العدد 3570 - الجمعة 15 يونيو 2012م الموافق 25 رجب 1433هـ

مساحة حرة - يكفي الأمل شمعة... كي تبدد عتمة اليأس

الأمل

تسربل الليل بعباءة الظلمة..

وانتحى جانباً يرقب الأحياء النيام في طمأنينة.. كما يفعل كل يوم..

فإذا شمعة مكابرة.. تشق طريقها في تؤدة وتقلق هجعة البهمة الغافية..

قالت الظلمة في غضب:

- يا ابنة النار واللهب.. كيف تنتهكين حرمتي وتفظين بكارتي وأنا سلطانة الليل وآلهة العماء؟..

تمايلت الشمعة في دلال وقالت:

- إيه يا ظلمة.. يا ملكة الهمود والخمود.. أوما أخبروكِ بأنني نبية الأماني الراكدة.. و رسولة الأحلام المقيدة؟.. قد جئتكِ اليوم كي أثير الآمال النوّما.. و كي أفك أسر الرجاوي والطموحات..

نفثت الظلمة قلة صبرها في إعياء حتى كادت الشمعة أن تنطفئ وقالت:

- يا شمعة.. ألا تعتبرين وتتعظين؟.. انظري إلى رفيقاتك النافقات حولكِ.. قد جئن قبلكِ.. يترجين رجاءكِ.. فأحرقنَ في سبيل تلك الأماني والأحلام أجسادهن حتى خمدن في حضرتي.. ألا تخشين أن يكون مصيركِ مصير رفيقاتكِ؟.. فتقضين نحبكِ قبل أن تحققي هدفكِ وتصلي إلى مبتغاكِ..

هزت الشمعة لهيبها في خوف.. فارتعدت الظلمة..

وقالت:

- يا ظلمة.. إني أفتدي بحياتي قوماً مزّق اليأس أجسادهم.. و قطّع أوصالهم.. وصلب القنوط مآربهم.. قد جئت اليوم كما جاء غيري قبلي.. وكما سيجيء سواي من بعدي.. ولربما جئن في يومٍ ما قطيعاً فبددن صلفكِ وافتخاركِ بنفسكِ..

صمتت الشمعة وقد زفرت زفرةً حمَّلتها كل أوجاعها.. وانسابت دمعةٌ فوق جسدها حتى جمدت أسفلها.. وظلت حيناً من الزمان.. يأكل بعضُها بعضَها حتى خبت بعد أن انصهر أغلبها..

كان الليل قد ولى.. وانسحبت الظلمة من فوق الوجود..

وتسلل النهار في خجل.. يعلن ميلاد يوم جديد...

دمعة

سألتني دمعةٌ ذات مساء:

- عشت دهراً أسيرة عينكِ، فَلِمَ تطلقين سراحي هذه الليلة؟

قلت لها دهشة:

- أتأبين الانعتاق من مؤقة العين وظلمة الحبس يا أسيرة الرمش والهدب؟

قالت:

- آهٍ عليكِ ثم آه.. كنتُ نائمة في طمأنينة الوليد بين ذراعيّ أمه.. قد تسامرت ورفيقاتي يوماً، فتحدثنا عنكِ قائلات فيكِ الأقاويل.. فطوبى لمن رحلن قبلي وطوبى لمن سيرحلن بعدي..

تألقت الدمعة وهي تتأرجح في مؤقة العين وقد صدرت منها أنةٌ عميقة..

قلت لها:

- يا دمعة.. لا تحزني ولا تفجعي، إن مجّتكِ عيني، فقد كنتِ في عالم الغيب الغميق.. كالجنين في رحم أمه.. ها إنك الآن تولدين..

قالت الدمعة في عجب:

- أأولد كي أموت في لحظة؟

قلت لها مهونة:

- تموتين لأنك قرباناً لدواخلنا.. قد كنتِ كالغصة تموج بين الصدر والحلق.. و تخرجين الأن كالآه من الفيه..

كتمت الدمعة أنة عويل، ثم أغمضت عينيها البراقتين وانسابت راسمةً ممراً يلتقي بزاوية الأنف.. ثم انزلقت فوق الفم وانهدرت ما بين الشفتين متخذةً ملتقاهما محطة انتظار.. ومن ثم هبطت تتأرجح فوق الذقن، حتى انطلقت طافرةً لتصطدم بورق خطابي هذا.. لتتبعثر كالشظايا راسمةً كلمة شكراً..

فطوبى لها.. قد ماتت قرباناً لكلمة شكر..

العدد 3570 - الجمعة 15 يونيو 2012م الموافق 25 رجب 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً