العدد 1373 - الجمعة 09 يونيو 2006م الموافق 12 جمادى الأولى 1427هـ

أنا خارج الضوء... والنص ليس نهاية المعرفة

الحايكي لـ «ريضان»:

اللقاء مع الشاعر البحريني سلمان الحايكي لا يخلو من إشكالاته، لأنه محفوف بالكثير من المفاجآت، تبدو إجاباته على الأسئلة ضخاً لأسئلة أخرى، أو إعادة صوغ لها، يذهب باتجاه الريح في محاولة للقبض عليها، من دون أن ييأس من أن جميع المحسوسات قابلة للقبض عليها، فقط هو يحاول أن يؤنسن الأشياء والأمكنة من حوله بحيث نتحول في ومضة إلى جلاّس لهم صفة الأصدقاء، لهم صوت اختلافهم واتفاقهم معه. يتبرّم ساعة يجد الثابت ممعناً في ثباته، والمتحرك في طريقه إلى الثبات.

في الحوار مع «ريضان» لم يوفر الحايكي أحداً، ليس من وجهة التحامل أو الاستقصاء، بقدر ما هي من وجهة رؤيته ونظره الذي يريد له أن يكون مغايراً ومختلفاً. ترعبه بدرجة كبيرة النُسخ الكربونية، تحبطه التماثلات الغبية، والأصوات التي تعج بحقائب السامسونايت، يخذله الإنسان الذي يتحول إلى وعاء استجداء من أي نوع كان، لكنه لا ييأس في الوقت نفسه من إنسان على النقيض من كل ذلك... إنسان له صفة الخلق والبشارة يمعن في كبريائه المتزن الذي لا يخلّ بسمو تكوينه. هنا الحوار:

* إلى أين تأخذك ثنائية العلاقة في كتابة النص، بين العامي والفصيح؟

- حين أنظر إلى جسد الشعر عندي... لا أستخدم السكاكين لتقطيعه بين عاميٍ وفصيح... الشعر في نظري أشبه بحديقةٍ تحتضن ألواناً من الزهور... كل لون يشكل ألواناً متعددة أحترق فيها وأنصهر... فالزهرة التي تتحدث بالعامية أترجم حديثها الى اللغة الفصيحة... لا فرق بين الزهرتين... فالثنائية علاقة وجدانية تصبّ في إناء واحد... المرأة والرجل حال ثنائية قديمة والعامية والفصيحة حركة ترعرعت في أحشاء التاريخ يشكلان نصاً واحداً لا يتغير.

* هل ثمة برزخ يمكنك الوقوف عليه بين التجربتين؟

- ليس برزخاً... هو أن القمر لا يمكنه أن يعطي ضوءاً من دون أن يستفيد من غياب الشمس... والبرزخ رؤية متناثرة في فراغ جامد... تمكنت بعد سنين من تجميعها في فضاء واحد.

* في أي من التجربتين يجد الحايكي نفسه، بالصوت والملامح وربما الانفلات الذي يريده؟

- لم أجد نفسي في أي مكان حتى الآن... أنا قلت: أنا خارج الضوء، أجبرت نفسي على أن أعيش في الظلام... وإن قلت خارج الحرية يتحتم عليّ أن أكون عبداً تُسيّرني الأوهام... لا أسمع الموسيقى كصوت... بل أعيشها كمادة لها طبقاتها الوجدانية... إن الملامح الجاهزة تقتل عندي سمة الخلق... والانفلات أشبه بتدحرج صخرة من فوق قمة جبل... تتناثر خلفها أحجار كثيرة!

* تنطلق في قصيدتك من تفاصيل لها صفة البدء... التاريخ... الأمس كثيراً ما يكون حاضراً في مساحة كبيرة من نصوصك. هل هي غربة اللحظة على مستويين: الزمن والنص؟

- التاريخ الذي أعيشه صناعة مادية كان ومازال إبداعاً بشرياً... أولئك كانوا نجوماً تلألأوا في عبق القصيدة فتحول الأمس الذي أسسوه حاضراً زاخراً بعذاب الجمال... والموروث في الزمن يفجره النص... والنص يُعيدني إلى أزمان تتكرر بأشكال الحضارات... فقد كانوا غرباء لكنهم جعلوا غربة الجسد نصاً حياً له سمة الصيرورة والانصهار في الوجود الآني.

* إذا كان لابد أن يحدد المرء موقفه من شكل ومضمون واتجاه النص، إلى أي شكل ومضمون تنحاز: نصِّك العامي، أم الفصيح؟

- إذا كان لابد أن يحدد المرء موقفه من شكل ومضمون واتجاه النص - بحسب صوغ السؤال - فإني أشعر أن أختار لنفسي السجن المناسب... وحين أدخل السجن بمحض إرادتي سأقبل سيف الظالم المسلّط على رأسي... أو أتحول إلى «ترزي» أستخدم أنواعاً عدة من الأقمشة الحريرية وأصنع ضد إرادتي ما يناسب البشر ولا يتفق مع تكويني الوجداني... دعني أقول: كيف يمكنني أن أحدّد المقصلة التي أضع رأسي تحتها؟!

* تظل واحداً من قليلين لا تعتمد في معرفتها على النص وحده، في صيغته النهاية، بمعنى آخر: نصك ليس نهاية معرفتك. كيف تنظر إلى هذه الظاهرة من خلال تتبعك للتجارب الشعرية العامية المحلية؟ هل النص هو أول ونهاية المعرفة؟

- طبعاً ليس النص هو نهاية المعرفة... فالنص عندي بحسب تجربتي الذاتية - بعد نشره - لا يتحول إلى كتلة مادية جامدة... لأن جزئيات النص لها علاقة بالتاريخ البشري... ليس كالسمكة تفقد قدرتها على الحركة بعد تحررها من الماء... هو نص يقدم نفسه كي تطول إقامته بين الناس... لا يفرض وجوده، بل يؤسس لما بعد الوجود... بمعنى أن حركته إرادية ولا إرادية والتاريخ حركة بشرية عمرانية... ليست ذات طابع هندسي، ومع التبحر في تاريخ الحركات البشرية يستمر النص متداخلاً ومتقاطعاً عكس بعض التجارب المحلية العامية إذ نقرأ نصوصها فنشعر بأنها كتبت لتموت لأنها نتاج وعي آني.

* هل تجدني محقاً فيما ذهبتُ إليه ، بشأن حال التصحر في القراءة لدى كثير من شعراء الساحة الشعبية؟

- الشاعر (العامي) يقرأ الشعر العامي لا غير... يعتمد في قراءته على الشعر المحض ويعتقد أن هذا اختصاصاً كلما تبحّر فيه اكتسب الكثير من الأدوات الشعرية... لهذا تجد من يقرأ قصيدة غيره ويحاول أن يكتب في اليوم التالي شبيهاً لها، وهذه ثقافة تعسفية أو تصحر فكري، وأنت محق فيما ذهبت إليه... وأعتقد أن الكثيرين يرون قراءة الشعر العمودي الفصيح، شعر التراث... كالمعري والمتنبي وأبي تمام والبحتري ترفاً ومضيعة للوقت، لأنه يصطدم بالشعر العامي، لذلك تجد السطحية سافرة في معظم النصوص العامية الحديثة.

* من خلال قراءاتك واهتماماتك المتنوعة: ما الذي تركته تلك الاهتمامات من أثر في نصك العامي؟

- ليس شرب الماء يقتل العطش... وليس الانكباب على القراءة يقضي على الجهل ويزيد المعرفة... المسألة ماذا تقرأ ولمن تقرأ وبعد ذلك تقول تكتب لمن... القراءة في نظري هاجس يومي... ليس قراءة الصحف اليومية... التاريخ يعجّ بالبشر، الشجرة تضم بين جوانحها ثقافة، عيون الناس ثقافة، الحوار ثقافة، أمواج البحر لغة ثقافية يومية، الصمت ثقافة، الجمال والقبح، تناقضات الكون... صراع الإنسان من أجل العدل والمساواة والحرية... كل ذلك ثقافة، والنص العامي هو في اتساع الحياة... كيف يمكنك أن تعيش في نصّ ضيّق؟!

* أعرفك بصراحتك الحادة، كيف تنظر إلى الساحة الشعرية الشعبية في المملكة؟

- حين تقرأ نصاً شعبياً ولا يترك أثراً فيك... وكلما أوغلت في القراءات تفتحت أمامك أبواب جهنم... صراعات وخناجر ومؤامرات... جرائم وسرقات، قصائد تستجدي الجيوب وتهرول نحو الآفاق الوعرة... توصف فيها الأحذية والسراويل الضيّقة وكلاب المجتمع الضالة... في المجالس الوثيرة والساحات المكتظة بالمصفقين والمصفقات... كيف بإمكانك أن تجد نصاً يسترخي بين أعصابك؟... كتاب يجيدون تطويع النص لتخدير السلطان، يقفون بين يديه كالأواني الخزفية، يبتسم في وجوههم وهو يعلم أنهم جاءوا لبلاطه يسترزقون، هم كالسفن المثقوبة والألسنة المعطوبة... يشيّدون قصوراً من الرمل الغبي والحصى المتناثر... يتسابق الأول ليثقب عين الثاني... ويأتي الثالث ليقمع الرابع، وتستمر الحرب بين النص وقائله، ويُسدل الستار على مسرح ضيّق نسميه مجازاً/ نفاقاً يتسع كل يوم لمن يرتدي الحرير الناعم والسفط الملون... في حين تجد القابضين على الحجر هم أصحاب الرسالة منتشرين في ضلوع الجبال مُستمسكين بعروة الشعر الوثقى... لا يميلون مع الهوى ويفجرون ينابيع الصدق وأنهار المودة ويعيدون التاريخ الشعري إلى صوابه مهما تكاثر حولهم النمل... وحوصروا بنقيق الضفادع وعواء الذئاب حول الفريسة.

الساحة الشعرية الشعبية - يا سيدي - تبرأت من كثيرين جداً... حتى لو فتحوا لهم الأبواب وشرَّعوا النوافذ... لا يمكن أن يستمروا... القبح يفضحهم، والتخمة تعصرهم، لو زلزلوا الأرض بنصوصهم واقتحموا القصور والمجالس سقطة واحدة ستعريِّهم... وما أكثر الذين تساقطوا وما أقل الذين تمسّكوا... إن الكثرة ليست دليلاً على القوة ومعركة الثقافة لا يدخلها الخداج!

ماذا عن الأصوات والأسماء التي تعوّل عليها كثيراً... هل يمكنك تلمس مشروع شعري لدى تلك الأصوات؟

- في المرحلة الابتدائية تتعلم أبجدية الحروف... لديك () حرفاً... كل حرف يبدأ ولا ينتهي... ولا يمكنك أن تختار صوت «الباء» وتفضله على صوت «الحاء»... أنت أمام شلال موسيقى... فكيف تحدد النبرة التي تهزك؟ قلت من قبل إن أصوات الكثرة طغت على الساحة الشعرية الشعبية... ولا يعني أن هؤلاء هم المتميزون... فقد تميّزوا بالغث وتسابقوا عليه... ومن السهل بمكان أن تشير إلى أسماء لا تمتلك القدرة على الحوار المباشر، لأنها تكتب من وراء حجاب... وتنشر غسيل نصوصها تحت الشمس فتحترق تباعاً وتتحول نصوصهم إلى رماد منثور... إن الذين لا تسمع أو تقرأ عنهم في المناسبات هم أصحاب المشروع الشعري... لأنك لا تهاب الرجل إلا عندما يتكلم... وكلما كبر العقل قلّ الكلام... وأصحاب التجارب الناضجة قليلون، فيهم تجد نفسك، وتشعر بحرارة أنفاسهم... الشاعر الحي لا يستعجل الموت والشاعر الميت يُريد أن يتحرك وتكثر حركاته ويتحول إلى طفل يُريد أن يلعب بكل شيء... يسرق ألعاب غيره من الأطفال، لكنه عندما يقترب من عالم الرجال تنكمش عظامه ولا يجد سلاحاً في فمه غير التأتأة... هل تريدني أن أطرح أسماء أقرأ لها كل يوم؟... ببساطة هؤلاء مكشوفون، لكن لماذا يحترم أصحاب المشروعات الشعرية أنفسهم؟ لماذا يرفضوا الاختلاط بأناسٍ متوحلين؟ جماعة بالعشرات تلوث الشعر لتكسب... وجماعة لا يعدّون على الأصابع يحاربون التلوث بالصمت... الأخيرون هم أصحاب المشروع الشعري، قد لا تصدق أن هناك من يفضل أن تنشر صورته/ أو صورتها على حساب النص... الصورة في نظرهم جواز مرور... والنص التافه شهادة حياة لميت في حجم الحشرة... فهل لهؤلاء أهداف أو مشروعات غير البروز؟!

* ماذا عن الصفحات المعنية بهذا الأمر، وأنت في الصميم من مهنة الصحافة، بغض النظر عن التخصص، لأنك في النهاية واحد من الأسماء الفاعلة في الساحة؟

- أنا واحد من المخلوقات وجدت نفسي في بيئة تعلّمت منها الصراحة والصدق والنقد الذاتي... قد أصل إلى درجة رفض الفكرة الجمالية إذا ترع

العدد 1373 - الجمعة 09 يونيو 2006م الموافق 12 جمادى الأولى 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً