العدد 1373 - الجمعة 09 يونيو 2006م الموافق 12 جمادى الأولى 1427هـ

عافت: عليّ أن أقتل شعري كي أبدأ في تشريحه!

في برنامج «عذب الليالي»

استضافة الشاعر العذب والصديق الرائع فهد عافت، يوم الاثنين الماضي، الموافق يونيو/ حزيران الجاري، في برنامج «عذب الليالي» الذي تبثه mf cbM ويقدمه الزميل عدنان الدخيل، عزز من تنامى شعبية البرنامج يوما بعد يوم. الحوار اتسم بالجديّة والعمق والحرفنة، والاجابات جاءت أكثر عمقا. على امتداد ساعتين لم يشعر المستمعون بالزمن، لأن عافت استطاع طوال تلك الفترة أن يملأه بالمدهش والثري والمختلف.

لم تخل الاجابات من اعترافات، ربما يعرفها الكثير من القرّاء للمرة الأولى، ولم يبد عافت متصنّعا أو مُربكا، وربما عدم الارباك بسبب أن اللقاء تم من خلال الاتصال الهاتفي. ذلك لا يعني أن عافت يمكن ارباكه ببساطة أمام الميكرفون أو الكاميرا، بل لأن طبيعة تلك الأمكنة تولّد نوعا من القلق، حتى لو اعتادها المرء لسنوات طويلة، على الأقل مع الدقائق الأولى من بدء اللقاء.

عاما في العمل الصحافي، كاتب، شاعر عصامي بكل ما في الكلمة من مدلول ومعنى، اتجه أخيرا الى الكتابة الدرامية، وأنهى كتابة سيناريو فيلم قصير، شاعر فصيح من الدرجة الأولى قبل أن يتجه بكليّته الى الشعر الشعبي، في محرقة ساهمت فيها الصحافة بدور كبير في تشتت اهتماماته وأحيانا تنظيمها.

من لم يعمل مع عافت لن يعرفه كما يجب، وإن صاحبه أحدنا لسنوات، في علاقات العمل تتضح أمور كثيرة، مثله مثل عشرات. بل مئات من الشعراء والفنانين، لن ينجو من حال من المزاجية، وأحيانا في درجاتها الخطيرة والحرجة، بل والمكلفة، المكلفة بالنسبة له وللذين هم من حوله. ولذلك تفاصيل أحتفظ بها .


قتل الشعر وتشريحه

واحد من الأسئلة البسيطة والعادية بشأن بيت شعر لعافت موضوعه «البدون» عن طفل/ أطفال ملغّمة بها تلك القائمة القاتمة من بشر يجدون أنفسهم في مهب الريح، والضياع، وتأجيل الانتماء من خلال بطاقة هوية أو جواز سفر، يشتغل عافت على تلك القيمة بسخرية وعمق حاد. ويوم أن طلب الدخيل من عافت أن «يشرح» ذلك البيت الذي لا يحضرني نصه، لم يتردد أو يتصنّع عافت الإجابة على السؤال، وبكل حضور بديهة أجاب: «لا أستطيع أن (أشرّح) شعري، عليَّ أن أقتله أولا كي استحضر المشرط وبقية الأدوات لأشرع في التشريح!».


مصائب الساحة!

الساحة الشعبية في المملكة العربية السعودية، والخليج عموما، كان لها نصيب من التناول وأحيانا التهكم، لأنها ساحة - كما وصفها - تكتنز ومليئة «بالمصائب»، وكان بصدد دفع مذكراته الى الطباعة الا أنه عمد الى صرف النظر عنها بعدما اتضح له مع مرور الوقت كم هي الساحة مرشحة الى انتاج مزيد من المصائب، ما يكشف أن المذكرات التي اشتغل عليها لن تمر مرور الكرام على تفاصيل فيها من العادي الكثير، وهو ما يتجنبه عافت، اذ نصب عينيه الغريب وأحيانا الشاذ من تلك الساحة، ما سيترتب عليه فتح أكثر من جهنم في وجهه!


