هذه بداية لسلسلة من الموضوعات سنحاول من خلالها دراسة الخريطة اللغوية في مملكة البحرين؛ إذ سنتناول فيها تاريخ نشأة اللغة العربية في مملكة البحرين وكيف تفرعت هذه اللغة لتعطي لهجات منها لهجات أساسية ولهجات فرعية. وسنركز في هذه الدراسة على العوامل التي أثرت في تعدد اللهجات وتطورها بجانب الظواهر اللغوية المميزة لتلك اللهجات. ليست هذه الدراسة بالعمل المتكامل لكنها تأسس لمنهجية علمية في طريقة دراسة الأطلس اللغوي في مملكة البحرين، وعليه لا تخلو هذه الدراسة من النقص أو الخطأ.
اللغة والهوية الإثنية الدينية
ترتبط الهوية الإثنية والدينية بوجودنا بالكامل، وليست مجرد لحظة من حياتنا «وهي مرتبطة ارتباطاً بمعتقداتنا الأكثر عمقاً حول الحياة، والكون، وكل شيء. وعلاوة على ذلك، ترتبط الهويات الإثنية، والدينية في معظم الثقافات بالإنتاج، باعتبار أنها تحدد للمرء الشخص الذي يمكنه الزواج منه، بقطع النظر عما إذا كان التزاوج بين الأقارب أو الزواج من خارج العشيرة يشكل القاعدة الثقافية. ويمنحهم هذا، بطبيعة الحال، بعداً نشوئياً» (جوزيف 2007، ص 233).
وقد ارتبطت الهوية الإثنية الدينية على مدى مئات السنين باللغة؛ بل إن الدّين كان يشكل البؤرة الرئيسة لهوية الناس، فأوروبا، مثلاً، منذ القرن الخامس الميلادي وعلى امتداد قرون طويلة أصبحت إمبراطورية واحدة يوحّدها الدّين المسيحي وكان لها لغة رسمية واحدة هي اللاتينية، فإذا «ما سئل أي غريب تائه عبر الريف أو عبر قرية ما عن تحديد هويته ذكر في حالات نادرة هوية قومية ولكنه كان يدعي أنه مسيحي أو يهودي من هذه الأبرشية أو من تلك المدينة. وكان تحديد الغرباء يقوم أساساً على نوع اللاتينية التي يتحدثون بها» (جوزيف 2007، ص 234). كذلك في البحرين وشرق الجزيرة العربية كان لثنائية الدّين واللغة دور بارز في تشكيل هوية المنطقة منذ قرون طويلة.
البحرين النسطورية وثنائية الدين واللغة
في حقبة الملك الساساني أردشير الأول (224 م -240 م) شجّعت الدولة الساسانية نشر الديانة الزرادشتية في المناطق التي سيطرت عليها سياسياً؛ ما جعل من المسيحيين الذين يقطنون الهلال الخصيب مقسمين تحت رحمة عدوين لدودين: الإمبراطورية الساسانية الفارسية التي تحكم العراق وتشجع الديانة الزرادشتية والإمبراطورية الرومانية التي تحكم (سورية الرومانية) وتحارب الديانة المسيحية. وقد كان ملوك الروم في هذه الحقبة أكثر اضطهاداً للمسيحيين، وقد استغل الفرس هذه النقطة لمصلحتهم وذلك بالتسامح مع المسيحيين وبذلك ازداد تمرد المسيحيين داخل الدولة البيزنطية ضد السلطة. وقد بقيت سياسة التسامح الساسانية للديانة المسيحية بين أخذ وجذب ولم يتعرض المسيحيون القاطنون في الإمبراطورية الفارسية للاضطهاد العنيف طالما كانت الإمبراطورية الرومانية تدين بالوثنية، ولكن عندما تولى قسطنطين الكبير الحكم (312 م – 337 م) وجد الإمبراطورية البيزنطية تعاني من انقسامات داخلية من جهة ومن قوى الساسانيين الفرس من جهة أخرى. فما كان من قسطنطين إلا أن سار على النهج الذي اتبعه أردشير الأول من قبل، فهم بتوحيد إمبراطوريته، وبعد أن تم له ذلك شرع الديانة المسيحية كديانة رسمية للإمبراطورية الرومانية (Kimball 2000، ch. 8.8).
لقد اعتنقت الإمبراطورية الرومانية الديانة المسيحية إلا أنها لم تقبل بها بصورتها الشرقية وبلغتها الآرامية (السيريانية) بل حاولت أن توفق بين المسيحية وفلسفتها الهلنستية فقد تابعت في المسيحية نظام الإمبراطورية الرومانية وتخلت عن لغتها الأصلية إلى اللغة اليونانية. وبذلك أصبحت الكنيسة الجامعة الكاثوليكية ينظمها أساقفة يونانيون. وقد ساهمت هذه الكنيسة في نشر الثقافة اليونانية من جانب وإسباغ ثوب الثقافة اليونانية على المسيحية من جانب آخر (الفيومي 1980، ص85). ثم بدأت جهود فردية تعكف على التوفيق بين العقيدة المسيحية والفلسفة اليونانية، ومن هنا ظهر تمايز في الأسلوب أدى إلى حساسية مفرطة أخذت تزداد بفضل النعرة العنصرية بين الكلدانيين (الآراميين أو السريان) والهلنستيين. وأدى ذلك إلى ظهور كنيستين في الشرق (الهلال الخصيب) تختلفان من حيث الوسائل التعليمية: كنيسة الإسكندرية (الكنيسة الجامعة) تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية وهي يونانية ذات شكل مسيحي. وكنيسة سريانية بلغتها السريانية (الآرامية) والمسيحية في تقاليدها وهي التي كانت منتشرة من قبل. فعاد الانقسام مجدداً بين شعوب الإمبراطورية الرومانية. وبدأت الكنيسة الرومانية في تأليب السياسة الإمبراطورية على الكنيسة السريانية. وارتأت الإمبراطورية من وجهتها السياسية أن وجود كنيسة سريانية يعتبر تمرداً على سلطاتها السياسية من جهة وعلى الكنيسة الجامعة من جهة أخرى. فراحت تقضي بعنف على تلك الكنائس المحلية ذات الصبغة القومية أو النزعة الاستقلالية لغة وديناً. وقد اضطهد أصحاب الكنيسة السريانية من قبل الإمبراطورية الرومانية فلجأ الكثير منهم إلى ما بين النهرين (العراق) خارج نطاق الإمبراطورية الرومانية ولكن ضمن حدود الدولة الساسانية (الفيومي 1980، ص89 - 90).
البحرين والصراع الآرامي - الفارسي
بعد أن نجح الفرس في عزل الكنيسة الشرقية عن الإمبراطورية الرومانية، بدأ حينها الساسانيون في اتباع سياسة الرومان، فحاولوا إعطاء صبغة فارسية للديانة النسطورية بدلاً من الآرامية وقد تضمن ذلك إدخال اللغة الفارسية كلغة رسمية بدلاً من الآرامية؛ إذ تشير المراجع إلى أن مطران حاضرة ريو أردشير معنا الثاني الفارسي المولد قام بترجمة تراتيل غنائية وقصائد وأناشيد دينية لتغنى في الكنيسة وذلك من السريانية إلى الفارسية، وبما أن أسقفيات الجزر، ومنها أسقفية مشماهيج (أي البحرين) وأسقفية دارين، كانت تابعة لكرسي ريو أردشير فقد قام معنا الثاني بإرسال ترجماته الفارسية لتلك التراتيل والقصائد للمسيحيين في تلك الجزر وذلك في العام 490م (بوتس 2003، ج2 ص1021). إلا أن هذا لم ينجح وحدث بعدها خلاف كبير نتج عنه إعطاء استقلالية للنساطرة في البحرين وشرق الجزيرة العربية وقد أوضحنا ذلك بالتفصيل في سلسلة سابقة.
وعندما جاء الإسلام إلى هذه المنطقة أصبحت اللغة العربية هي لغة الإسلام، أما الهويات المسيحية التي كانت تخضع للحكم الإسلامي فقد فرضت هوياتها باللغة السريانية. وهكذا فمن قبيل المفارقة أن يؤدي الدين وظيفة القوة الموحدة لغوياً، ولكن في الوقت ذاته يصبح قوة مسببة للخلاف. فقد ربط الدين أوروبا المسيحية باللاتينية، ومسيحيي الشرق بالآرامية والكلدية، والعالم الإسلامي بالعربية، واليهود بالعبرية (جوزيف 2007، ص 234).
اللهجات تحل محل اللغة
عندما تحولت البحرين والجزيرة العربية بأكملها إلى الإسلام ولم يعد هناك ذكر للديانة المسيحية فيها أصبحت اللغة العربية لغة موحدة لها، ولكن عادت هذه المنطقة لتنقسم من جديد والانقسام هنا أيضاً انقسام إثني عموماً؛ إذ تكونت جماعتان إحداهما ذات امتداد حضاري والأخرى ذات امتداد قبلي، في البحرين، خصوصاً، كان الانقسام إثني ديني؛ إذ اعتنقت الجماعة ذات الامتداد الحضري مذهباً إسلامياً مغاير للجماعة ذات الامتداد القبلي، ومنذ القدم وحتى عهد قريب كانت هناك لفظتان تميز تلك الجماعتين أو العرقين في البحرين، فالأولى ذات الامتداد الحضري تعرف باسم (البحارنة) أما الأخرى فتعرف باسم (العرب) والبحارنه) (Holes 201،Holes 2006 and Holes 2005)، وقد تحولت اللفظتان من الدلالة العرقية إلى الدلالة على اللهجة ومنها أصبحتا اسمين للهجتي المتحدث بهما في البحرين. فأما مصطلح «لهجة البحارنة» ظهر للمرة الأولى كمصطلح في أطروحة مهدي التاجر التي قدمها لنيل درجة الدكتوراه في العام 1982م، أما مصطلح لهجة العرب فأول من استخدمه هو البرفيسور كلايف هولز Clive Holes في العديد من دراساته عن اللهجات في البحرين والجزيرة العربية والتي كتبها على مدى أكثر من ثلاثين عاماً ( منذ العام 1983م). مصطلح البحارنة مازال متداولاً بين العامة في البحرين والخليج العربي بينما مصطلح (العرب) لم يعد متداولاً وحتى أن عدداً من الكتب تسمي لهجة العرب باسم «لهجة الخليج العربي» أو الفرع البحريني للهجة الخليج العربي والبعض يسميها باسم لهجة البحرين اختصاراً وهي لهجة فرعية من لهجة الخليج العربي وهي لهجة الجماعات ذات الامتداد القبلي في الخليج العربي، إلا أن هولز يصر على استخدام لفظة (العرب) للدلالة على الطائفة ذات الامتداد القبلي في البحرين والتي تتحدث باللهجة المصطلح عليها بلهجة الخليج العربي والتي يسميها هولز «لهجة العرب» أيضاً.
بهذه الصورة أصبح المصطلح الدال على لهجة معينة في البحرين يدل أيضاً على المذهب والعرق أيضاً، فالبحارنة هو اسم لهجة وهو دال على هوية عرقية معينة ذات تاريخ مشترك وتتبع مذهب إسلامي معين، وسنتابع في الفصول المقبلة تاريخ تكون كل لهجة من اللهجات سابقة الذكر.
العدد 3485 - الخميس 22 مارس 2012م الموافق 29 ربيع الثاني 1433هـ