«يعتبر حق الحصول على المعلومات حقا قانونيا لأي شخص من أي جنسية كان، سواء كان مقيماً أو لم يكن ولأي سبب كان، على أن تطلب المعلومات خطياً عن طريق الفاكس أو البريد الإلكتروني...»، جاء هذا ضمن قانون حرية المعلومات في بريطانيا الصادر العام 2000م الذي دخل حيز التنفيذ في الأول في يناير/ كانون الثاني من العام الماضي، فيما لايزال مصطلح «الخصوصية» يمثل حق أفراد أي مجتمع «معلوماتي» لتكون حمايتها الأهم، وذلك لأنها تحمي كرامة الانسان وتعبّر عن حقيقته، في الوقت الذي قد يتساءل البعض عن العلاقة التي تربط حق الحصول على المعلومات بالخصوصية وحقوقها؟
ولكن السؤال هنا هو: هل نحن في البحرين بحاجة إلى تلك الخصوصية لكي تُمنع أو تُحجب عنا المعلومات من قبل الجهاز المركزي للمعلومات؟ أم أننا دخلنا عوالم قرصنة المعلومات كي تحجب المعلومات ليس عن أفراد المجتمع فحسب، وإنما أيضاً عمن هم بحاجة إليها كلّ في مجال عمله؟
فبعض المترشحات للانتخابات المقبلة تعرضن لحرمان واقعي من حصولهن على المعلومات التي بالتأكيد ستساعدهن في ترتيب أوراقهن تمهيداً للترشح، وذلك عندما قررن كل على حدة الحصول على المعلومات التي طلبنها لجدولة خطواتهن المقبلة للترشح للانتخابات المقبلة، فالمترشحة للانتخابات النيابية المقبلة للمحافظة الوسطى وتحديداً للدائرة الأولى أمل الجودر، قالت: «إنني أجريت اتصالاً مع أحد المسئولين بالجهاز المركزي للمعلومات أوضحت له من خلاله أنني نويت الترشح للدائرة الأولى في مدينة عيسى وبذلك فإنني أود الحصول على معلومات محددة وصريحة تتعلق بالمواطنين الذين يقنطون في هذه الدائرة منها عدد الإناث والذكور، بالإضافة إلى الفئات العمرية، ومستواهم الاقتصادي، وذلك لأرسم في تصوري عدد السكان، على رغم أن تلك المعلومات أيضاً ستحتاج إلى جهود كبيرة لمتابعتها».
وأضافت الجودر أن «المسئول المعني أخبرني أنه لم يسبقها أحد في طلب معلومات كهذه في الانتخابات البلدية أو النيابية الماضية»، موضحة أنه «طلب مني التقدم بطلب رسمي للحصول على المعلومات السابقة»، منوهة إلى «أنني بدأت بمخاطبتهم شفوياً ومن ثم رسمياً في شهر رمضان».
وبحسب الجودر فإن «المسئول أكد لي أنهم في جهاز المعلومات أنهم سيحاولون توفير جميع المعلومات السابقة أو المماثلة لها لجميع المترشحين والمترشحات»، مشيرة إلى «أنني استمررت في مراجعة المسئولين في الوقت الذي أكدوا لي أنهم شكلوا فريق عمل لمتابعة الموضوع، إلا أنني لم أحصل على نتيجة على رغم أنني تابعت الموضوع معهم لفترة طويلة».
وأكدت الجودر أنه «من حق أي مواطن الحصول على المعلومات التي يريدها إذا كانت لا ترتبط بالخصوصية، في الوقت الذي نحن نتحدث عن نسبة وتناسب فقط ولا علاقة لها بالأسماء حتى»، معتبرة أنه «لا ضرر في ذلك، وذلك لأنه أسلوب حضاري، وخصوصاً أننا نعيش في عصر العولمة».
وأسفت الجودر «من أنني يأست من عدم حصولي على المعلومات التي أردتها، إلى أن أعددت قوائم بأسماء المواطنين في دائرتي عن طريق مجهودي الشخصي والذي بحاجة إلى جهد كبير للوصول إليهم، في الوقت الذي لاقيت فيه تعاملاً جيداً من مسئولي الجهاز».
ومن جانبها، قالت المترشحة جميلة السماك: «إنني تحدثت مع مديري أقسام في جهاز المعلومات، وقالوا: إنهم لا يستطيعون الإدلاء بالمعلومات التي طلبتها التي تتعلق بأسماء وجنس سكان الدائرة بمحافظة العاصمة، كما أخبروني أنهم سينشرونها على صفحات الإنترنت في وقتها»، متسائلة: «متى سيحين ذلك الوقت؟»، مشيرة إلى «أنني كررت لهم الطلب نفسه في وقت لاحق إلا أن الإجابة لم تتغير»، معتبرة أن «التعامل مع المترشحين للانتخابات بشقيها بهذه الطريقة لن يخدم الصالح العام».
وأوضحت السماك «أنني فقدت الأمل بل ومستاءة من عدم حصولي حتى الآن عن المعلومات التي أريدها، والتي تتوافر في الدول الغربية بسهولة وحتى على شبكات الانترنت»، مؤكدة أن «طلبي تمثل في الحصول على عدد المجمعات في دائرتي وعدد سكانها، إلا أنني بعد ذلك حاولت جاهدة الحصول عليها مستخدمة طريق البحث الشخصي»، متسائلة عن «السرية التي تمنع من حصولها على المعلومات السابقة».
وأضافت السماك أنه «على رغم أن حصولي على المعلومات السابقة ليس من مهمات محافظة العاصمة، فإنني وبعد أن أخبرت من قبل مسئولي جهاز المعلومات بالاتصال بهم للحصول على تلك المعلومات، فحصلت على عدد المجمعات في الدائرة فقط من خلال موقع المحافظة الإلكتروني»، معتبرة أن «كل مترشح له الحق في الحصول على المعلومات بل وحق الأفراد أيضاً».
واسترسلت السماك: «إنني لا أرى في المعلومات وخصوصاً التي تتعلق بالأعداد أو الأرقام أية سرية»، متسائلة عن الخطورة التي تمنع ذلك، «وخصوصاً أن أفراد المجتمع قادرون على التأقلم مع أيّ كان في حال رفضه الحديث معنا أو العكس، بسبب أنهم لن يستفيدوا أو يخسروا شيئاً إذا ما تواصلنا معهم»، مستطردة «أنني وبعض المترشحات تحدثنا عن هذه المشكلة مع ممثل الأمم المتحدة، لنكتشف أنه أيضاً يفتقد للمعلومات نفسها».
ونوهت السماك إلى أن «المجلس الأعلى للمرأة ومن خلال توجيهات قرينة عاهل البلاد أبدى اهتماماً كبيرا بالمرأة وذلك من خلال إعداده الجيد لنا عن طريق برنامج تمكين المرأة، إلا أننا نأمل منه التعاون مع (جهاز المعلومات) للترتيب معنا وإمدادنا بالمعلومات اللازمة لحاجتنا لها».
أما المترشحة حنان الكواري، فقالت: «إنني طلبت معلومات عن دوارات مدينة حمد من خلال إجرائي اتصالات هاتفية مع جهاز المعلومات وأخبرتهم أنني أود الحصول عليها لأنني سأرشح للانتخابات النيابية وبحاجة إلى معرفة المجمعات ومعلومات أخرى»، عازية ذلك إلى «أنني كنت أريد أن أنفذ بحثاً ميدانياً»، مشيرة إلى «أنني في كل مرة كنت أتحدث لأشخاص مختلفين وصل عددهم إلى ستة موظفين، إلى أن أخبرني أحدهم أنه لابد أن أراجع وزارة الأشغال والإسكان، إذا ما أردت الحصول على خرائط معينة كنت قد رأيتها في أحد المكاتب الحكومية»، مشيرة إلى «أن أحد موظفي الوزارة الأخيرة قال لي: إن تلك الخريطة توفرها (شئون البلديات والزراعة)، والتي بدورها أخبرني أحد موظفيها بمتابعة الموضوع مع بلدية المحافظة وإدارة التخطيط العمراني في بلدية المنامة». ونوهت الكواري إلى «أن أحد موظفي (الأشغال والإسكان) أخبرني أنه لا يمكن للأفراد عموماً الحصول على الخرائط النموذجية، فقدم لي بديلاً عن الخريطة كتاباً يحتوي على معلومات أرشيفية عن مدينة حمد»، آملة في «الحصول على أبسط المعلومات والتي تذكر نسبة الذكور إلى الإناث»، آسفة في الوقت نفسه من أن «الجهاز المركزي للمعلومات لم يكن متعاوناً معي».
ومن جانبه، أكد مدير معهد فلكس ترين للتدريب والاستشارات عبدالنبي مرهون حاجته الملحة إلى «مراجعة الموقع الإلكتروني (لجهاز المعلومات)»، مشيراً إلى «أنني استفدت الكثير من المعلومات الواردة فيه»، في الوقت الذي آمل أن «تكون المعلومات تفصيلية أكثر، وخصوصاً أن مهنتي تتعلق بتقديم دورات تدريبية لأشخاص إداريين وبالتالي فإن ورش العمل أو الدورات التي أقدمها بحاجة إلى صرف أموال كثيرة وبذل جهود كبيرة»، موضحاً أن ذلك يتم «من خلال دراستي لسوق العمل».
وأكد مرهون «حاجتنا في البحرين إلى وفرة المعلومات كبقية الدول»، معتبراً «المعلومات هي خبز المديرين، والتي نعتمد عليها في بناء قراراتنا قبل أن نغامر في أي مشروع»، منوهاً إلى أنه «إذا كانت القوانين لدينا لا تقبل بنشر المعلومات للجهات التي تطلبها فلابد أن يعاد النظر فيه، وخصوصاً إذا ما طالب الكثير بذلك».
