تُعدُّ القراءة السمة الأبرز التي يمكن أن يُستَدل بها للتعرف على المجتمعات المتحضرة والمثقفة من غيرها، فعلى رغم تعدد وسائل تلقي المعرفة وتنوعها فإن القراءة تشكل عصب التقدم والنواة الأساسية التي يمكن أن يُبنى عليها مجتمع متحضر قادر على النهوض بذاته لمزاحمة المجتمعات التي سبقته في سباق التقدم الحضاري.
ففي الدول المعروفة بتقدمها التكنولوجي والصناعي؛ تقوم الدولة -ويساعدها في ذلك وعي المواطنين- بالتشجيع على ثقافة القراءة بشتى الطرق والوسائل، وربما تعد بعض الوسائل مثيرةً للضحك لمن لا يقدِّر أهمية القراءة، من بينها وضع مكتبة مصغرة داخل الحمَّامات العمومية حتى لا يضيع وقت من يدخل هذه الحمَّامات دون أن يكتسب معرفةً جديدة!
إلا أن الوضع مختلف جداًّ في مجتمعنا البحريني؛ فمن يحمل كتاباً معه أثناء التنزه أو في الأماكن التي تتطلب الانتظار كالمستشفيات وغيرها يُنظر إليه من قبل الكثيرين على أنه شخص «غريب» و»معقَّد» و»ما عنده سالفة»!، فمن يمتلك هواية القراءة يضطر إلى ممارسة هذه الهواية بنفسه بعيداً عن أهله وأصدقائه لأنه في الغالب لن يجد لديهم الآذان الصاغية التي تهتم بهذا النوع من الأحاديث.
السؤال الذي يجب أن نطرحه في هذا الموضع؛ هو: ما الذي يمكن أن نفعله لإصلاح هذا الوضع وتعزيز ثقافة القراءة لدى الناس؟ بالطبع لا نطمح إلى أن نصل إلى حد جعل الناس يمارسون القراءة أثناء تواجدهم في الحمامات العمومية؛ فهذا مبكر بعض الشيء!
الحل في رأيي يكمن في غرس هذه الثقافة لدى المواطنين منذ مرحلة الطفولة، فمن الصعب جداًّ بطبيعة الحال أن نغير طبائع وعادات مَن هُم في الأربعينات والخمسينات من العمر، فمن شبَّ على شيء شاب عليه، ولكن من السهل جداًّ أن يتم تعويد الأطفال على حب القراءة والاطلاع بدلاً من الاكتفاء بما يدرسونه داخل المدرسة، لينشأ بذلك جيل واعٍ قادرٌ على تغيير الواقع الحالي المؤسف في بلادنا.
هذا الأمر يجب أن يتم ابتداء في المدرسة التي يقضي فيها الطفل ثلث وقته اليومي ويكتسب فيها أغلب صفاته وعاداته التي تكون راسخة معه إلى آخر حياته، سواء الإيجابية منها أو السلبية. صحيح أن كل مدرسة من مدارس البحرين تحتوي على مكتبة زاخرة بالكتب، إلا أن الحافز الذي يدفع الأطفال إلى القراءة غائب تماماً، فلا يوجد تشجيع مادي أو معنوي يحفز الأطفال لممارسة القراءة، بل على العكس تماماً؛ فالعديد من العراقيل توضع في وجه الأطفال تجعلهم ينفرون من القراءة، فالطالب الذي يقصد مكتبة المدرسة ليقرأ؛ يواجه بقائمة طويلة من القوانين الصارمة؛ التي إن خالف جزءاً منها يطرد من المكتبة، حتى أصبحت المكتبة المدرسية هي المكان الذي يلجأ إليه الطفل فقط ليقي نفسه من حر الشمس في فترة الفسحة!
في النهاية؛ لا بد أن نبدأ في وضع استراتيجيات فاعلة للتشجيع على ثقافة القراءة في مجتمعنا فوراً ومن دون أي تأخير، فلعلنا بذلك نصل إلى اليوم التي تصبح فيه مقولة «أمة اقرأ لا تقرأ» شيئاً من ذكريات الماضي وحكايا الأجداد.
العدد 3570 - الجمعة 15 يونيو 2012م الموافق 25 رجب 1433هـ
مع التغيير
وفقك الله يا زميلي .. انك مبدع في كل شي