العدد 3550 - السبت 26 مايو 2012م الموافق 05 رجب 1433هـ

إلياس ديب شاعر يقول: لست شاعراً

الفنان التشكيلي اللبناني إلياس ديب في كتابه الجديد «طاحونة الصدى» الذي يحتوي - وفقاً لمقاييس هذه الأيام الفنية - على مجموعة «قصائد»... يصر على القول انه ليس شاعراً وهو زعم لا تدعمه قراءة محتويات الكتاب. يكتب إلياس ديب موضوعات متناولاً الحياة والموت، إذ إن المرض جعله يقيم في مستشفيات مختلفة مدة من الزمن فجاءت قصائده مكتوبة في هذه المستشفيات.

الكتاب حمل عنوان «طاحونة الصدى» كما سيق القول واتبع العنوان بوصف بدا كأنه عنوان آخر فرعي هو «نصوص عفوية ورسوم من سفر العجب». وقد صدر الكتاب عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» و»محترف مرئيات» في بيروت وجاء في 110 صفحات متوسطة القطع. رسم الغلاف هو للفنان إلياس ديب ورسوم الكتاب الداخلية له وللفنان بلال بصل والفنانة يارا قرداحي، وصممم الغلاف علي قهوجي.

وإلياس ديب حاصل على درجة دكتوراه في الفنون وعلوم الفن من جامعة باريس الأولى السوربون وعلى شهادات أخرى في المجال الفني. وقد مارس النشاط المهني في ميدان التعليم والتربية الفنية وله دراسات وأبحاث ومحاضرات في مجال الفنون البصرية. وفي مقدمة حملت عنوان: «صدقاً أقول» يعلن الياس ديب «لم أقل يوماً إني شاعر أو أديب أو كاتب قصص وروايات بل كنت دوماً أسعى خلف رؤيا البصيرة لا الصور في أدغال الابجديات».

أضاف كأنه بكلامه ينفي عن الصفات التي يذكرها علاقتها بالشعر «كنت ومازلت أبحث بين السطور عن منظر ذهني... عن مسرح وأسطورة... عن نغم... عن عطر... عن رجع صدى... ومازلت في أقاليم الحق والخير والجمال أطوف توقاً لأماكن رحلت من حيث تأتي الرياح».

إلياس ديب يكتب نثره وما نسميه شعره وكأنه يرسم ذلك رسماً... فأمامنا لوحات واسعة وبتفاصيل صغيرة منمنمة. وقال: «أدخل غابة الأبجدية للنزهة والمتعة. يكون اهتمامي غالباً مفتوناً بالأعشاب البرية... بطحالب المشاعر الصادقة التي تنمو فوق جذوع الأشجار وتكون مشاعري أيضاً متيقظة لزغردات العصافير فوق أغصان ندية في صباحات العمر. أشجار تعلو... تحاور الغيوم... تضم الضباب إلى صدرها... تستقبل النور وتودع المغيب فوق أضلعي».

الفنان الذي تعامل طوال عمره بالألوان أكثر من تعامله بالحروف؛ قال عن نفسه: «زائر أنا في غابة الأبجدية يؤنسه الشجن. الشعر ليس مهنتي. أنا في هذه الدنيا ضيف وزائر في عينيه غيمتان ودمع وفي قلبه تعبث بعض العشائر. على رغم النصوص التي أكتبها أنا لست شاعراً».

وتحدث عن كتابه؛ فقال: «النصوص التالية كتبت خلال شهرين... سبتمبر/ ايلول وأكتوبر/ تشرين الأول 2011 بعد عملية جراحية خضعت لها. هذه النصوص بدأ فيضها في بيت الشفاء - المستشفى - خلال الخمسين يوماً التي قضيتها فيه. «ربما جاءت الى خاطري للهرب من فكرة الموت والفناء التي زارتني في حجرة العناية الفائقة. ربما جاءت لدفن الضجر في غرفة الاستشفاء كما في مركز التأهيل. «رافقتني في ساعات الفراغ بعض القراءات وأيضا قمت بتخطيط بعض الرسوم التي أضمّن هذا الكتاب عدداً منها. وهي رسمت تحت عنوان: «سفر العجب» كما شاركني بعض الأصدقاء والأحبة الإصغاء لإبداع الحياة».

قصائد المجموعة طويلة في غالبها. أول عنوان عنده كان: «طاحونة الصدى» التي يستهلها بالقول: «بين غفوات وحلم يعبر الليل جفوني خفيفاً كالسراب/ يوقظ النفس لحظة نور قرب الفجر عند مفارق الشفاء/ ويبقى الجسم فوق سرير الانتظار/ أبواق الحلم تصدح في شعرها الأحمر من هي/ أهي الحياة؟/ تعلو أشرعة الغياب ومراكب الضباب تنتظر... الموت قريب؟».

ويختم القصيدة بالقول: «أموت... أموت بلا خوف أموت / أبي وأمي هل ألقاهما هناك؟/ كيف تنتظم الفصول عند مداخل الخلود؟/ قبل اقفال بوابة الحقيقة في عين المكان والزمان/ يظهر وجود افتراضي تضمه الصلاة/ الى صدرها أنفاساً ترانيم حياة».

وفي قصيدة «غربتان وقدر» يقول إلياس ديب «عاد من هيكل الوقت شيخ السنين/ عاد سقيماً هزيلاً كالصقيع/ عاد الخريف الى متاهات المدينة/ سجادة صفراء تفترش الرصيف / الغراب يعلن موت النهار فوق مصباح الغروب / الضجر يركض في متاهات القدر في حدائق الحياة / تزحف إلى جحرها أفعى الوصية تحمل الفردوس/ في فمها هدية... فردوسها اللعين».

وفي «لقاءات الوحشة» يرسم إلياس ديب ما يقوله في صور واسعة وفي تفاصيل. يقول «تخرج من فم الصحراء وحشة عملاقة الكثبان/ رمادية زرقاء وأشباح الريح ترحل/ إلى بلاد العواصف/ شعاع وعشائر يتعانقان عند المغيب/ تخجل الشمس... يمتلىء الأفق بعبير القلب/ وردا جوريا تنثره أنامل أهل العشق/ فوق فضاءات الروح/ ترفرف ريح وفحيح أفعى/ تخرج من نبض الخوف/ تزحف مثل جداول الرعشة».

في قصيدة «سحر الضجر» يقول «نور الشمس رحيق. فرحي يتقن الترحال/ شعاعها رفيق يسكن القلب وشراعي حرير/ غيومي دائمة الحضور/ أعيادها مطر/ ساحاتي تفترشها عيون الزمان/ تتفتح عندها مداخل الفصول/ تسجد فيها أعتاب القدر». إذا أردنا مسايرة إلياس ديب في قوله إنه ليس شاعراً فمن أضعف الإيمان أن نقوم بوصف كلامه المكتوب هذا مستعيرين عنواناً لمجموعة شعرية للراحل محمد خالد القطمة وهو «كلام يشبه الشعرا».

العدد 3550 - السبت 26 مايو 2012م الموافق 05 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً