تعد سنوات العلاج الطويلة وأكوام أقراص الدواء التي يحتاج إليها المرضى الأكبر سنّاً المصابون بمرض السل المقاوم للأدوية المتعددة (MDR - TB) من الأعمال الشاقة، ولكن عندما يتعلق الأمر بالأطفال، يصبح العلاج كحقل ألغام للمرضى والأطباء على حد سواء.
يقاوم السل المقاوم للأدوية المتعددة حتى أقوى الأدوية المستخدمة لعلاج مرضى السل النشط، مثل ريفامبيسين وأيزونيازيد. ونظراً إلى ضعف جهاز المناعة لدى الأطفال، تتدهور حالة من يصاب منهم بالسل - في غالبية الأحيان عن طريق العدوى من الوالدين - إلى مرض نشط خلال سنة واحدة تقريباً، ولكن عدد الأطفال المتضررين غير معروف بسبب عدم وجود أي أبحاث تقريباً بشأن الأطفال والسل المقاوم للأدوية المتعددة، ونقص التوجيهات المفيدة عن كيفية التعامل معهم.
وذكر موقع «ايرين»، لا يوجد سوى ثماني دراسات منشورة عن نتائج علاج السل المقاوم للأدوية المتعددة لدى الأطفال، وفقاً للمنسق الطبي لحملة منظمة أطباء بلا حدود (MSF) بشأن الأدوية الأساسية ناثان فورد، ويأتي الكثير من المعلومات المتوافرة من جامعة ستيلنبوش في جنوب إفريقيا، التي يعمل باحثوها في مستشفى تايغربرغ بمدينة كيب تاون. وقد بدأ هذا المستشفى في جمع البيانات عن السل المقاوم للأدوية بين الأطفال في العام 2003.
قدم سايمون شاف، وهو أستاذ في جامعة ستيلينبوش، نتائج آخر مسح من هذا النوع أجراه المستشفى خلال المؤتمر الدولي لصحة الرئة، الذي عقد مؤخراً في مدينة ليل الفرنسية. وتدهورت حالة حوالي 7 في المئة من نحو 330 طفلاً مصابين بالسل المقاوم للأدوية إلى مرض السل المقاوم للأدوية المتعددة - وظلت هذه النسبة ثابتة نسبياً منذ بدأ المستشفى إجراء المسوحات.
ووفقاً لشاف، غالباً ما تعتبر حالات السل المقاوم للأدوية في الأطفال كنافذة على أوبئة السل المحلية. ففي العام 2010، أكدت منطقة كيب الغربية وجود 1.400 حالة سل مقاوم للأدوية، وبالتالي احتلت المرتبة الثانية في البلاد من حيث عدد الحالات.
كما وجدت الدراسة الاستقصائية أن نسبة منخفضة جدّاً من الأطفال المرضى تتناول علاج السل الوقائي بالأيزونيازيد (IPT)، على رغم تطبيق سياسة العلاج الوقائي بالأيزونيازيد على المستوى القومي. لم يتم وصف عقار الإيزونيازيد لنحو 70 في المئة من الأطفال الذين كانت تنطبق عليهم شروط التأهل للعلاج الوقائي بالأيزونيازيد، الذي يشمل العلاج بأحد أهم الأدوية المستخدمة لعلاج السل النشط، ولقد توفي حوالي 5 في المئة من هؤلاء الأطفال في وقت لاحق.
وفي ظل وجود عدد قليل من الدراسات التي تشير إلى نطاق إصابة الأطفال بالسل المقاوم للأدوية المتعددة، لا يتوافر مستوى مرتفع من الوعي بهذه المشكلة، وفقاً لكارلوس بيريز فيليز، الذي يرأس دراسة عن طرق تشخيص جديدة من أجل اكتشاف حالات السل بين الأطفال في بلده كولومبيا، كجزء من عمله مع مستشفى الصحة اليهودي القومي لأمراض الجهاز التنفسي، الذي يتخذ من الولايات المتحدة مقرّاً له.
وقال بيريز فيليز لإيرين / بلاس نيوز: «إنك إذا ذهبت إلى وزير صحة وقلت له إن هناك مشكلة مع مرض السل بين الأطفال، سيطلب منك البيانات الدالة على ذلك، فتقول له لا توجد أية بيانات. سيقول إذا لم تكن هناك بيانات فلماذا تدعي أن هناك مشكلة؟ إنه نموذج الدجاجة والبيضة».
التشخيص المتأخر
غالباً ما يتم تشخيص الأطفال الذين يصابون بالمرض في العمود الفقري بعد فوات الأوان، ما يؤدي أحياناً إلى حدوث آثار عصبية طويلة الأجل وتشوه في العمود الفقري. ويتطلب علاج السل الشوكي المقاوم للأدوية مزيجاً من الجراحة والعلاج بالعقاقير لفترة طويلة.
وصفت ماريان غيل، وهي طبيبة في منظمة أطباء بلا حدود، واقع تشخيص وعلاج الأطفال الذين يعانون من السل المقاوم للأدوية المتعددة. في العام 2010، شخصت عيادة أطباء بلا حدود في حي ماتاري الفقير في نيروبي أمّاً على أنها مصابة بمرض السل المقاوم للأدوية المتعددة. كما ظهرت أعراض مرض السل على طفلتها البالغة من العمر 18 شهراً وأظهرت الأشعة السينية على الصدر أنها أيضاً قد تكون مصابة بالسل النشط، ولكن عمل تحليل مزرعة بكتيرية كان أمراً مستحيلاً.
تستخدم عينات من بلغم مرضى السل المقاوم للأدوية لعمل مزرعة بكتيريا تجرى عليها اختبارات لمعرفة مدى مقاومتها للأدوية، ولكن من الصعب الحصول على مثل هذه العينات من الأطفال.
«كانت لدينا بالفعل القدرة على حفز البلغم، لكننا لا نستطيع تنفيذ ذلك في كثير من المواقع»، كما أفادت غيل، مضيفة «تم إجراء العديد من المحاولات التي أصابت الأطفال بصدمة وربما كانت صادمة أكثر للفريق الطبي. وتمكنا من الحصول على عينة لكنها في الواقع لم تتحول قط إلى مزرعة».
ونظراً إلى الصعوبات التي تعترض تشخيص الأطفال، لا يتسنى التأكد من إصابة حوالي نصف الأطفال الذين يتم علاجهم من السل المقاوم للأدوية، في مشاريع منظمة أطباء بلا حدود في سوازيلاند وجنوب أفريقيا، ما يفرض على الأطباء اتخاذ قرارات صعبة للبدء في علاج طويل الأجل للمرضى صغار السن.
قياس الجرعات
وأضافت غيل أنه في غياب تحليل المزرعة البكتيرية، يبدأ العاملون في العيادة تنفيذ علاج الأطفال من السل المقاوم للأدوية على مضض، وهذا يمثل تحدياً في حد ذاته.
«كانت هذه الطفلة تبلغ من العمر 18 شهراً، ولكن وزنها لم يتعد 7.5 كيلوغرامات، وبالتالي فإن حساب الجرعات وتعديلها كلما نمت الطفلة كان كابوساً،» كما ذكرت غيل، وأضافت أن عيادة أطباء بلا حدود، التي تشمل وجود صيدلي مقيم، ربما كانت لديها قدرة أفضل على عمل ذلك من معظم العيادات التي تواجه ظروفاً مشابهة. «كان تعديل التركيبات صعباً، وكذلك كيفية جعل هذه الأدوية مقبولة لدى تلك الطفلة الصغيرة». وبعد مرور ستة أشهر، كانت الأم والطفلة بصحة جيدة بفضل العلاج، ولكن الضغوط العائلية جعلتهما تتوقفان عن العلاج. وعلمت العيادة فيما بعد أن الأم قد توفيت، لكنها لم تتمكن من تتبع الطفلة.
الأمراض المهملة - السل المقاوم للأدوية
جميع أدوية السل المقاوم للأدوية تقريباً مصممة للبالغين. صرح جيمس سيدون، وهو باحث في مركز ديزموند توتو للسل في كيب تاون لإيرين لبلاس نيوز أن «جميع الأطفال تقريباً يحتاجون إلى تكسير هذه الأقراص إلى قطع صغيرة، وأحياناً إلى النصف أو الربع، وأحياناً ينبغي طحن الدواء، كما أن معظم المستحضرات لا تذوب كليّاً في الماء. بعض «الأدوية السائلة» متاحة فعلاً... لكنها ليست عملية في معظم المناطق التي تعاني من نسبة إصابة مرتفعة بالسل لأنها تحتاج إلى التبريد، كما أن الزجاج الذي تصنع منه زجاجة الدواء يصبح ثقيلاً جداً عند نقله] إلى لعيادات] التي تحتاج إلى كميات كبيرة».
وأضاف سيدون أن بعض الأطفال قد يحتاجون أيضاً إلى تناول الفيتامينات أو أدوية فيروس نقص المناعة البشرية وبالتالي قد ينتهي بهم الأمر إلى تناول عدد كبير من الأقراص يوميّاً، وكثير منها ليس له مذاق جيد وقد يسبب القيء. وقد سعت منظمة أطباء بلا حدود ومنظمة الصحة العالمية إلى إعداد مبادئ توجيهية فعالة بشأن عمل تركيبة جديدة من أدوية الأطفال ذات الجرعة الثابتة بغرض تخفيف عبء تناول الأقراص عن الأطفال، وقد ثبت أنها تؤدي إلى تحسين الالتزام بتناول الدواء.
وفي الوقت نفسه، فإن المبادئ التوجيهية الحالية تحتاج إلى تنقيح. ولقد طورت منظمة الصحة العالمية وبريطانيا والولايات المتحدة مبادئ توجيهية لعلاج السل المقاوم للأدوية المتعددة بين الأطفال، ولكن هذه المبادئ لا تستند إلى أدلة بقدر كبير، وربما كانت في بعض الحالات مجرد تعديل للمبادئ التوجيهية الخاصة بالمرضى البالغين، كما أشار سيدون
العدد 3354 - السبت 12 نوفمبر 2011م الموافق 16 ذي الحجة 1432هـ