يرى الحبر الأعظم أن أبرز بند على أجندة زيارته المرتقبة لتركيا هو لقاء يتوق إليه بشدة مع بارثولوميو الأول بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية في إسطنبول.
بيد أنه خلف الجدران المنيعة لأصغر دولة ذات سيادة في العالم فان محور الانتباه سيوجه إلى جهود البابا لمصالحة مع الإسلام عقب محاضرته التي ألقاها في جامعة ألمانية والتي أثارت جدلا عنيفا. ومن المقرر أن تبدأ زيارة بابا الفاتيكان لتركيا في الفترة من 28 نوفمبر/ تشرين ثاني إلى الأول من ديسمبر/ كانون أول وهي خامس زيارة خارجية له وأول زيارة إلى بلد تسكنه أغلبية مسلمة في الوقت الذي تمر فيه العلاقات المسلمة - الكاثوليكية بوقت حرج. فمحاضرة البابا في 12 سبتمبر/ أيلول الماضي «عن الإيمان والعقل» بجامعة ريجنسبرغ الألمانية والتي بدا فيها انه ينتقد تبرير الإسلام لاستخدام العنف في نشر الدين أثارت احتجاجات واسعة في العالم الإسلامي ومنه تركيا.
ومنذ ذلك الحين والبابا ومساعدوه لا يألون جهدا-من الناحية الدبلوماسية-في نزع فتيل الخلاف. ومن ثم فان الخبراء في روما يعتقدون أن البابا بنديكت السادس عشر سيستغل الزيارة في محاولة توضيح آرائه مرة واحدة وبشكل نهائي. وصرح مسئول بالفاتيكان «سيتعين عليه أن يعالج القضية الإسلامية فليس بمقدوره - ببساطة - أن يتحاشاها». وسيكرر البابا على الأرجح دعوته التي أعرب عنها أول مرة خلال اجتماع جرى في 25 سبتمبر مع دبلوماسيين مسلمين بفتح «حوار يتسم بالصدقية» والتعاون بين المسيحيين والمسلمين ضد «جميع أشكال العنف وعدم التسامح».
وربما ستكون أكثر لقاءات البابا حساسية في تركيا ذلك اللقاء الذي يأتي بعد قليل من وصوله إلى أنقرة إذ من المقرر أن يجري محادثات مع مدير الشؤون الدينية في تركيا وصاحب أعلى سلطة إسلامية في البلاد علي برداك أوغلو. وكان أوغلو بين أول من دعوا البابا لتقديم اعتذار رسمي عقب خطابه في ريجنسبرغ.
وقال آنذاك إن كلمات البابا أظهرت «كراهية في قلبه» ودعا لإلغاء زيارته. بيد أن المسئول التركي قبل في وقت لاحق بالبيان الذي أصدره البابا والذي أعرب فيه عن أسفه لما سببه خطابه من أذى لمشاعر المسلمين. والآن وقد بدا الغبار ينقشع فان الخبراء في الفاتيكان باتوا يعتقدون أن ميل بنديكت لإثارة مسائل تسبب عدم الارتياح قد نجح على الأقل في دعم نوع من «الحوار الذي يتسم بالصدقية والذي طالما نادى جوزيف راتيسنجر بدعمه.
وليس أدل على ذلك من الخطاب المفتوح الذي بعث به مؤخرا إلى البابا 38 من أبرز علماء المسلمين فضلا عن اللقاء الذي جرى في 11 نوفمبر الماضي في الفاتيكان بين البابا والفيلسوف المسلم الجزائري مصطفي شريف. ومما لاشك فيه أن من بين الأسباب التي جعلت البابا الراحل يوحنا بولس الثاني سلف بنديكت السادس عشر يحظى بشعبية كبيرة بين الكاثوليك وغير الكاثوليك على حد سواء حبه العميق لإيماءات المودة الشديدة تجاه الديانات الأخرى. بيد أن بنديكت أستاذ اللاهوت السابق لا يبدو بعد 19 شهرا من اعتلائه الكرسي البابوي راغبا في تجاهل خلفيته الأكاديمية محبذا مناقشة القضايا الحساسة بشكل تحليلي أكثر وباستخدام لغة بها قدر أكبر من المباشرة.
ومن ناحية أخرى، فانه خلف الأسوار العالية للفاتيكان فان مسئولي الكنيسة يتلهفون الى لقاء بنديكت في اسطنبول مع بارثولوميو الأول. ويأتي هذا اللقاء في ظل دفء العلاقات الحالية بين المسيحيين الكاثوليك والأرثوذكس وهما ما يزالان يكافحان لتحقيق المصالحة منذ الانشقاق الكبير الذي وقع بينهما العام 1054
العدد 1540 - الخميس 23 نوفمبر 2006م الموافق 02 ذي القعدة 1427هـ