المنامة - سعيد محمد
هل يمكن أن يصدر حكم قضائي بالهدم، ثم بالإجلاء، ثم بالعودة مرة أخرى اختيارياً للعيش في المبنى ذاته الذي كان ولايزال يشكل تهديداً لحياة الآلاف من الناس... منهم - على الأقل - 300 روح تعيش في هذه العمارة؟ وما الذي يدفع في اتجاه تغيير اجراءات التقاضي بالشكل الذي يكلف الساكنين في البرج السكني والمستأجرين في البرج التجاري من «بناية الكويتي الشهيرة» الكثير من المال... فالمكاتب تدمرت والعفش «تضعضع» والناس تشردت هنا وهناك؟
وقبل عشرات الأسئلة وبعدها، يبقى السؤال الرئيسي: «هل يجب قانوناً، هدم بناية الكويتي أم لا؟»...
ذاكرة شباب السبعينات
لن يكون هدمها طبقاً للإجراءات القانونية هيناً... سيكون مؤلماً بالنسبة إلى جيل كامل من أبناء البحرين والخليج، هم جيل السبعينات ومطلع الثمانينات، الذين مارسوا فترة شبابهم وربما مراهقتهم أيضاً مستمتعين تماماً بهذا النمط التسوقي الجديد في مجمع راقٍ كان يعادل في رقيه ورونقه وشهرته آنذاك، شهرة مجمع السيف أو مجمع العالي، أو لربما جاء الشباب من السعودية في السفن عبر فرضة المنامة للاستمتاع بهذا المجمع «الخطير» الذي عاصر عهد نشوئه مجمعا آخر هو مجمع «ديلمون» في قلب سوء المنامة... وكان أكثر ما ساهم في شهرة بناية الكويتي، هو فرع تسجيلات «النظائر» الذي كان معروفاً على مستوى الخليج عموماً، بأنه يقدم أحدث إنتاج لكبار المطربين الخليجيين والعرب... بل حتى عهد قريب، كانت مكبرات الصوت التي تنقل الموسيقى و... «الطرب» الى آذان مرتادي المجمع هي السمة الأولى التي لم تتغير، منذ السبعينات حتى اليوم.
الملف الخطير
وانتقالاً من حديث الذكريات، الى حديث أكثر أهمية في واقع «بناية الكويتي» اليوم، والتي عاشت خلال الأسبوع الماضي أسوأ أوقات سكانها ومستأجريها... ويبدو أن قضية العمارة، تلزم الجهات ذات العلاقة بالنظر الى ملف خطير يبدو مخبأً نوعاً ما، يتعلق بسلامة المباني في المملكة، ويدفع باتجاه اعادة النظر في تقييم اوضاعها، الأمر الذي يتماشى مع توجيهات سمو رئيس الوزراء الذي طالب بتشكيل لجنة لتقييم أوضاع العمارات السكنية بعد حريق عمارة العمال في القضيبية في سبتمبر/ ايلول الماضي.
منذ صباح أمس حتى المساء، كان الوضع في العمارة هادئاً... من خارجها وحولها، اللهم إلا من بعض تحركات هنا وهناك لإعادة عفش أو نقل عفش آخر، فيما كان رجال الأمن يراقبون الوضع... «لقد سمحوا لهم بالعودة... لقد صدر حكم بعودة السكان الى شققهم وأصحاب الأعمال الى مكاتبهم»... كانت عبارة شاردة من حديث عابر بين اثنين من رجال الأمن ليقول له الثاني: «مجانين يرجعون... كل شي مكسر... حالتها حالة هالعمارة والأكثر انها تخوف كأنها مهجورة من قرن... وبعدين، صدر حكم أو ما صدر... لين طاحت في لحظة، ما تنفع احكام ولا غيرها»... ربما كان الاثنان يقتلان الوقت في ذلك المكان المقفر، الباعث على الأمل!
لقد صدر قرار محكمة التمييز بوقف تنفيذ الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف والمؤيد للحكم الصادر سابقاً بهدم العمارة، وهذا الحكم أعطى للمستأجرين في البرج التجاري والسكان في البرج السكاني «حق العودة» بعد حركة الإجلاء القسرية تحت رقابة تنفيذية من قبل الشرطة والتي جعلت ما يقرب من 300 مستأجر يواجهون ظرفاً في غاية الصعوبة. ولهذا، وعندما قضت محكمة التنفيذ يوم الأحد 11 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري بالإخلاء الفوري للبدء في عملية الإزالة، تم توزيع اعلانات باللغتين العربية والإنجليزية عند مداخل العمارة تبلغ السكان بأن عليهم حزم امتعتهم والرحيل، فيما كانت بلدية المنامة تتابع تنفيذ الإجراءات، بل... وتسلمت مديرية أمن محافظة العاصمة نسخة من حكم الإخلاء وكذلك الإشعار بالإخلاء.
بناية الكويتي... مدخلاً
سنعتبر بناية الكويتي مدخلاً لإثارة موضوع سلامة المباني في البحرين، والذي يبدو - كما يقول الكثير من المهندسين المعماريين والبلديين - أنه ملف مهمل، لكن بدأ يثير القلق، ومن ذلك، فإن مدير عام بلدية المنامة عبدالكريم حسن كان واضحاً في حديثه عن وضع المبنى، فقد كان الكثير من السكان والمستأجرين غاضبين بنبرة احتجاج، ليس على البلدية ولا على مديرية الشرطة، بل على المحكمة التي سارعت إلى إصدار حكم الهدم والإجلاء، ثم جاء حكم محكمة التمييز بإيقاف حكم محكمة الاستئناف، ما عرضهم لخسائر كبيرة وأوضاع معيشية حرجة (سنشير إليها لاحقا)، بيد أن المشكلة الكبرى هي أن وضعية العمارة، هي ما يجب النظر اليه، لذلك سألنا حسن عبدالكريم: «هل ستهدم العمارة أم لا؟» فأكد أن «المداولات الفنية والإدارية والقضائية بشأن هذه العمارة كانت ممتدة منذ 3 الى 4 أشهر، حتى صدر حكم بهدم المبنى أيدته محكمة الاستئناف فيما القانون يعطي الحق للمالك برفع الحكم الى محكمة التمييز، ونحن ننتظر الآن صدور حكم التمييز».
وفيما يتعلق بالوضع الفني للعمارة أشار الى أن هناك أسبابا متعددة أدت الى بروز مشكلات فنية كبيرة، منها تراكمية كالحريق الذي شب في البناية قبل عدة سنوات وتسبب في احداث مشكلات فنية في العمارة، فقد كان حريقاً كبيراً بالإضافة الى عدم وجود صيانة للمبنى، وبالنسبة إلى الحال الإنشائية فمن الواضح أن الكونكريت يرفض الاتصال بالحديد والسقوف أصبحت تتساقط منها قطع وبعض الأعمدة متآكلة وليس لها جدوى، أما الأعمدة الحديد الموضوعة في جوانب متعددة من المبنى فهي تعتبر اضافات لتقويم المبنى.
ويشدد على جانب مهم، وهو أن الخبراء الذين تمت الاستعانة بهم اجمعوا على أن الحال الإنشائية ضعيفة، «سلامة الناس بالنسبة لنا أولى من أي شيء آخر، لأننا نهدف الى تفادي الكارثة».
وبدت نبرة الاحتجاج قاسية بالنسبة إلى السكان والمستأجرين الذين التقيناهم والذين سننقل ملاحظاتهم على الموضوع، فإذا كان وقف تنفيذ الحكم يعطيهم الحق في العودة، فإنه أيضاً يغفل جوانب كثيرة منها عقود الاستئجار الجديد وتضرر الأثاث والمقتنيات، وكذلك الحال النفسية السيئة التي عاشها الناس، بل والأنكى من ذلك أن حكم الإخلاء صدر في فصل الشتاء ولا توجد دولة ترضى بإجلاء بنى آدم من سكن بحكم القانون... في فصل الشتاء... إذاً، من سيعوض المتضررين؟ وكيف؟?
العدد 1545 - الثلثاء 28 نوفمبر 2006م الموافق 07 ذي القعدة 1427هـ