العدد 1409 - السبت 15 يوليو 2006م الموافق 18 جمادى الآخرة 1427هـ

السباق الذي «لم» يكن عادلاً أبداً!

وصول المرأة إلى مراكز صنع القرار...

«أريد أن أصل إلى نهاية السباق، استطيع أن اتفوق، لدي كل القدرات والإمكانات، ومنافسي لا يبدو أفضل مني في قدراته، سأجري وأجري، لا بد أن أصل قبله، لكن هذه عقبة تعترض طريقي... وهو يجري، وهذه حفرة أخرى علي تجاوزها... وهو يجري، هذا مطب أمامي، وذاك مرتفع، وتلك أسلاك شائكة، وأنا أجري، وأحاول أن أصل، أصعد هنا، أنزل هناك وأجري، وهو يجري بسلاسة، لا شيء يعترض طريقه، لا يواجه ما أواجه، لقد سبقني، لقد تفوق علي، لقد تخطاني بمراحل، وأنا أجري، وأحاول، وأظل أجري وأجري، حتى تتقطع أنفاسي، لقد وصل، لقد تفوق علي، أشعر بالتعب ولكنني أريد أن أصل، لا بد أن أصل، ولو متأخرة...».

ذاك لسان حال أي امرأة تريد أن تصل إلى مركز «قيادي» في مجتمعها، أياً كانت تلك المرأة، أينما كانت، لا بد أن تردد في نفسها تلك الكلمات، قد تختلف لغتها، أو أسلوبها، أو وصفها لذاك السباق المحموم الذي تشارك فيه، لكنها لا بد أن تردد تلك الكلمات في النهاية؛ لأنها تخوض سباقاً وضعت شروطه منذ القدم، طريق الرجل سالك سهل، معتاد، وطريق المرأة شائك مليء بالمطبات، هذه قوانين اللعبة.

مهما اعتبرنا دعاوى تمكين المرأة «مفتعلة»، ومهما تفاءلنا بالكفاءات النسائية الكبيرة التي تزخر بها مجتمعاتنا، ومهما شاهدنا من نساء تم تعيينهن في مراكز قيادية سياسية، فلا يمكننا بأي حال أن ننكر أن الطريق الذي تخوضه المرأة لتصبح «ذات قرار سياسي» طريق شائك وعر يعج بالصعوبات والتحديات، بعكس طريق الرجل الممهد بشكل «طبيعي» وسلس، ولا يمكن أن ينكر هذه الحقيقة أحد.

قياديات «هبطن» بالباراشوت

تسابق محموم ذلك الذي تشهده المنطقة العربية، ودول الخليج العربي تحديداً من أجل تمكين المرأة السياسي وتعيينها في مراكز صنع القرار، تسابق أثار عدة أسئلة، بعض الأصوات تسأل هل تم الالتفات فجأة إلى وجود نساء كفوءات يمكن أن يتحملن تبعات منصب وزاري أو إداري حساس؟ البعض الآخر ربطه بالتوجه العالمي نحو تمكين المرأة انطلاقاً من بعض الاتفاقات الدولية التي وقعتها تلك الدول، بعض الأصوات اعتبرت تعيين النساء في مراكز قيادية «شكلياً» مادامت الحكومات تحركهن، والبعض اعتبره ضرورة ملحة للتغيير.

على رغم كل تلك الأسئلة التي لا بد منها عند حدوث تغيير ما في أي مجتمع، لا بد أن نعترف بأن التعيين الرسمي للنساء في مراكز قيادية «مكسب نسائي حقيقي»، بغض النظر عن أي أبعاد أخرى خارجية أو داخلية. مكسب طالت المطالبة به، فحتى لو هبطت النساء «بالباراشوت» في مراكز قيادية في دولهن، فربما اعتبر هذا «الباراشوت» ضرورة لتفادي حفر ومطبات في الطريق تواجه المرأة من دون الرجل، ولكي تتحقق العدالة بينهما، ربما ليس هناك بد من خلق وضع استثنائي يمكّن المرأة من الوصول، يتماشى مع الوضع الاستثنائي الذي قولبها فيه المجتمع في سباقها مع الرجل.

