العدد 1474 - الإثنين 18 سبتمبر 2006م الموافق 24 شعبان 1427هـ

دمج «ذوي الاحتياجات» في المدارس مدخل لتطوير التعليم بالمملكة

في ندوة نظمتها الجمعية البحرينية لمتلازمة داون

لماذا دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس النظامية؟ أليس بإمكان المعوق أن يستفيد من خلال مدارس التربية الخاصة ومعلميها الحقيقيين بأساليب متخصصة؟ ألا يؤثر الدمج التربوي سلباً على تعلم التلاميذ من غير ذوي الاحتياجات الخاصة؟ وهل يحقق الدمج نجاحا عمليا؟ ما الصعوبات التي تواجه عملية الدمج؟

هذه الأسئلة وغيرها ناقشها باستفاضة أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية من جامعة عين شمس بالقاهرة وعضو اللجنة الاستشارية العليا للدمج في وزارة التربية والتعليم بجمهورية مصر العربية نجيب خزام خلال الندوة التي نظمتها مساء أمس الجمعية البحرينية لمتلازمة داون بعنوان «دمج الفئات الخاصة في المدارس الحكومية كمدخل لتطوير التعليم» في قاعة أوال بفندق الخليج برعاية وزير التربية والتعليم ماجد النعيمي، وافتتحها الشيخ هشام بن عبدالعزيز آل خليفة بحضور أكثر من 200 مشارك من مختلف الجهات المعنية مثل وزارة التربية والتعليم والجمعيات ذات الصلة والمؤسسة الوطنية لخدمات المعوقين ووزارة التنمية الاجتماعية ومجموعة كبيرة من أولياء الأمور والمهتمين والمدرسين والمدرسات للاستفادة من الخبرات والمعلومات التي ستطرح فيها.

ما الدمج؟

بدأ خزام حديثه في الندوة عن تعريف الدمج قائلاً: «إن الدمج فلسفة وإجراءات تعني أن يعيش الأطفال ويحصلوا على كل ما يتمتع به الآخرون من حقوق ومنها التعليم وذلك بحسب تعريف لجنة حقوق الطفل التابعة للأمم المتحدة لأنه حق من حقوق الإنسان وهو الأفضل لذوي الاحتياجات الخاصة تربوياً واجتماعياً، ويؤدي الدمج إلى تعزيز التجارب الشخصية لهؤلاء الأطفال وكذلك الأهل والمعلمين ويفتح آفاقاً واسعة أمامهم، ويلمس الأطفال وذووهم ومعلموهم حتى الأطفال من غير ذوي الاحتياجات الخاصة فوائده الأمر الذي أثبتته الدراسات العلمية»، وأضاف «ومن أهم تضمينات فلسفة الدمج على التربية والتعليم إحداث تغييرات جذرية في الرؤى والممارسات فيما يتعلق بالتربية عموماً والنظم المدرسية خصوصاً بما فيهم ذوو الصعوبات التعليمية وذوو الاعاقات وإيجاد طرق لخلق الظروف التي تتواءم مع تنوع الطلاب وتسهيل تعليم جميع الأطفال وان تنعكس فلسفة الدمج على تغيير الأسلوب التربوي وممارساته».

تطوير التعليم من خلال الدمج

وذكر أن التوجهات العالمية حاليا ترمي إلى التركيز على جودة التعليم وتبذل مساع كبيرة لذلك وترتبط جودة التعليم بمعلم معد إعدادا جيدا ومنهج يتناسب مع احتياجاتهم ويتصف بالمرونة وأساليب تدريس متطورة تستخدم أدوات العصر وبيئة مدرسية مناسبة لأعمار الأطفال وظروفهم بالإضافة إلى وسائل تقويم متنوعة ومرنة وإذا تعمقنا في تجربة متطلبات الدمج خصوصاً الدمج الكامل لوجدنا إنه يتعامل مباشرة مع كل عناصر الجودة التي أشرنا إليها، كما أن أساليب التقويم لابد ألا تقتصر على الامتحانات فقط بل تتعداها إلى الاختبارات الميدانية وملاحظة ملف الطالب وكذلك المناهج المدرسية يجب أن تكون متنوعة شاملة لا تقتصر على الفصل الدراسي إنما تمتد خارجه وتتنوع أنشطتها لتحقيق الأهداف المنشودة.

وواصل خزام قائلاً: «إن كل ما يمكن أن يقال عن تطوير التعليم يمكن أن يحققه الدمج، وإدخال ذوي الاحتياجات الخاصة في المدارس النظامية الحكومية يمكن أن يؤدي إلى تطوير التعليم والمعلم والمدرسة والتلاميذ من ذوي الاحتياجات الخاصة والتلاميذ من غير ذوي الاحتياجات الخاصة بالإضافة إلى أولياء الأمور من الطرفين وسيستفيد الجميع في نهاية المطاف بما يحقق للمجتمع الاستفادة بجميع أعضائه».

صعوبات الدمج

أما فيما يرتبط بالصعوبات التي تواجه الدمج فقد أكد خزام أن من أهمها الاتجاهات السلبية الموجودة عند بعض الفئات في المجتمع التي لا تعترف بالدمج كحق مشروع من حقوق الإنسان أن يتعلم مع أخيه، كما أن اتجاهات بعض المسئولين بجميع مستوياتهم بحاجة إلى تغيير، إن إقناع الناس بالتغيير ليس صعبا لكن المهم توعية الناس لأن الإنسان عدو ما يجهل والمجتمعات الأخرى أكثر تقبلا للدمج سواء أكان كلياً أم جزئياً أم مكانياً أم اجتماعياً دائماً أم مؤقتاً في ضوء مستوى الإعاقة لذوي الاحتياجات الخاصة واستعدادات البيئة المدرسية لذلك.

مبادئ الدمج

وتطرق أستاذ علم النفس إلى المبادئ والإجراءات التي لابد من مراعاتها لتبني منحى الدمج الذي ضمنه البدء من الوضع الراهن للطفل والأسرة والفصل والمدرسة والمجتمع ومساعدة جميع المحيطين بالطفل على الوصول إلى رؤية شاملة للطفل ككائن إنساني والبناء على الثقافة المحلية والتقاليد لتلعب دورا في هذا التوجه والانطلاق منها، ولفت إلى أنه يمكن الاستفادة من نتائج البحوث في هذا المجال وإعداد برامج تزود المهنيين الحاليين بمزيد من المهارات والكفاءات لتبني هذا المنهج والتركيز على التوعية بالنهج على جميع المستويات التربوية في وقت متوازٍ مع متحدي وصانعي القرار المديرين المحليين ومديري المدارس وغيرهم والتركيز على تكامل الخدمات التربوية للطفل - أي طفل - وتدريب الأهل على الوسائل والطرق العملية وأن يكون الفريق الفاعل المؤمن بالقضية هو مفتاح النجاح.

وثائق عالمية تدعم الدمج

وأشار خزام إلى أهم الوثائق العالمية التي تدعم الدمج كفلسفة وإجراءات مثل المادة 120 من برنامج الأمم المتحدة العالمي للتحرك بشأن الأفراد ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة الصادرة في العام 1983 والمادة 1/2 والمادة 3/1 من اجتماع هيئة الأمم المتحدة عن حقوق الطفل 1989 والمادة 5/3 من الإعلان العالمي بشأن التربية للجميع للعام 1990 ووثيقة برنامج التنمية للأمم المتحدة والدليل في التعهد السادس من وثيقة القمة العالمية للتنمية الاجتماعية 1995 وبيان سلامنكا لليونسكو وإطار العمل للتحرك في العام 1994 والمادة 26 في القاعدة السادسة من قواعد المعايير الأساسية للأمم المتحدة في العام 1993.

تقييم النتائج

وقال أستاذ علم النفس إنه أشرف على برنامج تدريبي في وزارة التربية والتعليم بالتعاون مع الجمعية البحرينية لمتلازمة داون قبل ثلاث سنوات وساهم في إعداد المعلمين العاملين في المدارس التي طبق فيها مشروع الدمج، وأوضح أن هذه الندوة ساهمت في مراجعة الأسس التي وضع عليها الدمج في المملكة وتعرضت لبعض الصعوبات السابقة والمستجدة التي طرأت على المشروع وساهم وجود مسئولي الوزارة وأولياء الأمور والاختصاصيين والمعلمين في إثرائها بالحلول حتى تكون هناك انطلاقة جديدة نحو مدرسة مرحبة بجميع أبناء الوطن وتأكيد ان الدمج يمكن أن يكون مدخلا مهماً لتطوير التعليم في مملكة البحرين.

توصيات الندوة

أوصى المشاركون في ختام الندوة بتوفير الإمكانات المادية والبشرية اللازمة لنجاح الدمج وتوفير البرامج الملائمة لهذا النوع من التعليم والعمل بقوة على تغيير الاتجاهات السلبية تجاه هؤلاء الأطفال وتقييم الأطفال المدمجين والوقوف على نتائج الدمج والأهداف التي تحققت بالإضافة إلى تعديل أساليب تقييم الأطفال المدمجين ومحتوى مجالات الدراسة ومدى مواءمتها لهم، وتحديد معايير مدى حاجة التلاميذ ذوي الإعاقات البسيطة إلى الدخول في برامج الدمج بتنمية مهارات التعبير عن المشاعر ومهارات التواصل مع الآخرين وتهيئة الأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة لبرامج الدمج.

مراحل الدمج

وقال مدير مركز العناية بمتلازمة داون محمد عبدالكريم المناعي إن لدينا في المملكة من 400 إلى 600 فرد يعانون من متلازمة داون من أعمار مختلفة، ولفت إلى أن دمج الأطفال الموجود حاليا في المرحلة الابتدائية، ودعا إلى أن تكون هناك فصول مخصصة لطلاب المرحلة الإعدادية أيضا.

وأوضح أن من أهم أهداف الندوة توعية المجتمع باحتياجات ومتطلبات ومعاناة ذوي الاحتياجات الخاصة وتوعيتهم بأهميتها وضرورة دمجهم في المدارس النظامية الحكومية، وأضاف أن دمجهم في المدارس ينمي قدراتهم ويجعلهم قادرين على الاعتماد على أنفسهم مستقبلا حتى يكونون قادرين على القراءة والكتابة وإيصال المهارات الأكاديمية إليهم بطريقة سلسة تمكنهم من التواصل مع جميع أفراد المجتمع.

وأشار إلى أن الوزارة بدأت مشروع الدمج وخطت فيه خطوات متقدمة إلا أنه يحتاج إلى دعم أكبر من خلال تخصيص موازنة خاصة به وتوفير عدد أكبر من المدرسين والمدرسات والاختصاصيين ووضع سياسة وخطة مستمرة ومطورة في هذا الجانب، وبسؤاله عن دور الجمعية في إقامة مثل هذه الفعاليات أجاب بأن الجمعية مهتمة كثيرا بإقامة الفعاليات المرتبطة بالإعاقة ومساعدة الأسر على التعامل مع الطفل المعوق ومساعدته على التكيف وممارسة حياته بشكل طبيعي، مؤكدا ان وزارة التربية والتعليم دعمت تنظيم الندوة تشجيعا منها لتطوير عملية الدمج واتخاذ الآليات المناسبة والخطوات الملائمة لتسريع عملية الدمج في مدارس الوزارة.

توحيد التعليم

وواصل المناعي «توحيد التعليم لجميع فئات المجتمع هو حق يمنح للجميع ولا يجب أن يتم إخضاعه إلى دراسات نظرية للموافقة أو المعارضة على تطبيقه أو استمراره، وهو مطلب عالمي تدعو إليه دول كثيرة وتطالب به جميع منظمات الأمم المتحدة الدولية والإقليمية والمحلية كحقوق الإنسان وحركة الآباء والأمهات وحركة المعوقين وحركة العلماء والباحثين وهي أول المؤثرات التي أدت إلى ظهور حركة دمج المعوقين كما دعمتها الجهود العلمية والتخصصية من دراسات وبحوث وهناك أسباب كثيرة أدت إلى ظهورها إذ إن من حق الطفل - أي طفل - دخول المدارس النظامية في مجتمعه وذلك يصب في مصلحته التطورية والإدراكية والاجتماعية والنفسية ومن الإجحاف عزل هذه الفئة بسبب إعاقتها».

دراسات تؤيد الدمج

واستطرد المناعي «أظهرت بعض الدراسات المجراة في الدول المتقدمة بعض مساوئ التعليم الخاص بفئة متلازمة داون وكشفت عن تدني المستوى الأكاديمي للأفراد من ذوي الاعاقات الشديدة ومعظم الأطفال ممن لديهم متلازمة داون في المدارس الخاصة بهم وعدم اكتسابهم مستويات مقبولة في القراءة والكتابة ومعرفة الأعداد أو المعلومات العامة بالإضافة إلى محدودية تحصيلهم وضعف المهارات المرتبطة بالتواصل مع الآخرين، كما بينت ان اعتمادهم على أنفسهم قليل جدا، بيد أن السبب في تدني المستوى الأكاديمي يرجع إلى أن الطموحات المتوقعة من المعوق شبه معدومة يضاف إليها قلة فرص التعليم لأن المنهج الدراسي للمدارس الخاصة بالمعوقين يعتمد على المهارات الخاصة والاجتماعية للمعوق بدل المهارات الأكاديمية».

وأضاف مدير المركز أن الدراسات بينت ان من مساوئ التعليم الخاص أيضا اختلاف المحيط الدراسي في هذه المدارس عن محيط المدارس النظامية، ما يؤدي إلى عدم إقامة هؤلاء الأطفال مناقشات أو أنشطة مع الأطفال العاديين بسبب عدم وجودهم في محيط واحد مع الأطفال الطبيعيين ما يعني افتقادهم وجود القدوة والمثل الذي يحتاج إليه أي طفل، وأشار إلى أن دراسة أخرى أجريت في العام 1990 في مانشستر شملت 117 طفلاً ممن لديهم متلازمة داون بينت ان أطفال المدارس النظامية لديهم الفرصة للحصول على مستوى أكاديمي أعلى في القراءة والكتابة ومعرفة الأعداد مقارنة بمن يدرسون في فصول خاصة معزولة في المدارس النظامية ومن يدرسون في مدارس لتعليم ذوي الاحتياجات الخاصة والمدارس الخاصة بالمعوقين

العدد 1474 - الإثنين 18 سبتمبر 2006م الموافق 24 شعبان 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً