ما إن تشعر بالتفاؤل بإنتاج أول فيلم روائي سعودي حتى تصاب بما يشبه الاحباط لغياب المملكة المعروفة بتشددها إزاء الفنون عن حوادث فيلم «ظلال الصمت» الذي جعله مخرجه عملا تجريديا يعفيه من أي تبعات.
والتعميم في الفنون يشير الى عدم الجرأة وتجنب الصدام والاكتفاء بالوقوف في منطقة محايدة رمادية بين التصريح والتلميح... والقول والصمت وهي طريقة انتهجها عبدالله المحيسن الذي سيكتب له أنه أول سعودي يخرج فيلماً روائياً طويلاً.
وتدور حوادث الفيلم في مرحلة ما بعد الاحتلال الأميركي للعراق العام 2003 في مكان غير محدد، لكنه طبعاً خارج المملكة التي يحظر فيها على السيدات قيادة السيارات أو الاختلاط.
وتعالج الحوادث في صورة رمزية قضية الاستبداد وكيف يمكن لنظام متسلط أن يحكم السيطرة على العقول والكفاءات بعزل أصحابها في مكان غامض اسمه «المعهد» أشبه بقلعة لا يمكن الخروج منها تمهيداً لغسيل عقولهم واحتوائهم وتأهيلهم من خلال التدريب على كيفية الظهور بصورة افتراضية يريدونها هم لأنفسهم في المجتمع بدلاً من الصورة الحقيقية.
وكان المفكر الفرنسي جان بودريار قد أطلق في مطلع التسعينات مقولة شهيرة هي أن حرب الخليج العام 1991 التي انتهت بإخراج الجيش العراقي من الكويت لم تقع بل شاهد الناس منها نسخة تلفزيونية تتفق مع ما أراده الساسة الأميركيون الذين قادوا ما عرف آنذاك بقوات التحالف لتحرير الكويت.
وفي فيلم المحيسن يصبح علماء ومفكرون ضحايا مسئولي المعهد وتجرى عليهم اختبارات صارمة ويخضعون ليلاً ونهاراً لمراقبة بالصوت والصورة حتى تكاد أحلامهم تسجل وتختلط عليهم اليقظة بالأحلام الى أن تخوض زوجة أحدهم مغامرة حين تقود سيارتها في الصحراء وتقابل شيخاً بدوياً يتعاطف معها ويدبر حيلة ينفذها أبناؤه وأتباعه باقتحام المعهد وانقاذ الزوج وضحايا آخرين.
أدرج الفيلم ضمن مسابقة مهرجان الفيلم العربي بروتردام في هولندا في دورته السادسة والأخيرة. لكن مخرجه اعتذر قبل العرض عن ذلك مكتفيا بعرض الفيلم خارج المسابقة حتى تتاح له فرص المشاركة في المسابقات الرسمية بمهرجانات أخرى.
وفي ملف أنيق أجاب المخرج عن سؤال افتراضي هو «ما المهرجانات التي سيشارك فيها الفيلم؟ خطة العرض في المهرجانات بدأت ونستعد الآن للمشاركة في تظاهرة مهرجان الفيلم العربي بباريس ومهرجان قرطاج (السينمائي في تونس) وهناك دعوات ندرسها للمشاركة في مناسبات سينمائية عالمية.
كما سجل الملف الذي حرص غلافه على أن «ظلال الصمت» هو «أول فيلم روائي عربي سعودي» الجوائز التي حصل عليها مخرجه ومنها ميدالية الاستحقاق من الدرجة الأولى من العاهل السعودي الراحل فهد بن عبدالعزيز تقديراً لجهوده في مجال السينما الوثائقية وشهادة تقدير عن تلك الجهود من ولي العهد الأمير سلطان بن عبدالعزيز، إضافة الى شهادة تقدير من الامم المتحدة العام 1976 عن أول فيلم سعودي قصير عنوانه: «مدينة الرياض» كما «تلقى خطاب شكر وتقدير من رئيس منظمة المؤتمر الاسلامي الحبيب الشطي تقديرا على العمل الذي يخدم الاسلام والمسلمين».
ويعمل المحيسن (59 عاماً) في مجال السينما الوثائقية منذ نحو 30 عاماً ومن أفلامه «اغتيال مدينة» 1977 عن الحرب الأهلية في لبنان و«الإسلام جسر المستقبل» 1982 و«الصدمة» 1991 عن اثار غزو الرئيس العراقي السابق صدام حسين للكويت في أغسطس/ آب 1990.
ويبلغ طول فيلم «ظلال الصمت» 110 دقائق وهو من إنتاج الشركة العالمية للدعاية والإعلان التي أسسها المحيسن بعد أن أنهى دراسته في بريطانيا في السبعينات حين «أنشأ أول استوديو تصوير سينمائي في المملكة العربية السعودية» التي تخلو من دور للعرض السينمائي.
وشارك في الفيلم الذي صور في سورية ممثلون سعوديون وعرب منهم السوريون غسان مسعود وفرح بسيسو ومنى واصف والكويتي محمد المنصور. والموسيقى التصويرية لزياد الرحباني.
ويبدو الفيلم في نصفه الأول على الأقل أقرب الى مضخة للأفكار الذهنية عبر حوارات ومناظرات يتبارى فيها المتحدثون في اطلاق «الكلام الكبير» عن العولمة والاحتلال والانتداب والاستعمار الجديد من دون أن تترجم هذه الأفكار إلى دراما.
فأين السعودية كمكان أو واقع اجتماعي من الفيلم...
يجيب الناقد السينمائي المصري سمير فريد قائلاً: إن هذا العمل الذي يتجنب الخوض في أي قضايا تخص السعوديين يمكن اعتباره فقط «أول فيلم لمخرج سعودي وليس أو فيلم سعودي».
لكن هيفاء المنصور أول مخرجة في المملكة شاركت في المهرجان بفيلم وثائقي طويل عنوانه: «نساء بلا ظل» نوهت به لجنة التحكيم «تقديراً للجرأة في الطرح ومساندته قضية المرأة واظهارها على أنها مسئولة أساسا عن وضعها وأيضاً اظهاره كيف أن النمو الاقتصادي المتسارع في الخليج عموماً ساهم في ارجاعها الى الوراء بدل أن ينهض بها».
وفي فيلم «نساء بلا ظل» تنتقد سيدات سعوديات بصراحة مدهشة التقاليد الوهابية التي اعتبرنها تشل حركة نصف المجتمع في حين لايزال بعض رجال الدين السعوديين في الفيلم مختلفين بشأن قضيتي صوت المرأة والنقاب.
لكن «ظلال الصمت» يقفز فوق مشكلات كثيرة حتى أن الناقد العراقي عبد الرحمن الماجدي قال لـ «رويترز»: «السعودية غائبة في الفيلم سوى من اسم المخرج وممثل كان أداؤه ضعيفاً جداً ومرتبكاً من هالة النجوم والنجمات من سورية الذين طغى وجودهم على الفيلم فبدا كفيلم سوري معتاد. والخطوة الذكية الوحيدة في الفيلم هي هرب المخرج باتجاه استخدام العربية الفصحى في الحوارات فتفادي عدم اجادة الممثلين السوريين للهجة السعودية وخشية الاحراج باعتبار الفيلم سعوديا اذا تحدثوا بلهجتهم السورية. وهي خطوة للايحاء بان موضوع الفيلم يشمل كل الدول العربية».
ووصف الفيلم بالمباشرة، إذ ركز على ما يجري في العراق وان غلفه باشارات ورموز «بدت مضحكة فما دار من حوارات لا تبتعد عما يدور من أحاديث في الشارع العربي من وجود مؤامرة تستهدف العرب».
وتساءل «إذا كان المخرج يريد الإعلان عن رأيه من خلال شريط سينمائي أن العراق محتل من قبل أميركا وهذا معروف للجميع فهل يحتاج ذلك الى تجنيد هذا العدد من الممثلين والتقنيين».
وقال الماجدي إنه كان جديرا بالمحيسن أن يكون مباشرا ويسمي الشخصيات بأسمائها فالمعهد هو المنطقة الخضراء المحصنة في العاصمة العراقية (بغداد) التي يوجد بها مقر القيادة العسكرية الأميركية ومقر الحكومة العراقية كما ركز المخرج على «الشبه الكبير بين مدير المعهد والحاكم المدني (الأميركي) السابق للعراق بول بريمر أما الشيخ البدوي فهو شبيه (عضو هيئة كبار العلماء بالعراق) حارث الضاري وابنه هو (أبومصعب) الزرقاوي اللذين أبرزهما المخرج كبطلين أسطوريين».
ويضيف «جعل من البدو أبطالا أسطوريين فكاميرات المعهد التي تتسلل حتى داخل رؤوس النزلاء وتسجل أحلامهم عجزت عن تصوير البدو المتسللين لانقاذ الزوج... ضاع الفيلم بين أخطاء تقنية ولغة خطابية مباشرة ونهاية متوقعة جدا انتصر فيها الابطال البدو على التقنية الغربية»
العدد 1405 - الثلثاء 11 يوليو 2006م الموافق 14 جمادى الآخرة 1427هـ