تقول رئيسة الشبكة السياسية في الاتحاد البرلماني الدولي كارين جبر في حوارها مع «جهينة» أثناء حضورها المؤتمر الإقليمي للبرلمانيات والقياديات بدول مجلس التعاون الخليجي الذي نظمته لجنة المرأة والطفل في مجلس الشورى أخيراً: «في بعض الدول تعتبر التحديات التي تواجهها المرأة فيما يتعلق بوصولها إلى مواقع صنع القرار السياسي صعبة للغاية، وعليه فإن تعيين المرأة في المراكز القيادية يعتبر ضرورة ملحة في هذه المجتمعات لفتح الطريق أمامها على الأقل لتغيير الصورة التي أخذت عنها في ذلك المجتمع». ولكنها تضيف أيضاً! أن «وصول امرأة إلى موقع صنع القرار في بلد ما لا يعني نهاية المطاف وإنما هو بداية سلسلة أخرى من التحديات التي يجب أن تثبت المرأة من خلالها جدارتها، وإلا لما عاد لتعيينها أية قيمة أو معنى، وعليها بالأساس أن تتعلم كيف تعمل مع غيرها من النساء». وتأتي جبر بمنحى آخر من القضية إذ تشير إلى ضرورة وجود علاقة بين الحراك الرسمي والأهلي أو الشعبي في وصول المرأة إلى مراكز صنع القرار أو القيادة، فإذا تم تعيين امرأة في موقع سياسي قيادي من قبل السلطة، فلا بد أن يصاحبه ذلك حراك نسائي وتقبل اجتماعي وإلا فلن يؤثر على النظرة للمرأة في هذه المواقع. وتؤكد جبر ضرورة تمثيل المرأة في البرلمانات من أجل أن تكون تلك البرلمانات متكاملة تحقق وجود توازن نوعي في اتخاذ قراراتها.

وتشدد جبر أيضاً على ضرورة التعاون بين الجهات الرسمية والأهلية في الصراع من أجل تحقيق وضع المرأة في المجتمع، إذ لا يمكن برأيها أن يستفرد أي منهما من دون الآخر في رسم مستقبل المرأة في المجتمع. وعن تعليقها بشأن وضع المرأة في الخليج تقول جبر إنها متأثرة جداً بما وصلت إليه المرأة في هذه المنطقة واصفة الدعم الرسمي للمرأة بالمشجع جداً إلى المشاركة السياسية، معتبرة إياه أسلوباً إيجابياً في التفكير يعكس وعياً خاصاً بضرورة إدماج المرأة في المجتمع.

حان الوقت لاهتمام الحكومات بتعيين النساء

من جانبها تقول الأمين العام للجنة الوطنية لشئون المرأة في الأردن أمل صباغ إنه لا يهم الهدف وراء سعي الحكومات العربية إلى تعيين المرأة في مراكز صنع القرار، فالمهم هو إظهار هذه النية القاضية بإبراز المرأة ما يعطيها على الأقل فرصة للتمثيل. مضيفة أنه بغض النظر عن السبب وراء هذا الاهتمام، «إلا أننا نظن أنه حان الوقت لهذا الاهتمام وليس هناك من خطأ في ذلك».

وترى صباغ أيضاً أنه طالما أتيحت الفرصة إلى المرأة للدخول إلى هذا المعترك، فلا بد عليها أن تخدم النساء الأخريات فتقوم بتشريع القوانين التي تمس مصالحهن في المجتمع، غير أنها تشدد على عدم إمكان عزل المرأة عن الواقع ككل، فعليها أن تحاول المشاركة في اتخاذ القرارات التي تمس المصلحة العامة أيضاً وليس مصلحة النساء فحسب.

غير أن الإشكال الأهم الذي تطرحه صباغ وهي في إجابتها على سؤال ما إذا كانت المرأة قادرة أصلاً على صنع القرار إذا وصلت إلى موقع صنع القرار بالفعل، إذ ترى صباغ أن على المرأة عدة أعباء أهمها أن عليها أن تبرهن نفسها في عالم السياسة من خلال الموازنة بين مسئولياتها المتعددة، وتضيف أن الجميع يقيم قراراتها بناء على ترجمة جميع أهداف الحركات النسائية إلى قرارات، وهو أمر تصفه بالبالغ الصعوبة.

امرأة واحدة لا تكفي!

وتستطيع المرأة أن تتخذ القرار في المجالس الوطنية في رأي صباغ مع وجود «كتلة من النساء في مراكز اتخاذ القرار فتمثيل امرأة واحدة لا يكفي، إلا أن دخول مجموعة من النساء هو الذي يمكن أن يغير القوانين لصالح المرأة.

وتشدد صباغ أيضاً على ضرورة وجود حس نسوي في القرارات التي تتخذ في أي بلد، ولذلك تنصح النساء في مواقع اتخاذ القرار بالاهتمام بالقضايا العامة مثلما يهتممن بقضايا المرأة والطفل، لكن لا يمنع ذلك برأيها من الاهتمام بقضايا المرأة التي تنبع من طبيعتها، وعلى المرأة أيضاً برأيها أن تهتم بالقضايا الأخرى التي تنبع من وحي تخصصها في القطاعات المختلفة.

