اندلع القتال في 13 أغسطس/ آب في مخيم عين الحلوة الفلسطيني في جنوب لبنان. وبدأت المعارك حين شنت مجموعة لبنانية (أصولية) سلسلة هجمات على مواقع عسكرية تابعة لتنظيم «فتح» الموالي للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
وجاء التصعيد الأمني بين الفصائل الفلسطينية واللبنانية المتعايشة داخل المخيم بعد سلسلة حوادث أدت إلى مواجهات دموية بين الطرفين وكادت تفجر الوضع السياسي في مخيم يقع إلى القرب من مدينة صيدا. كيف يمكن قراءة الانفجار الأمني الأخير وفي أي سياق تندرج تطوراته السياسية؟
في مطلع يوليو/ تموز الماضي زار رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ السيناتور الديموقراطي بوب غراهام المنطقة ولبنان في جولة تفقدية بحث خلالها عن مخرج إقليمي للأزمة الناشبة في الضفة الغربية وقطاع غزة ومحاولات «إسرائيل» تفكيك السلطة الفلسطينية مهددة بذلك الحلول السلمية المطروحة وتحديداً تلك التسوية التي توصلت إليها الدولة العبرية مع منظمة التحرير في أوسلو.
آنذاك لم يطرح غراهام موضوع المخيمات الفلسطينية ولم يتطرق في زيارته إلى مسألة «الارهاب» أو ما يسمى بمعسكرات التدريب.
بعد عودته إلى واشنطن دعا السينا تور، في جلسة للكونغرس، الإدارة الأميركية إلى استخدام القوة لتفكيك مخيمات التدريب في لبنان «إذا رفضت سورية إغلاقها» متهماً حزب الله بالارهاب واصفاً إياه بأنه أكثر التنظيمات «قساوة وفاعلية».
استغربت الأوساط السياسية تلك التصريحات التي ترافقت مع دعوة علنية لضرب التمجمعات الفلسطينية في لبنان في وقت كانت الأنباء تتحدث عن مفاوضات سرية تجريها ألمانيا بين حزب الله و«إسرائيل» لتبادل الأسرى مقابل تسليم الحزب جثث ثلاثة جنود قتلوا في مواجهات سابقة في الجنوب اللبناني.
وتخوفت المصادر الرسمية اللبنانية والفلسطينية آنذاك من وجود خطة دولية (أميركية) للضغط على سورية في سياق حملة عشوائية تقودها واشنطن ضد ما تسميه شبكات الارهاب.
ويذكر أن الجناح المتطرف (ديك تشيني ودونالد رامسفيلد) في إدارة الرئيس جورج بوش حدد أكثر من 40 دولة توجد فيها مراكز ارهابية أو عندها امتدادات سياسية وتمويلية لتلك الشبكات.
ورأت المصادر أن تصريحات عضو مجلس الشيوخ ليست بريئة وربما هي إشارة خفية إلى بدء حملة سياسية - إعلامية ضد سورية، انطلاقاً من لبنان، تسهم في إبعاد الأنظار عن جرائم رئيس حكومة «إسرائيل» ارييل شارون في فلسطين وتقديم ذريعة إلى تل أبيب لتصدير أزمتها الداخلية بفتح مواجهة عسكرية غير مضمونة النتائج في لبنان قد تطاول سورية عسكرياّ وسياسياّ.
بعد تلك الهزات الطفيفة هدأ الوضع إلى أن اقدمت مجموعة مسلحة (يطلق عليها الضنية وهي بلدة في شمال لبنان) على اغتيال ثلاثة جنود من الجيش اللبناني على مدخل مخيم عين الحلوة.
أثار الحادث ردود فعل عنيفة من مختلف الجهات وكاد يؤدي إلى مواجهات عسكرية بين الفصائل الفلسطينية وقوات الجيش، فتدخل فرقاء محايدون قادهم الشيخ ماهر حمود وانتهى الأمر بتسليم المسئول عن الجريمة للسلطات اللبنانية.
بعدها استقر الوضع الأمني إلى نهاية يوليو ومطلع أغسطس لينفجر مجدداً في معارك عنيفة بين الفصائل الفلسطينية وتلك التابعة للمجموعة اللبنانية (الأصولية) التي لجأت إلى عين الحلوة هرباً من ملاحقات أجهزة الأمن.
نعود إلى السؤال. في أي سياق اندلعت المواجهات الدموية الأخيرة، وهل تندرج في أطر محلية (لبنانية) ضيقة، أم أنها تحتمل تفسيرات اقليمية ودولية تدفع باتجاه تفجير «بؤر توتر» في أكثر من مكان تمهيداً لضربة كبرى تحضّرها واشنطن بالتنسيق مع «إسرائيل»؟
لا يمكن تقديم أجوبة نهائية عن الوضع الإقليمي قبل اكتمال صورة الاقتتال الداخلي في مخيم عين الحلوة الفلسطيني... ومع ذلك يمكن القول ان ما حصل ويحصل في أكبر تجمع فلسطيني في لبنان ليس نهاية الصورة بل بداية لرسم حدود سياسية لمواقع القوى المتناحرة الموجودة في لبنان. فالمنطقة تنتظر ضرب نظام العراق، وسورية تستعد لاحتواء تداعيات الضربة اقليمياّ.
ولا شك في أن نتائج المواجهة في عين الحلوة تستدعي التفكير ملياّ في الأسابيع الحامية التي تنتظر المنطقة، والاسابيع الحامية ستنجم بالتأكيد في حال نفذت الولايات المتحدة تهديداتها ووجهت ضربة استئصالية للنظام العراقي.
فتلك الضربة، إذا حصلت، ستؤدي إلى قيام فراغات أمنية تجر القوى الاقليمية إلى الاندفاع إلى داخل العراق لتعبئ الفراغ والحصول على حصة سياسية مناسبة في «النظام البديل» الذي تريد واشنطن تركيبه من العناصر السياسية العراقية المتنافرة
العدد -3 - السبت 24 أغسطس 2002م الموافق 15 جمادى الآخرة 1423هـ