يمكنك أن تسحب «الشاعر الكبير»

لا يخجل عافت من عدم معرفته، ولعل كثيرين أيضا لم يعرفوا أن فهد عافت واحد من الشعراء الشعبيين الكبار الذين لا يعرفون من قريب أو بعيد بحور قصائدهم!. حين قرأ قصيدة «مريم» - ويبدو لي عن علم مسبق لدى المعد - سأله عن بحرها، وفي أقل من جزء من الثانية أجاب: «والله أنا مالي في البحور... يعني ما أعرف لأي بحر تنتمي القصيدة»، ما دفع الزميل الدخيل الى التساؤل: «معقولة شاعر كبير وما يعرف البحور؟» ولأنه حاضر كما يجب، لم يتردد في وضع الدخيل في ركن من المكان أو ربما الشعور: « والله اذا كان لقب شاعر كبير، تراه كبيرا عليّ لأنني لا أعرف البحور، فأنا مستغنٍ عنه ويمكنك أن تسحبه!».


كل تلك المشروعات تخلت عني

المشروعات الصحافية التي تنقل فيها عافت كثيرة، بدءا بالصحافة الكويتية، مرورا بإشكالاته مع ناصر السبيعي في مجلة «المختلف»، و«فواصل» التي أسسها المغفور له بإذن الله تعالى الشاعر والكاتب طلال الرشيد، والتي قال عنها إنها مجلة «أقل من عادية» وإن «المؤسسين لها أهم منها بكثير»، وليس انتهاء بمجلة «حياة الناس» و«قطوف»، كل مشروع من تلك المشروعات له اشكاله وقضيته مع عافت، وهو لم يتردد في القول إنه «لم يتخل عن تلك المشروعات، بل أصحابها هم الذين تخلوا عنه»، ما يكشف أن الرجل هو الآخر له اشكالاته وصداماته، الحق كان معه في جانب منها، ما يعني أنه في جانب آخر على النقيض من ذلك.


التلمذة والأستذة!

في يومنا هذا بات عدد الأستاذة أكثر من التلاميذ، كل يريد أن يخطف ما ليس له وإن لم يحسن بعد «فك الخط». عافت له رؤية أخرى لخصها في أن من أسرار عظمة الشخص، أن يستطيع الاستمرار في أداء دور التلميذ عن قناعة. «أي شخص يستطيع أن يكون أستاذا، ولكن ليس أي شخص يستطيع أن يكون تلميذا»، «الأستذة أمر سهل، والتلمذة أمر صعب». ماذا عن استاذه هو؟ الاجابة أيضا تأتي غير مباشرة عادة، «كل الشعراء أستاذهم المتنبي، لكن اذا أردت من الأحياء فأستاذي بدر بن عبدالمحسن».


الأمية الأخلاقية!

ربما تكون اجابة فهد عافت على سؤال يتعلق بترتيب أوضاع الساحة الشعبية، واحدا من الاجابات الملفتة والعميقة والمهمة، بإرجاع حال الساحة الى الحال الأدبية، و«الحال الأدبية عمرها ما تترتب مثل الدوام!». «الحال الأدبية مثلها مثل ابن الصحراء وابن البحر، غير ثابتين... هناك كم هائل من الأمية الأخلاقية في هذه الساحة».


قصيدة الغليون

قصيدة «الغليون» التي قرأها عافت أثناء البرنامج، خارجة على الزمن، وتحديدا، الزمن المقبل، خارجة على عام من الفهم، لا الكلام، قصيدة بحاجة الى ما يشبه المعجزة كي يتم ضخ وعي وادراك جديدين في امكانات هذه الساحة فعلّ يقبل عليها عشرات الآلاف من أميي الساحة الشعبية الذين مازالوا يعتقدون أن بيدهم «الحل والربط»، قصيدة موغلة في الامتحان... في الاعجاز... في إسدال الستار على وضوح تريده الساحة بحسب اشتراطاتها... قصيدة متورطة في رياضة العقل واللغة والمفردة والمعنى

العدد 1373 - الجمعة 09 يونيو 2006م الموافق 12 جمادى الأولى 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً