تحرص شركات دولية على دخول قطاع الاتصالات في ليبيا الذي يعد أحد الفرص التجارية المهمة التي أفرزتها انتفاضات الربيع العربي. لكن تلك الشركات لن تعرف السبيل إلى ذلك إلا بعد أول انتخابات حرة في ليبيا التي مزقتها الحرب والمقررة في يونيو/حزيران 2012.
ويعد قطاع الاتصالات الليبي في أشد الحاجة إلى استثمارات أجنبية بعد تعرض 20 في المئة من محطات الإرسال للتدمير أثناء ثورة العام الماضي (2011)، التي أنهت دكتاتورية معمّر القذافي التي استمرت 42 عاماً. ولاتزال ليبيا البالغ تعداد سكانها 6 ملايين نسمة في حال اضطراب سياسي بعدما أودى الاقتتال بين القبائل بحياة 150 مواطناً تقريباً الأسبوع الماضي. لكن شركة «اتصالات» الإماراتية وكيوتل القطرية والاتصالات السعودية عبرت جميعاً عن اهتمام محتمل بالعمل في ليبيا.
وحجب القذافي اقتصاد ليبيا عن كثير من المنافسة الدولية وحجز رخص التشغيل والعقود لدائرته المقربة؛ ما يجعل السوق جذابة للوافدين الجدد حالياً. وتقدم شركتان فقط خدمات الهاتف المحمول في ليبيا هما المدار وليبيانا وكلاهما مملوك إلى الدولة. ولما كانت ليبيا صاحبة احتياطيات ضخمة من الطاقة يصبح متوسط مستوى الدخل بها أعلى بكثير من دول الجوار. وبما أن فرص الاستحواذ في قطاع الاتصالات العالمي تراجعت في السنوات الأخيرة فإن ليبيا تكتسب جاذبية أكبر.
وقال وزير الاتصالات الليبي أنور الفيتوري لرويترز إن «ثلاثة أو أربعة» مشغلين أجانب على الأقل عبّروا عن اهتمامهم بدخول ليبيا. لكننا سنترك الأمر للحكومة المقبلة لاتخاذ قرار».
وستشهد ليبيا انتخابات برلمانية في يونيو المقبل لاستبدال الحكومة الانتقالية التي لا تملك صلاحية اتخاذ قرارات كبرى بشأن الاقتصاد. وقال الفيتوري إن ليبيا ستفتح سوق الاتصالات أمام المنافسة الجديدة «حين تصبح لدينا قواعد للمنافسة وبنية تحتية مناسبة لهذا أيضاً».
وقال إن نحو 20 في المئة من المواقع التي تشغلها شركة المدار وليبيانا أصيبت بأضرار بينما حصل أكبر تدمير في زليتن ومصراتة وسرت التي أصبحت ساحات معارك مكثفة طوال فترة الحرب التي امتدت ثمانية أشهر.
ولدى كل شركة 1000 محطة أرضية تقريباً. وتعني هذه التلفيات التي قدرتها حكومة القذافي بمئات الملايين من الدولارات أنه تم قطع الصلة بين شبكات المحمول في شرق البلاد وغربها حين انتهى الصراع.
وقال الفيتوري: «عملنا على إعادة الخدمات إلى وضعها الطبيعي وانتهينا من هذا تقريباً. هناك طلب كبير على خدمات الاتصالات». وأضاف الوزير، أن عدد مستخدمي الإنترنت تضاعف منذ اندلاع الثورة. ولعب موقع فيسبوك دوراً كبيراً في حشد المعارضة ضد القذافي.
وفي أسواق إفريقية أخرى فرضت المنافسة الشرسة وكثرة عدد المشغلين مصاعب على الشركات الوافدة حديثاً. وقال المحلل بشركة بودكوم في سيدني، بيتر لانغ: «ليبيا ليست كذلك. وهذا سيجذب المشغلين الأجانب سواء فيما يخص شراء حصص في المشغلين الحاليين أو شراء رخصة ثالثة».
وأضاف «ليبيا هي واحدة من أغنى أسواق إفريقيا وتشبه جنوب إفريقيا والغابون في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ويمكن جمع كثير من المال من خدمات النطاق العريض (برودباند) والإنترنت».
ووفقاً لبيانات رسمية قفزت نسبة تشبّع السوق الليبية بخدمات المحمول أو نسبة الهواتف إلى عدد السكان من أقل من واحد في المئة العام 2001 إلى 172 في المئة في 2010. لكن كثيراً من المحللين يشكّكون في صحة هذه الأرقام ويقولون إن مسئولين بالنظام السابق ربما اختلقوها على رغم أن تذبذب جودة الخدمة يعني أن عدداً كبيراً من الليبيين يستخدمون أكثر من هاتف.
وقد تكون نسبة التشبّع الحقيقية بخدمات المحمول أقل من هذا بكثير وهذا يفتح الساحة أمام إمكانية تحقيق نمو. ويعد معدّل التشبّع بخدمات البرودباند والإنترنت في ليبيا متأخراً بفارق كبير عن المتوسط الإقليمي؛ بل وأقل من جيرانها الأشد فقراً. وطبقاً لبيانات الاتحاد الدولي للاتصالات بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت بين الشعب الليبي 14 في المئة مقابل 49 في المئة في المغرب و37 في المئة في تونس و27 في المئة في مصر.
وقال المحلل الأول بشركة إنفورما تليكومز اند ميديا في دبي، ماثيو ريد إن سوق «البيانات توفر الكثير من الفرص المحتملة لأن شركة ليبيانا فقط هي التي لديها رخصة لخدمات الجيل الثالث». وأضاف ريد «تعد خدمات البيانات والبرودباند عبر الهواتف المحمولة عالية التكلفة نسبياً ولذا ليس هناك إقبال قوي عليها حتى الآن. ولاتزال هناك آفاق أخرى للخدمات ذات القيمة المضافة وهذا سبب اهتمام المشغلين الأجانب».
وتقدّمت شركة اتصالات الإماراتية بعرض للحصول على رخصة في ليبيا العام 2009 لكن النظام السابق لم يكمل المزاد وترك القطاع في قبضة عائلة القذافي والمقربين منها. وقال ريد إن الخيار المفضل لأي شركة مشغلة جديدة مثل «اتصالات» سيكون شراء إحدى الشركتين القائمتين على الأرجح. وأضاف «ليبيا تستطيع بيع حصص في شركتي مدار وليبيانا وهذا يزيد المنافسة ويسمح بانتقال المهارات والمعرفة التقنية».
وقال مدير عام سوق المال الليبي، أحمد كرود لرويترز الشهر الماضي، إن خطط ما قبل الحرب لإدراج أسهم من شركة المدار وليبيانا ستمضي قدماً في العام المقبل (2013). وقد تكون هذه الإدراجات فرصة لمشغلين أجانب لشراء حصص بالشركتين. وقال محلل إنه قد يتم تقدير قيمة ليبيانا بملياري دولار تقريباً والمدار بنصف هذا المبلغ تقريباً عند البيع، على رغم أنه أكد وجود كثير من الغموض مثل معدل التشبّع الحقيقي بخدمات المحمول وهذا يعني أن تقييم الشركتين صعب جداً حالياً.
وستتوقف أي صفقة بيع على موافقة الحكومة المقبلة. ولما كانت البلاد تعج بالانقسامات السياسية ولديها جملة من مهام إعادة بناء الاقتصاد لا يتضح متى يمكن وضع سياسة لقطاع الاتصالات وكيف ستبدو ملامحها. ويخشى البعض من أنه قد يتعين الانتظار شهوراً طويلة لذلك.
وقال محلل لقطاعات الاتصالات بالشرق الأوسط طلب عدم الإفصاح عن هويته لحساسية الموضوع: «تأتي الاتصالات في ذيل قائمة الأولويات» وأضاف «الشبكات عاملة لكن ليست هناك استراتيجية حكومية واضحة بخصوص الاتصالات أو وسيلة تنفيذها». وضرب مثلاً بأن ليبيا قد تتبع نموذج العراق في فترة ما بعد الحرب؛ إذ فتحت الأخيرة السوق تماماً وسمحت لكثير من شركات الاتصالات بتقديم الخدمات الدولية.
العدد 3515 - السبت 21 أبريل 2012م الموافق 30 جمادى الأولى 1433هـ