أما الباحث الأكاديمي المتخصص في السياحة والثقافة راشد نجم، فقال «إن مفهوم الحق في الحصول على المعلومات أو حرية تداولها تعني الحق في الحصول على المعلومات التي تحتفظ بها الجهات الرسمية، ما تولد مفهوماً شائعاً في المجتمعات أنه حق من حقوق الإنسان»، عازياً السبب في ذلك التغيير إلى «أن الجهات الرسمية يجب ألا تحتفظ بالمعلومات لنفسها بل أن تمارس دور المشرف على المصالح العامة، لتكون المعلومات متاحة للأفراد في ظل عدم وجود مصالح سرية»، منوهاً إلى أنه «تم الاعتراف بحرية المعلومات في الأمم المتحدة على أنها حق أساسي في وقت مبكر»، مشيراً إلى أن «الجمعية العمومية في الأمم المتحدة تبنت القرار رقم 59 في العام 1946م أثناء انعقاد جلستها الأولى، والذي نص على أن (حرية الوصول إلى المعلومات حق إنساني أساسي و... معيار الحريات كافة التي مـن أجلها تـم تكريس الأمم المتحدة)».
وأضاف نجم «لكننا نجد أن الواقع الفعلي سواء على المستوى العربي أو المحلي يضع قيوداً كبيرة على حرية المعلومات وتداولها من منطلق أن المعلومات خاضعة لسلطة الدولة وتداولها يخضع إلى صلاحيات المراتب العليا فيها»، منوهاً إلى أن «المشروع الإصلاحي لعاهل البلاد المفدى خلق فضاءً واسعاً من المشاركة الديمقراطية وممارستها ودعا إلى المزيد من الشفافية».
وأوضح نجم أن «الديمقراطية تتعلق بقدرة الأفراد على المشاركة بشكل فاعل في عملية صنع القرار من خلال آليات المشاركة التي نص عليها الدستور، والشفافية التي تتمثل في الإفصاح عن المعلومات التي تعزز مسيرة الديمقراطية»، مضيفاً أن «الجهاز المركزي للمعلومات هو الجهاز الرسمي المسئول عن جمع وتداول المعلومات العامة والرسمية التي لا يمكن الوصول إليها بسهولة إلا من خلال تعقيدات كثيرة رسمية تجعل من يطلبها يصرف النظر عنها ويبحث من خلال وسائط خارجية ربما تعطيه معلومات مضللة تضر بوطنه من غير انتباه»، منوهاً إلى أنه «في حال غياب المعلومة الصحيحة من مصدرها فسيفتح الباب أمام جميع الافتراضات والتخمينات والاستنتاجات التي ربما تكون غير دقيقة أو غير صحيحة على الإطلاق».
واعتبر نجم أن «عملية التصويت في الانتخابات المقبلة ليست عملاً تقنياً فحسب فقط»، موضحاً أنه «من أجل أن تؤدي الانتخابات مهمتها المنصوص عليها في الدستور ونظام الانتخابات سواء للمجالس البلدية أو النيابية فإنه ينبغي أن يصل جمهور الناخبين إلى المعلومات»، مضيفاً أن «الديمقراطية التي ينشدها المشروع الإصلاحي لجلالة الملك تتعلق بالمساءلة والحاكمية، وبحق المواطنين في متابعة ومعرفة وتقدير أداء الحكومة والنواب، وكل ذلك يعتمد على الحصول على المعلومات المتعلقة بالوضع الاقتصادي والأنظمة الاجتماعية وأمور أخرى ذات اهتمام عام».
كما نوه نجم إلى أن «وضع القيود على شفافية المعلومات سيحد من قدرة الأفراد على التعامل معها وتفسيرها وتنقيتها والتمييز بينها؛ ومن ثم الاستفادة منها ما يخلق مجتمعًا «عاجزًا معلوماتيًا»، من السهولة التحكم في مزاجه العام ورغباته وتشكيل أولوياته، والتي تعتبر من أخطر الأمور على أي نظام في ظل مصالح الدول الكبرى التي تمسك بخيوط الاتصال المعلوماتي متخطية بذلك سلطة النظم الحاكمة وسيادة الدول».
يذكر أن الكثير من الشركات العالمية في الدول الغربية تلجأ إلى إجراء وإعداد إحصاءاتها السنوية لموظفيها شاملة بذلك جميع المعلومات سواء الخاصة أو العامة، في الوقت الذي تعلل فيه تلك الشركات العمل الإجرائي «المتميز» بعدم رغبتها في الحصول على المعلومات بعد طول انتظار للحكومة
العدد 1323 - الخميس 20 أبريل 2006م الموافق 21 ربيع الاول 1427هـ