العدد 1121 - الجمعة 30 سبتمبر 2005م الموافق 26 شعبان 1426هـ

الحصافة

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

أسبوع سيئ آخر. .. لنترك المبالغة، انها خمسة أيام بدأت منذ الثلثاء الماضي فور ان قرأت مقالي المنشور في هذه الصحيفة العزيزة وفي هذا المكان بالضبط. هل تكرهون تحريف كلامكم أو التصرف فيه بالإضافة أو الحذف أو تحوير كلماتك وإعطائها معاني غير التي قصدت. أي ذلك الإحساس الذي ينتابك وكأنك لا تعرف ان تكتب بالعربية ولا تعرف اختيار الكلمات المناسبة، بل الأدهى ان يتم تحوير كلامك بغير ما قصدت. الأكثر من ذلك ان هذا يتم باجتهاد، لكن من الواضح انه اجتهاد يعاني من خلل. هذا لم يفعله محرر ولم يفعله مدير التحرير ولا رئيس التحرير، بل فعله مصحح لغوي. لقد تحولت مفردة "الحصافة" إلى "الصحافة". السبب بسيط جدا، فالمصحح قرأ الفقرات الأولى من المقال فوجدها تتحدث عن مقارنة بين الصحافة والتعليم فاستنتج ان المقصود هو الصحافة وليس "الحصافة" أي التبصر والذكاء. بالنسبة لعجوز مثلي قضى ربع قرن في المهنة، بإمكاني ان اخلص لهذا الاستنتاج لأن مثل هذه الحالات صادفتها مرارا. هذا النوع من المصححين يقرأ حرفيا ولا يدقق في المعنى. هذا النوع من القراءة يعتمد على الايحاء أكثر مما يعتمد على الفهم. كنت اقارن بين الصحافة والتعليم عبر سؤال مشترك يجمع المهنتين: هل يبحث الخريجون عن وظيفة بعد الجامعة ام يريدون ان يكونوا معلمين؟ انني اتحدث عن فارق لذلك فإن العبارة اللاحقة كانت: "الفارق واضح وستدركونه بأقل قدر من الحصافة". أي ان القراء سيدركون الفارق بأقل قدر من التبصر والذكاء. لكن الحصافة المطلوبة تحولت إلى: "أقل قدر من الصحافة". كيف يمكن ان ندرك الفارق بأقل قدر من الصحافة؟ المعنى لا يستقيم ابدا وبدوت انا مثل أجنبي تعلم العربية منذ 10 سنوات لا يميز بين مترادفات العربية وما أكثرها. حتى التبرير الرائج للخطأ المطبعي لا يقبله العقل لسبب بسيط ان المعنى لا يستقيم ابدا. لكن هذا لم يتوقف، وفي فقرة أخرى وجدت ان ما قصدت تحول إلى العكس تماما. لقد كتبت: "أما العنوان فهو موح: أي وظيفة يا وزارة التربية". كان هذا العنوان عنوان رسالة في صفحة بريد القراء بإحدى الصحف الزميلة، نقلته كإشارة مرتبطة بما اتحدث عنه: هل يريد الخريجون أية وظيفة ام يريدون العمل كمعلمين؟ لكن اخانا المصحح اللغوي استنتج أمرا آخر. قلب العبارة كلها: "اما العنوان فهو يوحي بـ "أية وظيفة يا وزارة التربية". أي حول حقيقة إلى تشبيه وعليه بدوت انا كمن يغتصب الأمثلة ويتعسف في التشبيه ولا اعرف عم اتحدث. هذا النوع من المصححين يقرأ بعينه لا بعقله وهذا قد يقود إلى مهالك لا أول لها ولا آخر. أما عندما يتدخل على هذا النحو، فإنه يتصرف بوحي شعور مسبق ان مهمته هي انقاذ اللغة العربية من أيدي صحافيين امعنوا فيها تمزيقا وتكسيرا وتعجيما. لكن ها انتم تشاهدون النتيجة. هذا المقال ليس الأول من نوعه، قبلي كتب زملاء كثر شكاوى مليئة بالمرارة من المصححين إلى الحد الذي يجعلني اوقن ان الصحف تحتاج إلى شعراء لكي يمارسوا التصحيح، اقله اناس من طينة الشيخ عبدالله العلايلي. لا بأس، ثمة بقية من أعصاب، لكن شركات العلاقات العامة التي أصبحت بكثرة مطاعم المشويات في البحرين اكتسبت عادة جديدة هذه الأيام ربما بفعل المنافسة. يتصلون بك المرة الأولى ليبلغوك انهم بصدد إرسال ورقة لك اما بالفاكس أو البريد الإلكتروني. تعطيهم الرقم أو تؤكد الرقم لهم، بعد ربع ساعة يتصلون: هل استلمت الدعوة؟ إذا كنت بالخارج فليس سوى الوعد بمراجعة الفاكس أو البريد الإلكتروني لاحقا. لكنهم يلحون: متى سترجع المكتب لكي نتأكد من استلامك للدعوة؟ ان كنت لطيفا وذا مزاج رائق في ذلك اليوم ستحدد موعدا. وما ان يحين الموعد الا ويأتيك الهاتف: هل استلمت الدعوة؟ ان اجبت بكلا ستعود الأسئلة نفسها من جديد: متى ستؤكد لنا استلامك، نريد ان نتأكد من استلامك الدعوة. اما إذا اجبت بنعم فان السؤال لا يتأخر: هل تؤكد حضورك؟ هذه صيغة مترفقة، فمعظمهم أو بالأصح معظمهن يسألنك: "ستحضر ام لا"؟ تتذكر أصول اللباقة وتعد بالحضور. بعد يوم أو اثنين، يعاودن الاتصال: "استاد محمد حبينا نتأكد بتيي أو لا"؟ الجواب لا يتأخر: سأحضر إن شاء الله. قبل موعد الفعالية بيوم: استاد محمد بتشرفنا بكرة إن شاء الله؟ وصباح اليوم الموعود نفسه: استاد محمد بتشرفنا إن شاء الله. ولو صادف ان الاستاذ محمد انشغل بأمر آخر أكثر أهمية أو أولوية يرن الهاتف بعد عشر دقائق من بدء الفعالية لكن النبرة مليئة بالتوتر: قلت انك ستحضر، لماذا لم تحضر؟ هكذا أسبوع وأكثر تضيع ساعاته بين هذه المكالمات. والمنافسة كفيلة بان تفعل الأعاجيب. كل هذا أحد أعراض هذا الانتشار الكبير لشركات العلاقات العامة. الموظفون يجب ان يعملوا، مكالمات تذكرنا بتلك الرسالة المسجلة: عزيزي الزبون. مصاريف ومكاتب وفواتير هاتف ومفهوم العمل يقوم على تكنيك بسيط وبدائي يطلق عليه بالعامية: "الحنة". لكن ناشطا أهليا وجد الحل الأمثل بعيدا عن هذا الصداع. ابتكر منسق الدعم الإعلامي بجمعية الوفاق فهيم عبدالله تقنية بسيطة: يرسل البيانات بالبريد الإلكتروني ثم يقوم بإرسال رسالة نصية مقتضبة عبر الهاتف المحمول: "بيان صحافي في بريدك الإلكتروني". وقبيل نهاية الأسبوع، تسمع وتقرأ ان هناك حديثا عن اناس يبحثون عن مرجعية سنية. لامناص من ان تتذكر "الحصافة" أي الحكمة والتبصر والذكاء. فهؤلاء الذين يتحدثون عن مرجعية سنية "وجلهم اخوة وأصدقاء أعزاء" أكثر من يحتاجها هذه الايام لأنهم بدعوتهم هذه يجهلون السر الأعظم لتلك المدينة الرائعة التي يتردد صدى هذه الدعوة في جنباتها: "المحرق". ينسون روح المحرق المتسامية دوما فوق كل شيء والشاخصة نحو الافق منذ ان خلقت

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 1121 - الجمعة 30 سبتمبر 2005م الموافق 26 شعبان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً