العدد 1180 - الإثنين 28 نوفمبر 2005م الموافق 26 شوال 1426هـ

السابقة الأولى

محمد فاضل العبيدلي

مستشار في مركز دبي لبحوث السياسات العامة

عائد للتو من المحكمة ممتلئ سعادة، إذ تمت تبرئة الزميل رضي الموسوي رئيس تحرير نشرة "الديمقراطي" من التهم التي سيق من أجلها إلى المحاكمة. لم تستغرق الجلسة سوى دقائق معدودة، إذ دخل القضاة وبدأ قاضي الوسط الجلسة بالقول: "قضية رضي الموسوي... كامل البراءة". هذه الدقائق كانت أشبه بحلم، فالقضية التي استغرقت ثلاث سنوات ووصلت إلى المحكمة الدستورية وعادت من جديد إلى محكمة أول درجة انتهت في دقائق. قبيل المحاكمة، كنت أتحادث مع رضي ووجدته مستعدا لأسوأ الاحتمالات. ووجدت نفسي ابتسم وأتبادل معه وآخرين الطرف لكنني غارق في أقصى مشاعر الحذر. كان يهيمن علي قلق من أمر واحد، قانون غير مكتوب في بلادنا اسمه: "السابقة الأولى". لقد سيق رضي إلى المحكمة في قضية تعد سابقة أولى، مقال منشور يتضمن اتهامات لموظف حكومي بالفساد. وكان هذا مستحيلا قبل سنوات خلت، لكن النشر كان بمثابة اختبار لواقع جديد آمنا به جميعا. أن يكون بمقدور الصحافيين نشر مثل هذه القضايا، الواضح انه كان امتحانا صعبا. لكن أمثولة الموسوي هي نفسها التي تصدق مع عشرات القضايا التي رفعت ضد الصحافيين منذ 3 سنوات وسيقوا من أجلها إلى المحاكم. لقد ظل الشعور السائد لعقود طويلة في بلادنا أن الشخصيات العامة تملك حصانة أمام الصحافة. تملك حصانة من الملاحقة القانونية ومن مراقبة الصحافة ونقد الصحافة. لقد تمت تبرئة رئيس تحرير "أخبار الخليج" الزميل أنور عبدالرحمن والزميلة مريم أحمد والناشطين الحقوقيين وأولئك الذين أبدوا مجرد رأي في حكم قضائي. وردت المحكمة دعاوى أخرى رفعت ضد صحافيين عبروا عن رأيهم في أداء وآراء شخصيات عامة تتصدى لإبداء رأيها في كل شيء وتنتقد كل شاردة وواردة، لكن عندما تعرضت هذه الشخصيات للنقد سارعت الى رفع الدعاوى ضد الصحافيين. وردت المحكمة أيضا القضية المرفوعة من النائب محمد خالد ضد الزميلة بتول السيد وصحيفة "الوسط" وفي وقت مبكر أبطلت قرار منع الزميل حافظ الشيخ من الكتابة في 2001 علام يدل هذا كله؟ انه يدل على نوع من الهستيريا التي أصابت الجميع حيال "حرية الرأي والتعبير" وحرية الصحافة. فكل أولئك الذين يسارعون للصحافة لنشر أخبارهم ونشاطاتهم وتسريباتهم، لا يرون في الصحافة أكثر من أداة دعائية. يصدق هذا على الشخصيات العامة وعلى موظفي الحكومة من الوزراء نزولا إلى أصغر موظف لديهم. ان هؤلاء جميعا لم يعتادوا أن تكتب الصحافة قضايا عن فساد هنا أو هناك، أو أن تنتقد آراءهم وتصرفاتهم وليس من تفسير لهستيريا سوق الصحافيين للمحاكم سوى أن هؤلاء جميعا يحركهم ذلك القانون غير المكتوب: السابقة الاولى. الخوف من السابقة الاولى تحديدا، أن يكتب الصحافيون وينشروا عن قضية فساد ويصبح النقد أمرا اعتياديا في عمل الصحافة. الأبعد من هذا ان نمتحن جدية التوجهات المعلنة في محاربة الفساد وان تترتب على النشر تبعات عملية: محاسبات وتدقيق ومصارحات وتحمل للمسئولية. هذا لم نعتد عليه، ولكي يترسخ كان يتعين على الزملاء الصحافيين ان يدخلوا في هذا الاختبار. واذا ما استدعينا الذاكرة مليا، سنجد مثالا موحيا آخر. فالزميل ابراهيم بشمي تمت تبرئته في العام 1975 في قضية نشر أيضا، لكنه قضى خمس سنوات في السجن بموجب قانون أمن الدولة. واذا كان هذا قد أصبح تاريخا الآن، فان العبرة واضحة: لقد زال قانون أمن الدولة لكن آثاره مازالت باقية فينا، في دواخلنا. أهم هذه التأثيرات هو هذا الشعور المضلل لدى الشخصيات العامة بالحصانة من النقد. ثانيها هو التخلص من شعور مضلل آخر بان الصحافة ليست سوى أداة دعائية. مهما أسهبت في التفاصيل، فان المعنى من هذا كله سيعود بنا في نهاية المطاف إلى امتحان قناعتنا في الصميم: هل نؤمن حقا بحرية التعبير وحرية الصحافة؟ المؤسف أن الجواب قد لا يكون مشجعا، فكل تلك الأمثلة لا تدل إلا على ضيق بحرية النقد وحرية التعبير وحرية الصحافة بل وحق الآخرين في النقد. وفي تفصيل مهم آخر هنا يتعين على الشخصيات العامة أن تدرك أمرا واحدا: إنها فور أن تقرر دخول المعترك العام في الخدمة العامة الحكومية أو النشاط السياسي أو الأهلي، فإنها عمليا تقر بحق الآخرين في النقد ومراقبة أدائها وسلوكها. ليست هناك حصانة للشخصيات العامة سوى أدائها ونزاهتها ونظافة يدها. فالمنصب لا يمنح الحصانة بل الكفاءة والنزاهة وعفة اليد. لا البشت ولا البدلات وربطات العنق ولا الخطب المنمقة عن الشعب والوطن والغد المشرق ولا تزعم الصفوف الأولى في المسيرات والصراخ باسم الفقراء تمنح الشخصيات العامة أية حصانة. لو تأملنا مليا في القضايا التي رفعت ضد الصحافيين، لن نجد سوى قاسم مشترك وحيد: الجميع يستكثر على الصحافة إبداء الرأي ويسعون لإبقائها دوما تحت السيطرة. نطالب بالحرية وننتقد ونكثر النقد بل ونكون لاذعين في نقدنا للحكومة وللآخرين، لكن في دواخلنا تكمن الفاشية ونسارع إلى التهديد والتخويف ورفع الدعاوى إذا ما مسنا النقد. هذه هي بقايا أمن الدولة، فأمن الدولة ليس بالنهاية سوى مفهوم يقوم على تحريم حرية الرأي والتعبير. على الشخصيات العامة أو كل أولئك الطامحين إلى دخول المعترك العام كممثلين للشعب في البلديات أو البرلمان أو حتى النشاط الأهلي العام في كل ميادينه، أن يستعدوا ليوم سيرون فيه أنفسهم مادة لكاريكاتير الصحف. أن يملكوا جلود تماسيح لكي يتعاملوا مع حرية التعبير وحرية الرأي. وإذا كانوا يعتقدون أنهم يملكون حصانة من أي نوع، أو أن النقد أو حرية التعبير لها وسيلة واحدة فذلك وهم آخر. لكن المعني بالرسالة أكثر هو الحكومة التي صاغت قانونا للصحافة لا يقوم إلا على كبح تطور حرية التعبير وترسيخها في البلد. وما على المهتمين أو الذين تشغلهم حرية الرأي والتعبير في بلادنا سوى أن يراجعوا كل تلك الصياغات الفضفاضة التي تعالج حرية التعبير في هذا القانون لكي يروا المدى الذي يمكن أن نذهب إليه في ممارسة حرية التعبير. وعليهم أن يراجعوا تلك المفردات ذات الصياغات الملتبسة لكي يقرروا ما إذا كانت الصحافة تملك طريقا للتطور في ظل هذا القانون أم لا.

إقرأ أيضا لـ "محمد فاضل العبيدلي"

العدد 1180 - الإثنين 28 نوفمبر 2005م الموافق 26 شوال 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً