بينما كانت تلملم حاجياتها وكتبها استعدادا للخروج من الفصل بعد انتهاء المحاضرة، وجدت إحدى زميلاتها المنقبات قد أعطت الفتاة التي تجلس بجانبها شريطا، وبادرت بإعطائها نسخة أخرى من الشريط نفسه، والذي يحمل عنوان: «الصديقان وآل البيت (ع)»، إذ تبادر إلى ذهنها أن مضمون الشريط هو محاضرة تتطرق إلى علاقة الخليفتين الأول والثاني بآل البيت، إلا أنها تفاجأت حينما استمعت إليه، إذ وجدته شريطاً طائفياً يبعث على التفرقة بين المذاهب ويطعن في المذهب الشيعي باستخدام مقتطفات مسجلة لعالم شيعي في خطبته والرد عليه وعلى ما يقوله.
وجدت الطالبة - التي فضلت عدم ذكر أي بيانات تدل عليها - نفسها في حال من الذهول والتفاجؤ، وتقول إنها لم تكن تتوقع ذلك التصرف من الطالبة وخصوصاً أن التعرف عليها ممكن حتى وإن كانت منقبة وذلك من خلال صوتها المميز، عوضا عن أن الإساءة للمذاهب الأخرى أمر مرفوض، فتحركت على المسألة وطلبت من عضو مجلس الطلبة الممثل لكليتهم صادق الشعباني أن يتابع الأمر وسلمته الشريط الذي كان عندها.
وتذكر الطالبة بأن هذا الأمر ليس وليد اليوم والأمس، وإنما هو أمر يتكرر منذ عدة سنوات، إذ إنه وقبل سنتين من الآن تم توزيع منشورات ضد عاشوراء، ولم يتم التحرك على الموضوع بشكل صحيح على رغم التقدم بشكوى بخصوص ذلك، وتكرر الأمر خلال السنة الماضية أيضا، إضافة إلى أن ظاهرة تكسير الترب الحسينية التي يصلي عليها الشيعة ورميها في حاويات القمامة أمر يتكرر بين فترة وأخرى، على رغم أن قسم النساء في المسجد يفتح في فترة محددة وهي من الساعة 11:30 حتى الساعة 3:15، ويكون ممتلئاً طوال تلك الفترة بمرتادي المسجد للصلاة ومنظمي المكان، فمتى يستطيع فاعلو ذلك عمل ما عملوه إن لم تكن هناك جهة متعاونة معهم من أجل ذلك؟
مسلسل من الحوادث
لم تكن تلك حدود ما حصل، فقد أكد رئيس اللجنة الاجتماعية بمجلس الطلبة صادق الشعباني أن شكوى الطالبة قد كانت أول الغيث، إذ وردت إليه شكوى أخرى بأن هناك مجموعة كتب توزع داخل المكتبة على طاولات المراجعة بكميات كبيرة تحمل المضمون ذاته وتثير الفتن الطائفية ما يدل - بحسب الشعباني - على وجود ممول رئيسي لهذا العمل، حتى على الرغم من وجود كاميرات أمن في جميع الأرجاء، فرفعوا الأمر إلى رئيسة الجامعة للتحقيق فيه، إذ أبدت استياءها الشديد من هذا الوضع وطالبت بفتح تحقيق عاجل في الموضوع، إلا أنهم تفاجأوا في اليوم الثاني بأن مجموعة قامت بتكسير الترب في مصلى الفتيات، فتداركت الرئيسة الموضوع بإصدار أوامر لتوفير صناديق خاصة لحفظ الترب وبشكل مستعجل.
وكان يوم الأربعاء الماضي هو اليوم الثالث على هذه الحملة، إذ ذكر الشعباني بأنهم وجدوا تربا مكسرة ومرمية في استراحة كلية الآداب، وهو أمر يدعونا لطلب التعجيل في إصدار قرارات بشأن ما يحصل في الجامعة، إذ ذكر الشعباني أنه من المفترض التشديد على الأمن لعدم السماح لأي كان بالمساس بالأمور الطائفية، وتفعيل دور الاختصاصيين الاجتماعيين في الجامعة لتخفيف ما يحدث، أو أن على الجامعة السماح للطلبة بالقيام بالدور الرقابي في حال وجود هذه المخالفات كطلب الاسم وتحويله على الجهات المختصة.
الإعلام يضخم الأمور
إن ما تقوم به وسائل الإعلام و الصحافة من تضخيم للقضايا هو ما يثير الطائفية أكثر من توزيع الكتب والأشرطة برأي رئيس مجلس الطلبة أحمد الحربان، الذي ذكر بأنه لم يتمكن من رؤية هذه الكتب التي وزعت على رغم أنه سعى بطلب ذلك، إذ دعا إلى عدم إثارة هذه القضايا والسعي نحو حلها بشكل داخلي مؤكداً قدرة إدارة الجامعة على تخطي أي خلل في نظامها وذلك ما قدره من خلال تعامله الشخصي مع الإدارة والمسئولين بعيدا عن التراشق الإعلامي. وأوضح الحربان أن الأمر في نظره لا يصل إلى توصيفه بالعمل المنظم أو الموجه، وإنما هو تصرف شخصي لبعض الأشخاص وهو بدوره لا يشجع هذا التصرف وعلى الطلبة عدم الانشغال بهذه الأمور. وذكر أن أحد الكتب الذي شاع أنه تم توزيعه بين الطلبة يحمل عنوان: «نصرة النبي» وهذا الكتاب ليس صريحاً في التهجم على الطوائف، وإنما هناك بعض الأمور التي فيها خلاف، وهو أمر وارد ويمكن معالجته بالمناقشة والنقد، أي أن بعض الأمور تقابل بالمغالطة وسوء الفهم.
جاهلون بما يفعلون
هو تصرف شاذ عن المجتمع البحريني المتعايش المتحاب كما يقول رئيس اللجنة الخدماتية بمجلس الطلبة مال الله علي الخالدي، إذ يرى أن المجتمع البحريني في غالبية يقوم على الاحترام المتبادل بين الطوائف، ومن يقومون بمثل هذه الأعمال هم أناس لا يعون عواقب هذا التصرف الذي يهدد الوحدة والسلام الذي يعيش فيهما المجتمع البحريني، إذ يصفهم الخالدي بأنهم أناس يصطادون في الماء العكر ويريدون بالمجتمع فتنة، وكأنما يسعون لإيجاد عراق ثانية، والجميع وعي ذلك، فلا الشيعة ولا السنة في البحرين يميلون إلى تكفير غيرهم، وبذلك فإن من المفترض مواجهة الأمر بالعقلانية، وعلى الجامعة أن تكون صارمة في اتخاذ إجراءات تأديبية حازمة بخصوص هذا الموضوع.
ليست ساحة صراع طائفي
حددت قائمة الوحدة الطلابية هدفها في نبذ الطائفية والتفرغ للعمل الطلابي بشكل كامل كما صرح الناطق الإعلامي باسم القائمة أيمن الغضبان، إذ أكد أنه رأى الأشرطة المعنية من دون أن يتمكن من الاستماع لأحدها، وأضاف أنه اطلع على بعض الصور للترب المرمية في حاوية المهملات، وهذا التصرف برأيه هو تصرف طائفي و خاطئ وغير لائق بطالب جامعي، وعلى الجامعة اتخاذ إجراء وقائي كوضع خزانات للترب أو أشخاص معنيين بإعادتها والحفاظ عليها، كما أن من الواجب توقيف أي شخص يوزع أشرطة أو كتباً داخل الحرم الجامعي واتخاذ أقسى العقوبات تجاهه كفصله من الدراسة.
ومن وجهة نظر الغضبان فإن من وزع هذه الأشياء هو شخص من خارج الجامعة لأن الطلبة بشكل عام أوعى من أن يقوموا بمثل هذه الأمور، إذ أكد أنهم كقائمة الوحدة الطلابية يرفضون أن يصبح الحرم الجامعي مكان للصراعات الطائفية ويجب أن يكون مكانا للدراسة فقط، إذ أكد أنهم سيقفون إلى جانب قائمة «الطالب أولاً» لمجرد أنهم تضرروا مما حصل وليس لاعتبارات طائفية.
مع وقف التنفيذ
يحكي الطالب علي أنور أن حركة توزيع الكتب مضى عليها أكثر من عام، إذ إنهم يتخذون من المسجد منطلقاً لهم لبث الكتيبات والأشرطة التي تشكل هجوما على طائفة معينة والتشكيك في مذهبهم بالإضافة إلى تكسير الترب الحسينية الموجودة في مسجد الجامعة ورميها في القمامة، ويذكر أن مجموعة من الكتب وصلت إلى متناول يده وهي «الأجوبة النورانية في الشعائر الحسينية، من قتل الحسين، لله ثم للتاريخ» وهي جميعها ذات محتوى يشيع الطائفية، ويشيع أن العقائد الأخرى باطلة وأن كل ما يقومون به بدع وشرك بالله، وعلى إثر ذلك فقد آثرت مجموعة المصلين رفع ما استطاعوا الحصول عليه إلى مجلس الشيخ حسين النجاتي للإطلاع و إبداء الرأي، إلا أنهم آثروا الصبر وعدم التصرف في الوقت نفسه.
من جانبه يرى أنور أن هذا الأمر غير محبب ويثير الفتن في المجتمع الطلابي الغني عنها، ولا يعرف من المسئول عن هذا التصرف إلا انه يتساءل عن كيفية التوزيع ووقته، إذ وجدت مجموعة من الأشرطة في المسجد في إحدى الفترات من دون أن يرى أحد الشخص الذي احضرها، وكتصد لذلك فإن مجموعة من المتطوعين يذهبون للمسجد قبل الصلاة بفترة لمراقبة الوضع ولتجنب أي من هذه الأعمال.
وعلى امل ان تصلنا نتائج التحقيق في القضية، فاليحفظ الله شعب البحرين من مريدي الفتن والتفرقة
العدد 1298 - الأحد 26 مارس 2006م الموافق 25 صفر 1427هـ