخليجيات.

وترى أحمد أيضاً أن المرأة الخليجية تتعرض لضغوط حياتية ومجتمعية كبيرة، وهو السبب الرئيسي - في رأيها - الذي أظهر الكثير من البكائيات في الأعمال الدرامية الخليجية. إذ إنها تعكس صورة واقعية لما تعانيه المرأة الخليجية، واقع لا يمكن التهرب منه.

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه أحمد المرأة الخليجية كل المجتمع (وليس نصفه)، بسبب الأدوار المتعددة التي تلعبها فيه، والمسئولية الكبيرة التي تقع على عاتقها، أشارت إلى أن من الطبيعي أن تواجه بالتالي عدداً لا حصر له من التحديات والمشكلات التي يجب أن تسلط الدراما التلفزيونية الضوء عليها. والمشكلة - برأيها - هي قلة الكاتبات الخليجيات اللاتي يمكن أن يعبرن عن هموم المرأة، إذ «مهما كتب الرجل عن المرأة، فلن يستطيع أن يتفهم واقعها بشكل حقيقي وواقع المشكلات التي تعانيها».

وعلى رغم وجود الأديبات والكاتبات في الخليج برأي أحمد، فإنهن لا يركزن على الكتابة للتلفزيون، على رغم ما له من جمهور كبير وتأثير على المجتمع مقارنة بالكتب المقروءة.

وخصوصاً أن المرأة الخليجية تختلف من مجتمع خليجي إلى آخر، وكل بلد له خصوصيته، وبالتالي ينعكس هذا الأمر على نوعية الأعمال. وعلى رغم أن هناك بعض الكتاب ممن يناصرون قضايا المرأة، فإن هذا «البعض» - برأي أحمد - غير كافٍ وبحاجة إلى الدعم.

ويشاركها الرأي ابن بلدها رئيس المسرح الإماراتي سلطان النيابي، إذ يقول إن الصورة الحقيقية للمرأة الخليجية لم تظهر بشكل كامل في الدراما، على رغم وجود اجتهادات مختلفة. ويعود هذا الأمر - برأيه - إلى وعي الكاتب بقضايا المرأة، وخصوصاً إذا كان رجلاً، ناهيك عن أن المرأة أيضاً ظلمت المرأة في كتابتها للدراما، وصورتها بصور غير واقعية. ويضيف النيابي أن الإعلام لم ينصف المرأة في الدراما وتجني في «استرخاص» قيمتها من خلال الإعلانات التجارية. ويأتي التغيير - في رأيه - بيد المرأة نفسها، إذ إنها تشارك في رسم الصورة التي وصلت إليها وتتحمل جزءاً كبيراً من المسئولية في رسم تلك الصورة. ويؤكد أن بعض الجهود بدأت تقدم أعمالاً مختلفة تحاول من خلالها تغيير الصورة، وتعبر عن اجتهادات وبصيص من الأمل، لكنها مازالت منقوصة، ويحتاج تفعيلها إلى تنمية الوعي عند المرأة والرجل بأهمية الصورة التي تظهر بها المرأة عبر الإعلام

العدد 1297 - السبت 25 مارس 2006م الموافق 24 صفر 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً