لماذا نفترض أن على المشاركين في اللعبة السياسية أن يتحلوا بمزيد من ضبط النفس تجاه أولئك الذين يقتاتون على الفضائح ونشر المحرمات، ولماذا نتوجس من إضافة نوابنا الأفاضل لقائمة الصحافيين المسجونين حتى وقت إعداد هذا التقرير - تجاوز العدد 500 صحافي - صحافياً بحرينياً أو إثنين أو ثلاثة، لعلنا نبالغ بعض الشيء في هذا الهرج!
ومنذ متى استقال رجل حكومة أو نائب برلماني بحريني لأن صحافياً ما نشر عن فساد متعلق به؟ وعليه، فلماذا يعتقد النواب أن «عقوبة السجن» وحدها ستكون كافية بأن يخاف الصحافي البحريني أن ينشر نتائج استقصاءاته. نشرنا ونشر زملاؤنا الكثير عن الفضائح والاختلاسات فما الذي تغير؟ تبالغ حكومتنا، ويبالغ نوابنا في الخوف من أن يعطوا الصحافة حريتها. تلك سيرة القانون، والقانون رجل أعمى، مهووس بـ «السجن» وتمجيد القضبان. بعض النواب يدرأون عن انفسهم «الفتنة»، فيقال دعوا قانون العقوبات يحمل وزرهم، ولعمري إن العود أحمد، فقانون العقوبات زاخر وافر لا يخذل من سأله، ولا يرحم من استجار به.
إنما هي دعوة، بمثابة «العودة» لقانون الصحافة المؤقت العام 1954، إذ يشير د. هلال الشايجي في كتابه (الصحافة في الكويت والبحرين منذ نشأتها حتى عهد الاستقلال) إلى أن الحكومة البحرينية قد أصدرت قبل هذا القانون المؤقت إعلانا يرتب الجزاءات الشخصية.
وكان مما احتوته مواد قانون الجزاءات الشخصية هاتان المادتان:
- «أي شخص خاضع لسلطتنا القضائية يطبع أو ينشر أو يبيع أي مطبوعات أو جرائد أو أي نشرات تتضمن مسائل مثيرة للفتن وعند إدانته بذلك سيعرض نفسه لعقوبة سجن لاتزيد على عامين أو بغرامة لاتزيد على ألف وخمسمئة روبية (1500) أو بكلتا العقوبتين معاً، أو بالإضافة إلى العقوبتين المذكورتين أو بدلاً منهما سيطلب منه كفيلاً يضمن سلوكه الحسن».
- «أي مسألة من شأنها إثارة الشغب أو التشويش أو إثارة عداوة بين رعايا البحرين والآخرين أو بين مختلف الطبقات أو بين الأشخاص الذين ينتمون الى مذاهب دينية مختلفة أو بين حاكم البلاد ورعاياه فإنها ستعتبر مسألة مثيرة للفتن وذلك بموجب معنى هذا القانون»، ومثير الفتن عقوبته «السجن».
فلم تزد الأطروحة في مجملها العام عن انها رجوع بالصحافة والصحافيين لأكثر من 52 سنة من التهديد بالسجن.
سيرة السجن
في قانون المطبوعات والنشر العام 1965، يذهب المشرع القانوني أيضا إلى إعتبار مواد «الجزاءات الشخصية» هي من تتولى مهمة فرض العقوبات القانونية على الصحافي، فلم يتغير الحال عما كان عليه في قانون العام 1954.
أما أول تنظير للسجن «القانوني» في البحرين فقد بدأ منذ مطلع قانون العام 1979، وكانت مواد السجن على النحو الاتي كما وردت في نص القانون حرفياً:
1. المادة (12) في شأن من يخالف المواد المتعلقة بتنظيم المطابع والمطبوعات «بالحبس مدة لاتجاوز سنة أو بغرامة لاتجاوز ألف دينار أو بالعقوبتين معاً. مع جواز الحكم بغلق المطبعة ومصادرة المطبوعات».
2. المادة (18) يعاقب بالحبس مدة لاتزيد على سنتين أو بغرامة لاتتجاوز ألفي دينار أو بالعقوبتين معاً «كل من فتح أو أدار مكتبة بغير ترخيص أو نشر أو تداول مطبوعات لم يؤذن في تداولها أو صدر قرار بمنع تداولها أو إدخالها للبلاد أو صودرت نسخها طبقاً لمواد الأحكام السابقة».
3. المادة رقم (41) يعاقب من يخالف قائمة المحظورات بالحبس أو بغرامة لاتزيد على ألف دينار أو بالعقوبتين معاً. وفي حالة العود خلال ثلاث سنوات من تاريخ الحكم النهائي في الجريمة السابقة تكون العقوبة السجن مدة لاتقل عن خمس سنوات أو بغرامة لاتزيد عن ألفي دينار أو بالعقوبتين معاً.
4. المادة (58) إذا استمرت الجريدة بالظهور، بعد صدور قرار تعطيلها أو إيقافها أو ألغاء ترخيصها، يعاقب مالك الجريدة ورئيس تحريرها بالحبس مدة لاتزيد على سنة واحدة ولاتقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لاتزيد على ألفي دينار أو بالعقوبتين معاً.
الصحافة في مرحلة الإصلاح
مع ظهور المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، كان من المفترض ان يكون للجنة تفعيل الميثاق دورها في صوغ قانون جديد للصحافة بالتوافق مع الجسم الصحافي البحريني، إلا أن الحكومة فاجأت الجميع بقانون الصحافة في العام 2002، واحتوى القانون بالإضافة لعلاته العدة ثلاث مواد تذهب إلى سجن الصحافي وهي:
1. «يعاقب بالحبس مدة لاتزيد على ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تزيد على ألفي دينار أو بالعقوبتين معاً». ويقصر القانون العقوبة على الجريمتين التاليتين. أولاً: إنشاء مؤسسة من المؤسسات المذكورة في المادتين (4) و (6) من قانون المطبوعات أو مزاولة مهنة فيها دون الحصول على ترخيص. ثانياً: عند طباعة مطبوع دون الحصول على إذن كتابي من مالكه الأصلي أو خلفه.
2. تقرر المادة (22) بالنسبة إلى من كل من فتح أو أدار مكتبة بغير ترخيص أو نشر أو تداول مطبوعات لم يؤذن في تداولها أو صدر قرار بمنع تداولها أو إدخالها للبلاد أو صودرت نسخها طبقاً لمواد الأحكام السابقة معاقبته «بالحبس مدة لاتزيد على سنة أو بغرامة لاتزيد على ألف دينار أو بالعقوبتين معاً».
3. المادة (86): إذا إستمرت الجريدة بالظهور، بعد صدور قرار تعطيلها أو إيقافها أو إلغاء ترخيصها يعاقب المرخص له ورئيس تحريرها أو المحرر المسئول والطابع والناشر بالحبس مدة لاتزيد عن ستة أشهر وبغرامة لاتجاوز خمسة آلاف دينار أو بالعقوبتين معاً.
«القانون المعلق» و«البديل المعتق»
الملاحظ ان القانون جوبه بمعارضة حادة من قبل الصحافيين، وإن كان لنا أن نقر بإختلاف أسباب المعارضة للقانون، فإن الجزئية التي تم الإتفاق على رفضها هي تطبيق عقوبة «سجن الصحافي» في مواد القانون، كما أن الإحالات المبهمة لقانون العقوبات يمكن إعتبارها الطريقة الأكثر تهذيباً في سجن الصحافي من دون تهديده بالسجن بشكل مباشر.
عملياً، الحكومة تنبهت إلى هذه المعارضة للقانون، وكان القانون منذ عام إصداره حتى يومنا الحاضر أشبه بـ «المعطل»، على رغم أن الكثير من القضايا والمحاكمات كان قد تم البدء فيها تحت ظل قانون 2002، وشملت هذه القضايا الكثير من الصحافيين.
يناقش «البرلمان» في دورته الحالية إصدار قانون جديد «هجين»، بين قانون الصحافة 2002، وتعديلات جديدة إقترحتها الحكومة، وقانون أخر تم إنجازه في مجلس الشورى، ومن المنتظر ان تحتوي مواد هذه التوليفة الجديدة مادة واحدة على الأقل تقتضي بصراحة النص على «سجن الصحافي»، ومواداً أخرى تذهب بالحكم القضائي للإعتماد على قانون العقوبات، والذي تزخر مواده بعقوبات السجن.
وتبقى سيرة السجن في قوانين الصحافة البحرينية ماثلة في ظل جمود ملحوظ من قبل المؤسستين المعنيتين بحقوق الصحافيين والدفاع عنهم
العدد 1334 - الإثنين 01 مايو 2006م الموافق 02 ربيع الثاني 1427هـ