المهم إمكان صنع القرار وليس المنصب

تعتبر التجربة السويدية في مشاركة المرأة في البرلمان أحد أهم التجارب العالمية نظراً إلى النسب العالية التي حققتها المرأة السويدية في تمثيل المرأة في البرلمان. إذ تبلغ مشاركة المرأة في البرلمان السويدي حالياً نحو 45 في المئة، وهي نسبة عالية بكل المقاييس، لا يضاهيها إلا معرفة أن المشاركة السياسية للمرأة السويدية بدأت منذ العام 1921.

«جهينة» حاورت إحدى عضوات البرلمان السويدي في زيارتها الأخيرة للبحرين لحضور الملتقى الإقليمي للبرلمانيات والقيادات سابق الذكر، وهي تينا أكيتوف التي انتخبت في البرلمان السويدي ممثلة عن الحزب الديمقراطي الليبرالي الحر، وهو أحد أهم الأحزاب السياسية السبعة في السويد والتي تمولها جميعاً الحكومة، وتعتبر المتحدث الرسمي باسم حزبها ذاك في البرلمان السويدي.

تقول أكيتوف إن تعيين المرأة في موقع صنع القرار لا يكفي للقول بتمكينها سياسياَ، إذ لا بد برأيها من المساواة في منحها الفرصة لاتخاذ هذا القرار، ولا بد من وجود رغبة حقيقية لدى الجميع وعلى رأسهم السلطة العليا في الدولة بمفهوم «المساواة بين الجنسين» لكي تتحقق.

«وزارة» للمساواة بين الجنسين

ومن أكثر التطبيقات تشويقاً في تجربة السويد ضمن سعيها إلى المساواة بين الجنسين ما ذكرته اكيتوف بشأن وجود وزارة متخصصة معنية بشئون المساواة بين الجنسين، ولدى هذه الوزارة القدرة على وضع توصيات تتعلق بالمساواة بين الجنسين لكل وزارة بحسب اختصاصاتها.

وعن اختصاصات هذه الوزارة تقول أكيتوف إنها تراقب جميع قوانين وإجراءات الوزارات الأخرى في تطبيقها لمبدأ المساواة بين الجنسين، وتعزي وجود هذه الوزارة إلى ضرورة تكليف إحدى الجهات رسمياً لتطبيق هذا المبدأ لكي يتم حفظ الحقوق.

وعلى رغم وجود جميع هذه الحقوق الممنوحة للمرأة السويدية وما وصلت إليه من مستوى، لاتزال أكيتوف ترى أن السويد «ليست بلداً ديمقراطياً» فيما يتعلق بالتشريعات والفرص التي تمنح للمرأة. فالحقوق المتساوية برأيها لا تعني فرصاً متساوية، وذلك بناء على دراسة متخصصة قام البرلمان السويدي بإعدادها لقياس الفرص المتاحة للمرأة في الوصول إلى مراكز صنع القرار.

وترى أكيتوف بناء على نتائج تلك الدراسة أنه ليس من الضروري تعليم المرأة المساواة بين الجنسين لأنها تؤمن بها بطبيعتها، إنهم الرجال هم من يجب تعليمهم هذه المبادئ. ولا تعتبر أكيتوف هذا التوجه «ثورة» في وجه الرجال، وإنما هو تحول وتطور طبيعي، قد تصاحبه بعض «المعارك»، والذي تقتضيه أي خلافات تتعلق بتبدل موازين القوى.

الاتصال بين القمة والقاعدة

«في السويد، حصلت المرأة على حقوقها بمطالب شعبية أهلية، فقد بدأت من الصفر لتخوض حركات طويلة من الصراعات التي انتهت بحصول المرأة على حقوقها»، هذا ما تصف به أكيتوف السعي وراء نيل المرأة حقوقها في السويد. إلا أن تجربة السويد ليست هي المثال الوحيد في ذلك، إذ يصاحب تغيير وضع المرأة في المجتمعات أيضاً توجه رسمي. في هذا الصدد، تقول أكيتوف إن وجود صعوبة في الاتصال بين الجانب الرسمي والأهلي أثناء سعيهما معاً إلى تحقيق مكاسب للمرأة في المجتمع يضيف صعوبة أكبر على حجم الإنجاز، في الوقت الذي يجب فيه أن يتم التكامل والمشاركة. وبرأيها، يجب أن تتم الشراكة بين الرجال والنساء أيضاً في السعي من أجل هذه الحقوق والمكاسب، فنتائج هذه القرارات تعود على المجتمع بأسره

العدد 1409 - السبت 15 يوليو 2006م الموافق 18 جمادى الآخرة 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً